1726 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي المعجمة، قال (قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر (كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُولُ حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) رأسه الشريف (فِي حَجَّتِهِ) أي حجَّة الوداع، يدلُّ عليه الأحاديث الكثيرة، وأمَّا قوله عليه السَّلام (( اللَّهم ارحم المحلِّقين ) )ففيه خلاف، فقال بعضهم كان في حجَّة الوداع.
وقال القاضي عياض يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق، كما سيأتي عن قريب، ويحتمل أنَّه كان في الموضعين وهو الأشبه؛ لأنَّ جماعة من الصَّحابة توقَّفت في الحلق فبيَّنهما.
وهذا طرف من حديث طويل رواه مسلم من حديث نافع أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما أراد الحجَّ عام نزل الحجَّاج بابن الزُّبير الحديث وفيه (( ولم يَحْلِلْ من شيء حَرُمَ منه حتَّى كان يوم النَّحر فنَحَر وحَلَق ) ).
ثمَّ إنَّ كيفية حلقه صلى الله عليه وسلم ما رواه مسلم في حديث أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأَتَى الجمرة فرماها، ثمَّ أتى منزلَه بمنى فنحر وقال للحلاق (( خذ ) )وأشار إلى جانبه الأيمن ثمَّ الأيسر، ثمَّ جعل يعطيه النَّاس.
وروى التِّرمذي من حديث أنس رضي الله عنه أيضًا قال لمَّا رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة نحر نسكه، ثمَّ ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه فأعطاه أبا طلحة، ثمَّ ناوله شقه الأيسر فحلقه فقال (( اقسمه بين النَّاس ) ).
ثمَّ ظاهر رواية التِّرمذي أنَّ الشعر الذي أمر أبا طلحة بقسمه بين النَّاس هو شعر الشقِّ الأيسر، وهكذا رواية مسلم من طريق ابن عيينة. وأمَّا رواية حفص بن غياث وعبد الأعلى ففيهما أن الشقَّ الذي قسمه بين النَّاس هو الأيمن، وكلا الرِّوايتين عند مسلم. وأمَّا رواية حفص فقال أبو كريب عنه (( فبدأ بالشقِّ الأيمن فوزعه الشَّعرة والشَّعرتين بين النَّاس، ثمَّ قال بالأيسر فصنع مثل ذلك ) ).
وقال أبو بكر في روايته عن حفص قال للحلاق (( ها ) )وأشار بيده إلى الجانب الأيمن هكذا، فقسم شعره بين من يليه، قال ثمَّ أشار إلى الحلَّاق إلى الجانب الأيسر، فحَلَقَه فأعطاه أمَّ سُلَيم.
وقال يحيى بن يحيى في روايته عن حفص (( ثمَّ قال للحلاق (( خذ ) )وأشار
ج 8 ص 274
إلى جانبه الأيمن ثمَّ الأيسر، ثمَّ جعله يعطيه النَّاس )) ، فلم يذكر يحيى بن يحيى في روايته أبا طلحة ولا أم سليم.
وأمَّا رواية عبد الأعلى فقال فيها وقال بيده فحلق شقه الأيمن فقسمه فيمن يليه ثمَّ قال (( احلق الشَّعر الآخر فقال أين أبو طلحة فأعطاه إياه ) ).
وقد اختلف أهل الحديث في الاختلاف الواقع في هذا، فذهب بعضهم إلى الجمع بينها. وذهب بعضهم إلى التَّرجيح لتعذر الجمع عنده.
وقال صاحب «المفهم» لمَّا حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم شق رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة، وليس هذا مناقضًا لما في الرِّواية الثَّانية أنَّه قسم شعر الجانب الأيمن بين النَّاس، وشعر الجانب الأيسر أعطاه أم سليم، وهي امرأة أبي طلحة، وهي أم أنس رضي الله عنهم.
قال وحصل من مجموع هذه الرِّوايات أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة ليقسمه بين النَّاس ففعل أبو طلحة، وناول شعر الشق الأيسر ليكون عند أبي طلحة، فصحَّت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه، والله أعلم.
وقد جَمَعَ المحبُّ الطَّبري في مَوضعِ إمكانِ جَمْعِه، ورجَّح في مكانِ تعذُّرِه فقال والصَّحيح أنَّ الذي وَزَّعه على النَّاس الشق الأيمن، وأعطى الأيسر أبا طلحة وأم سليم، ولا تضاد بين الرِّوايتين؛ لأنَّ أم سليم امرأة أبي طلحة فأعطاه صلى الله عليه وسلم إيَّاهما فنسبت العطيَّة تارة إليه، وتارة إليها. انتهى.
وفي رواية أحمد في «المسند» ما يقتضي أنَّه أرسل شعر الشقِّ الأيمن مع أنس إلى أمِّه أم سليم امرأة أبي طلحة رضي الله عنهم، فإنَّه قال فيها لمَّا حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بمنى أخذ شق رأسه الأيمن بيده، فلمَّا فرغ ناولني فقال (( يا أنس انطلق بهذا إلى أمِّ سليم ) )قال فلمَّا رأى النَّاس ما خصنَّا به تنافسوا في الشقِّ الآخر؛ هذا يأخذ الشَّيء، وهذا يأخذ الشَّيء.
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي وكأن المحبُّ الطَّبري رجَّح رواية تفرقة الشق الأيمن بكثرة الرُّواة، فإنَّ حفص بن غياث وعبد الأعلى اتَّفقا على ذلك عن هشام، وخالفهما ابن عيينة وحده.
ثمَّ قال الشَّيخ وقد ترجَّح تفرقة الأيسر بكونه متفقًا عليه، وتفرقة الأيمن من أفراد مسلم، فقد وقع عند البخاري من رواية ابن سيرين، عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 8 ص 275
لما حلق رأسه كان أبو طلحة أوَّل من أخذ من شعره، فهذا يدلُّ على أنَّ الذي أخذه أبو طلحة الأيمن، وإن كان يجوز أن يقال أخذه ليفرقه، فالظَّاهر أنَّه إنَّما أراد الذي أخذه أبو طلحة لنفسه.
فقد اتَّفق ابن عون وابن عيينة عن هشام على أنَّ أبا طلحة أخذ الشق الأيمن، واختلف فيه على هشام، فكانت الرِّواية التي لا اختلاف فيها أولى بالقبول.
ثمَّ إنَّ في الحديث ما يدلُّ على وجوب حلق الرَّأس؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم حلق رأسه وقال (( خذوا عنِّي مناسككم ) )واتَّفق الأئمة في ذلك، وفي قول عن الحنفيَّة إنَّه مستحب، وفي قول عن الشَّافعية إنه ركن.
وقد سبق عنهم أقوال خمسة فتذكَّر، لكنَّهم اختلفوا في قدر ما يجزئ، فذهب مالك وأحمد كل منهما في رواية إلى وجوب استيعاب الرَّأس في الحلق كالمسح في الوضوء، وهو ظاهر الحديث، كما لا يخفى.
وقال مالك في المشهور عنه يجب حلق أكثر الرَّأس، وبه قال أحمد في رواية. وقال عطاء يبلغ به إلى العظمين اللَّذين عند منتهى الصَّدغين؛ لأنَّهما منتهى نبات الشَّعر؛ ليكون مستوعبًا لجميع رأسه.
وقال أبو حنيفة رحمه الله يجب حلق ربع الرَّأس. وقال أبو يوسف يجب حلق نصف الرَّأس. وذهب الشَّافعي إلى أنَّه يكفي حلق ثلاث شعرات، ولم يكتف بشعرة أو بعض شعرة كما اكتفى بذلك في مسح الرأس في الوضوء.
وحقَّق هذا المبحث العلامة الكمال ابن الهمام في «شرح الهداية» فليطلب ثمَّة، والتَّقصير في جميع ذلك كالحلق على المذاهب. ثمَّ إنَّه يستدلُّ بالحديث على أفضلية الحلق على التَّقصير. وسيأتي تحقيقه في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦1727] .
وفي الحديث أيضًا طهارة شعر الآدمي، وهو قول جمهور العلماء وهو الصَّحيح من مذهب الشَّافعي أيضًا. وخالف في ذلك أبو جعفر التِّرمذي منهم فخصَّ الطَّهارة بشعره صلى الله عليه وسلم، وكذا غير ذلك من آثاره صلى الله عليه وسلم حتَّى بوله.
روى أحمد في «مسنده» بسنده إلى ابن سيرين أنَّه قال فحدثنيه عبيدة السَّلماني رضي الله عنه؛ يريد هذا الحديث فقال لأن يكون عندي شعرة منه صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليَّ من كل بيضاء وصفراء على وجه الأرض وفي بطنها.
وقد ذكر غير واحد أنَّ خالد بن الوليد رضي الله عنه كان في قلنسوته شعرات من شعره صلى الله عليه وسلم، فلذلك كان لا يقدم على وجه إلا فتح له. ويؤيِّد ذلك ما ذكره الملا في «السِّيرة» أنَّ خالدًا
ج 8 ص 276
رضي الله عنه سأل أبا طلحة حين فرَّق شعره صلى الله عليه وسلم بين النَّاس أن يعطيه شعْرَ ناصيته فأعطاه إيّاه، فكان مقدمُ ناصيته مناسبًا لفتح كل ما أقْدَمَ عليه، والله أعلم.
وفي الحديث أيضًا أنَّه لا بأس باقتناء الشعر اليابس من الحيِّ وحفظه عنده، وأنَّه لا يجب دفنه كما قال بعضهم. إنَّه يجب دفن شعور بني آدم أو يستحب.
وذكر الرَّافعي من سنن الحلق فقال وإذا حلق فالمستحبُّ أن يبدأ بالشق الأيمن ثمَّ بالأيسر، وأن يكون مستقبل القبلة وأن يكبِّر بعد الفراغ، وأن يدفن شعره. وزاد المحبُّ الطَّبري فذكر من سننه صلاة ركعتين بعده، فسُنَنُه إذًا خمسة.
وفي الحديث أيضًا مواساة الإمام والكبير بين أصحابه فيما يقسمه بينهم، وإن فاضل بينهم لأمر اقتضى ذلك. وفيه أنَّه لا بأس بتفضيل بعضهم على بعض لأمر يراه ويؤدِّي إليه اجتهاده؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم خصَّ أبا طلحة وأم سليم بشَعْر أَحَدِ الشِّقين، كما تقدَّم.
ثمَّ إنَّ الحالق الذي حلق رأسه صلى الله عليه وسلم اختلف في تعيينه، فقال البخاري في «صحيحه» زعموا أنَّه معمر بن عبد الله بن نضلة.
وقال النَّووي إنَّه الصَّحيح المشهور، وأفاد ابن خزيمة في «صحيحه» من الوجه الذي أخرجه البخاري منه في المغازي [خ¦4410] من طريق موسى بن عقبة، عن نافع متَّصلًا بالمتن المذكور قال وزعموا أنَّ الذي حلقه معمر بن عبد الله بن نضلة، وبيَّن أبو مسعود في «الأطراف» أنَّ قائل وزعموا ابن جريج الرَّاوي له عن موسى بن عقبة، والله أعلم.
وقال البخاري في «التَّاريخ الكبير» قال علي بن عبد الله حدَّثنا عبد الأعلى حدَّثنا محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرَّحمن بن عقبة مولى معمر، عن معمر العدوي قال كنت أرجِّل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قضى حجَّه، وكان يوم النَّحر جلس يحلق رأسه فرفع رأسه فنظر في وجهي فقال (( يا معمر أمكنك النَّبي صلى الله عليه وسلم من شحمة أذنه وفي يدك المُوسى ) )فقال ذاك مَنُّ الله عليَّ وفضْلُه، قال (( نعم ) )فحلقته. وقيل إنَّ الذي حلق رأسه هو خراش بن أميَّة بن ربيعة، حكاه النَّووي في «شرح مسلم» .
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي هذا وهم من قائله، وإنَّما حلق رأسه خراش بن أميَّة يوم الحديبية، وقد بيَّنه ابن عبد البر فقال في ترجمة خراش وهو الذي حلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فمن ذكر أنَّه حلق له يوم النَّحر في حجَّته فقد وهم، وإنَّما حلق له يوم النَّحر معمر بن عبد الله العدوي.
ثمَّ إنَّ عند أبي حنيفة رحمه الله يبدأ بيمين الحالق ويسار المحلوق،
ج 8 ص 277
قاله الكرماني في مناسكه. وعند الشَّافعي يبدأ بيمين المحلوق، والصَّحيح عن أبي حنيفة مثله.
وقال صاحب «التَّوضيح» ابن الملقن يدخل وقتُ الحلق من طلوع الفجر عند المالكيَّة، وعندنا بنصف ليلة النَّحر، ولا آخر لوقته، والحلق بمنى يوم النَّحر أفضل قالوا ولو أخَّره حتَّى بلغ بلده حلق وأهدى، فلو وطئ قبل الحلق فعليه هدي؛ بخلاف الصَّيد، على المشهور عندهم.
وقال ابن قدامة يجوز تأخيره إلى آخر أيَّام النَّحر، فإن أخره عن ذلك؛ ففيه روايتان، ولا دم عليه، وبه قال عطاء وأبو يوسف وأبو ثور، ويشبه مذهب الشَّافعي؛ لأنَّ الله تعالى بيَّن أوَّل وقته بقوله تعالى {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة 196] ولم يبين آخره فمتى أتى به أجزأه.
وعن أحمد عليه دم بتأخيره، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنَّه نسك أخَّرَه عن محله، ولا فرق في التَّأخير بين القليل والكثير والسَّاهي والعامد. وقال مالك والثَّوري وإسحاق وأبو حنيفة ومحمَّد من تركه حتَّى حلَّ فعليه دم؛ لأنَّه نسك فيأتي به في إحرام الحجِّ كسائر نسكه، والله أعلم.