فهرس الكتاب

الصفحة 10316 من 11127

6954 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السَّعديّ المروزيّ، وقيل البخاريّ، وكان ينزلُ بمدينة بخارى بباب بني سعد ونسبه لجدِّه، وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همام الصَّنعانيّ (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة، هو ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء والميم المشدَّدة، هو ابنُ منبه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) أي إذا أحدث أحدكُم لا يقبلُ صلاته إلى أن يتوضَّأ، ولا يجوز تقديرها بإلَّا المشدَّدة؛ لأنَّ المعنى يصيرُ لا يقبلُ الله صلاة أحدكُم إلَّا أن يتوضَّأ، ومفهومه أنَّه لو صلى قبل الوضوء، ثمَّ توضَّأ قبلت، فيفسدُ المعنى، كذا قرَّره القسطلَّاني، فليتأمَّل.

قال الكرماني فإن قلت ما وجه تعلُّق الحديث بالتَّرجمة؟ قلت قالوا مقصود التَّرجمة الرَّدُّ على الحنفيَّة حيث صحَّحوا صلاة من أحدث في الجلسة الأخيرة، وقالوا إنَّ التَّحلُّل يحصل لكلِّ ما يضاد الصَّلاة فهم متحيِّلون في صحة الصَّلاة مع وجودِ الحدث، ووجه الرَّدِّ أنَّه محدثٌ في صلاته فلا تصحُّ؛ لأنَّ التَّحلُّل منها ركنٌ فيها لحديث (( وتحليلها التَّسليم ) )كما أنَّ التَّحريم بالتَّكبير ركنٌ فيها.

قال الحافظ العسقلاني فإذا كان أحدُ الطَّرفين ركنًا كان الطَّرف الآخر ركنًا، ويؤيِّده أنَّ السَّلام من جنس العبادة؛ لأنَّه ذكر الله تعالى ودعاء لعباده فلا يقومُ الحدث الفاحش مقام الذِّكر الحسن.

قال الكرمانيّ وحيث قالوا؛ أي الحنفيَّة المحدِثُ في الصَّلاة يتوضَّأ ويبني، وحيث حكموا بصحتها عند عدم النِّيَّة في الوضوء بعلَّة أنَّه ليس بعبادةٍ، انتهى.

وقال ابن بطَّال فيه ردٌّ على من قال إنَّ من أحدث في القعدة الأخيرة أنَّ صلاته صحيحةً؛ لأنَّه أتى بما يضادها.

ج 29 ص 122

وقال ابنُ المنيّر أشار البخاريّ بهذه التَّرجمة إلى ردِّ قول من قال بصحَّة صلاة من أحدثَ عمدًا في أثناء الجلوس الأخير، ويكون حدثُه كسلامه، ويكون ذلك من قبيل الحيل لتصحيحِ الصَّلاة مع الحدث.

وقد انفصل الحنفيَّة بأنَّ السَّلام واجبٌ لا ركنٌ، فإن سبقَه الحدث بعد التَّشهُّد توضَّأ وسلّم، فإن تعمده والعمد قاطعٌ وإذا وجد القطع انتهت الصَّلاة، واحتجُّوا بهذا الحديث، وفي بعضِ ألفاظه (( لا صلاة إلَّا بطهور ) )، فقول الكرمانيّ فهم متحيِّلون في صفة الصَّلاة مع وجود الحدث كلامٌ مردودٌ غير مقبولٍ أصلًا؛ لأنَّ الحنفيَّة ما صحَّحوا صلاة من أحدث في القعدةِ الأخيرة بالحيلةِ، وما للحيلةِ دخل أصلًا في هذا، بل حكموا بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لابنِ مسعود رضي الله عنه (( إذا قلتَ هذا وقضيتَ هذا فقد تمَّت صلاتك ) )رواه أبو داود في «سننه» . ولفظه (( إذا قلتَ هذا أو قضيتَ هذا فقد قضيت صلاتَكَ إن شئتَ أن تقومَ، وإن شئتَ أن تقعدَ فاقعدْ ) ). ورواه أحمد في «مسنده» ، وابن حبَّان في «صحيحه» ، وهذا ينافي فرضيَّة السَّلام في الصَّلاة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم خيّر المصلي بعد التَّشهُّد بقوله إن شئت أن تقومَ إلى آخره، وهو حجَّةٌ على الشَّافعيّ في قوله السَّلام فرضٌ.

وقوله وجه الرَّدِّ أنَّه محدثٌ في صلاته، فلا تصحُّ غير صحيحٍ؛ لأنَّ صلاتَه قد تمَّت.

وقوله لحديث (( وتحليلها التسليم ) )استدلالٌ غير صحيحٍ؛ لأنَّه خبرٌ من أخبارِ الآحاد، فلا يدلُّ على الفرضيَّة، وكذلك استدلالهم على فرضيَّة تكبيرة الإحرام بقوله صلى الله عليه وسلم (( تحريمها التكبير ) )غير صحيحٍ لما ذكرنا بل فرضيَّته بقوله تعالى {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر 3] والمراد به في الصَّلاة إذ لا يجبُ خارج الصلاة بإجماع أهل التَّفسير، ولا مكان يجب فيه إلَّا في افتتاح الصَّلاة.

وقوله بعلَّةِ أنَّه ليس بعبادة كلامٌ ساقط أيضًا؛ لأنَّ الحنفيَّة لم يقولوا إنَّ الوضوء ليس بعبادةٍ مطلقًا، بل قالوا إنَّه عبادةٌ غير مستقلَّةٍ بذاتها بل هو وسيلةٌ إلى إقامة الصَّلاة.

وقول ابن المنير أيضًا بأنَّ ذلك من الحيل لتصحيح الصَّلاة مردودٌ، كما ذكرنا وجهه.

وقول ابن بطَّال فيه ردٌّ إلى آخره

ج 29 ص 123

كذلك مردودٌ؛ لأنَّ الحديث لا يدلُّ على ما قاله قطعًا، وقول من قال فإذا كان أحد الطَّرفين ركنًا كان الطَّرف الآخر ركنًا غير سديدٍ، ولا موجه أصلًا؛ لعدم استلزام ذلك على ما لا يخفى.

وما قاله أبو حنيفة أنَّ المحدث في صلاته يتوضَّأ ويبني وافقه ابن أبي ليلى، وقال مالكٌ والشافعيّ يستأنفُ الصَّلاة واحتجَّا بهذا الحديث، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال وفي الاحتجاج نظرٌ، وذلك لأنَّ الغاية تقتضِي ثبوت القبول بعدها، ولا شكَّ أنَّ ما تقدَّم قبل الحدث صلاة وقعت بوجهٍ مشروعٍ وقبولها مشروطٌ بدوام الطَّهارة إلى حين إكمالها أو بتجديدِ الطَّهارة عند وقوع الحدث في إثباتها وإتمامها بعد ذلك، فيقبل حينئذٍ ما تقدَّم من الصّلاة قبل الحدثِ، وما وقع بعدها ممَّا يكملها، والحديث منطبقٌ على ذلك، وليس فيه ما يدفعه فكيف يكون ردًّا على الحنفيَّة، وما قيل إنَّ الحدثَ في أثنائها مفسدٌ لها فهو كالجماع في الحجّ لو طرأ في خلاله لأفسدَهُ، وكذا في آخره فهو مردودٌ أيضًا بما مرَّ.

ونقل ابن التِّين عن الدَّاوديّ ما حاصله أنَّ مناسبة الحديث للتَّرجمة أنَّه أراد أنَّ من أحدث وصلَّى ولم يتوضَّأ، وهو يعلم أنَّه يخادع النَّاس بصلاته فهو مبطلٌ كما خدع مهاجر أمِّ قيس بهجرته وخادعَ الناس، وهو يعلم أنَّه يطلع على ضميره.

قال الحافظ العسقلانيّ وقصَّة مهاجر أمّ قيس إنَّما ذكرت في حديث (( الأعمالُ بالنِّيَّات ) )وهو في الباب الَّذي قبل هذا الباب [خ¦5070] ، لا في هذا الباب.

وزعم بعضُ المتأخِّرين أنَّ البخاريَّ أراد الرَّدَّ على من زعم أنَّ الجنازة إذا حضرت وخافَ فوتها أنَّه يتيمَّم، وكذا من زعم أنَّه إن أقامَ لصلاة اللَّيل فبعد عنه الماء وخشي إذا طلبه أن يفوتَه قيام اللَّيل أنَّه يباح له الصَّلاة بالتَّيمُّم، وكلُّ ذلك تكلُّفٌ بعيدٌ.

وقال ابنُ حزم في أجوبةٍ له عن مواضعٍ من «صحيح البخاريّ» مطابقة الحديث للترجمة أنَّه لا يخلو أن يكون المرء طاهرًا متيقِّنًا،

ج 29 ص 124

أو محدثًا متيقِّنًا للحدث، وعلى الحالين ليس لأحدٍ أن يدخلَ في الحقيقة حيلة، فإنَّ الحقيقة إثبات الشَّيء صدقًا أو نفيه صدقًا فما كان ثابتًا حقيقة فنافيه بحيلةٍ مبطل، وما كان منتفيًا حقيقةً، فمثبته بحيلة مُبْطل.

هذا والظَّاهر أنَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة غير ظاهرةٍ، وقد مضى الحديث في (( الطهارة ) ) [خ¦135] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت