قال ابن المنيِّر في الحاشية أفهم البخاري بهذه التَّرجمة أنَّ الحلق نسك؛ لقوله عند الإحلال، وما يصنع عند الإحلال ليس هو نفس التَّحلل، وكأنَّه استدلَّ على ذلك بدعائه صلى الله عليه وسلم لفاعله، والدُّعاء يشعر بالثَّواب، والثَّواب إنَّما يكون على العبادات لا على المباحات. وكذلك تفضيل الحلق على التَّقصير يشعر بذلك؛ إذ المباحات لا تتفاضل.
وأيضًا لا تحلل للحجِّ والعمرة بدونه كسائر أركانهما إلَّا لمن لا شعر برأسه، فيتحلَّل منهما بدونه، فلا يؤمر به بعد نبات شعره، ولا يفدي عاجز عن أخذه لجراحة أو نحوها، بل يصبر إلى قدرته ولا يسقط عنه. ويستحبُّ لمن لا شعر برأسه أن يمر الموسى عليه تشبهًا بالحالقين.
والقول بأنَّ الحلق نسك قول الجمهور، إلا رواية مضعَّفة عن الشَّافعي أنَّه استِبَاحَةُ مَحْظور. وقد أوهم كلام ابن المنذر أنَّ الشَّافعي تفرَّد بها، لكن حكيت أيضًا عن عطاء عن أبي يوسف، وهي رواية عن أحمد وعن بعض المالكيَّة، وسيأتي إن شاء الله تعالى هل هو فرض أو واجب أو مستحب وقدر ما يجزئ.
قال العيني وجمهور العلماء على أنَّ من لبَّد رأسه وجب عليه الحلق كما فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك أمر النَّاس عمر بن الخطَّاب وابن عمر رضي الله عنهم، وهو قول مالك والثَّوري والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وكذلك لو ضفر رأسه أو عقصه؛ لأنَّ حكمه حكم التَّلبيد.
وفي «كامل» ابن عدي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( من لبَّد رأسه للإحرام فقد وجب عليه الحلق ) )، وقال أبو حنيفة من لبد رأسه أو ضفره، فإن قصر ولم يحلق أجزأه. وروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان يقول من لبد أو عقص أو ضفر فإن نوى الحلق فليحلق، وإن لم ينوه فإن شاء حلق وإن شاء قصر.
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرح التِّرمذي» إنَّ الحلق نسك، قاله النَّووي
ج 8 ص 273
وهو قول أكثر أهل العلم، وهو القول الصَّحيح للشَّافعي. وفيه خمسة أوجه عند الشَّافعية
أصحها أنَّه ركن لا يصحُّ الحج والعمرة إلَّا به.
والثَّاني أنَّه واجب.
والثَّالث أنَّه مستحبٌّ.
والرَّابع أنَّه استباحة محظور.
والخامس أنَّه ركن في الحجِّ، واجب في العمرة. وإليه ذهب الشَّيخ أبو حامد وغير واحد من الشَّافعية. انتهى. وسيأتي تتمَّة لهذا الكلام إن شاء الله تعالى.