فهرس الكتاب

الصفحة 2712 من 11127

1727 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا) أي الصَّحابة رضي الله عنهم.

قال الحافظ العسقلاني لم أقف في شيء من الطُّرق على الذي تولَّى السُّؤال في ذلك بعد البحث الشَّديد. انتهى.

وفي رواية ابن سعد في «الطَّبقات» في غزوة الحديبية، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى أنَّ عثمان وأبا قتادة رضي الله عنهما اللَّذان قصَّرا ولم يحْلِقا في عام الحديبية.

قال شيخ الإسلام البُلْقيني فيحتمل أن يكونا هما اللَّذان قالا

(وَالْمُقَصِّرِينَ) أي قل وارحم المقصِّرين (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا) قل (وَ) أرحم (الْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ) فقوله (والمقصِّرين) عطف على (المحلِّقين) بتقدير قل، ويسمَّى مثل هذا العطف بالعطف التَّلقيني كما في قوله تعالى {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة 124] .

قال الزَّمخشري في «كشَّافه» {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} عطف على الكاف كأنَّه قال وجاعل بعض ذريتي كما يقال

ج 8 ص 278

سأكرمك فتقول وزيدًا. انتهى.

وتعقَّبه أبو حيان فقال لا يصحُّ العطف على الكاف؛ لأنها مجرورة، فالعطف عليها لا يكون إلا بإعادة الجار ولم يُعَد، ولأن (من) لا يمكن تقدير الجار مضافًا إليها لأنَّها حرف. وكذا لا يصحُّ تقديره لكونها مرادفة لبعض لكونها في صورة الحرف أيضًا، ولا يصحُّ أن يكون تقدير العطف من باب العطف على موضع الكاف، فإنَّه نصب فيجعل من في موضع نصب؛ لأنَّ هذا ليس ممَّا يعطف فيه على الموضع على مذهب سيبويه لفوات الجر [1] . وليس نظير سأكرمك فتقول وزيدًا؛ لأن الكاف هنا في موضع نصب.

والذي يقتضيه المعنى أن يكون {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} متعلقًا بمحذوف، والتَّقدير واجعل من ذريتي إمامًا؛ لأن إبراهيم عليه السَّلام فهم من قوله {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} الاختصاص فسأل الله تعالى أن يجعل من ذريته إمامًا. انتهى.

ثمَّ إنَّ هذا الدُّعاء الذي وقع من النَّبي صلى الله عليه وسلم متكرِّرًا للمحلِّقين هل كان ذلك في حجَّة الوداع أو في الحديبية، فقال أبو عمر ابن عبد البر كونه في الحديبية هو المحفوظ، وقال النَّووي الصَّحيح المشهور أنَّه كان في حجَّة الوداع.

وقال القاضي عياض لا يبعد أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قاله في الموضعين. وما قاله القاضي هو الصَّواب جمعًا بين الأحاديث.

ففي «صحيح مسلم» من حديث أمِّ الحصين رضي الله عنها أنَّه قال (( في حجَّة الوداع ) ). وقد روي أنَّ ابن إسحاق قال في «السِّيرة» حدَّثني ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال حَلَقَ رجالٌ يوم الحديبية وقصَّر آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اللَّهم ارحم المحلِّقين ) )ثلاثًا، قيل يا رسول الله ما بال المحلِّقين ظاهرت لهم بالترحُّم قال (( لأنَّهم لم يشكُّوا ) )فهذا يوضح أنَّه قاله في الموضعين.

وقال الخطَّابي كانت عادتهم اتِّخاذ الشَّعر على الرؤوس وتوفيرها وتزيينها، وكان الحلق فيهم قليلًا، ويرون ذلك نوعًا من الشُّهرة، وكان يشقُّ عليهم الحلق فمالوا إلى التَّقصير، فمنهم من حلق، ومنهم من قصَّر لما يجد في نفسه منه، فمن أجل ذلك سَمَحَ لهم بالدُّعاء بالرَّحمة، وقصر بالآخرين إلى أن استُعْطِفَ عليهم فعمَّهم بالدُّعاء بعد ذلك.

فإن قيل ما معنى قوله لم يشكُّوا؟ وما المراد بالشكِّ؟ ووجود الشكِّ من الصَّحابة رضي الله عنهم مشكل.

فالجواب أنَّ معناه لم يشكُّوا أنَّ الحلق أفضل كذا قيل، وقيل فيه نظر؛ لأنَّ الصَّحابة

ج 8 ص 279

رضي الله عنهم إذا رأوا النَّبي صلى الله عليه وسلم فعل فعلًا رأوه أفضل، وكانوا يقصدون متابعته.

وفي الحديث أفضلية الحلق؛ لأنَّه أبلغ في العبادة، وأدلُّ على صدق النِّيَّة في التذلُّل لله؛ لأنَّ المُقَصِّر مُبْقٍ على نفسه من زينته التي قد أراد الله تعالى أن يكون الحاج مجانبًا لها، ففي التَّقصير تقصير.

وقيل إنَّ ما ذُكِرَ من أفضلية الحلق على التَّقصير إنَّما هي في حقِّ الرِّجال دون النِّساء، وكذا الخنثى لورود النَّهي عن حلق النِّساء. روى أبو داود من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ليس على النِّساء الحلق، إنَّما على النِّساء التَّقصير ) ).

وروى التِّرمذي عن عليٍّ رضي الله عنه قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها ) ). وقال التِّرمذي روي هذا الحديث عن حمَّاد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة رضي الله عنها (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها ) ).

وقال جمهور الشَّافعية لو حلقت أجزأها ويكره. وقال القاضيان أبو الطَّيِّب وحسين لا يجوز، والله أعلم.

تكميل كذا في معظم الرِّوايات عن مالك بإعادة الدُّعاء للمحلِّقين مرَّتين، وعطف المقصِّرين عليهم في المرة الثَّالثة، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة «الموطَّأ» بإعادة ذلك ثلاث مرات، نبَّه عليه ابن عبد البر في التقصِّي، وأغفله في «التَّمهيد» بل قال فيه إنَّهم لم يختلفوا على مالك في ذلك.

قال الحافظ العسقلاني وقد راجعت أصل سماعي من «موطَّأ» يحيى بن بكير فوجدته كما قال في التَّقَصِّي.

(وَقَالَ اللَّيْثُ) هو ابن سعد إمام مصر (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر رضي الله عنهما (رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) هذا التَّعليق وصله مسلم ولفظه (( رحم الله المحلِّقين مرَّة أو مرَّتين قالوا والمقصِّرين؟ قال والمقصِّرين ) )، والشكُّ فيه من اللَّيث، وإلَّا فأكثر الرُّواة يوافقون لما رواه مالك (قَالَ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) بضم العين مصغَّرًا، وهو العُمَري (حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ) وفي رواية بالواو.

(فِي الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ) وهذا التَّعليق وصله مسلم من رواية عبد الوهاب الثقفي عنه باللفظ الذي علَّقه البخاريُّ، وأخرجه أيضًا عن محمَّد بن عبد الله بن نُمَيْر، عن أبيه عنه بلفظ (( رحم الله المحلِّقين قالوا والمقصِّرين؟ ) )فذكر مثل رواية مالك سواء وزاد (( رحم الله المحلِّقين قالوا والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال والمقصِّرين )

ج 8 ص 280

وبيان كونها في الرَّابعة أن قوله (( والمقصِّرين ) )معطوف على مُقَدَّرٍ تقديره يَرْحُم الله المحلِّقين، وإنَّما قال ذلك بعد أن دعا للمحلِّقين ثلاث مرات صريحًا، فيكون دعاؤه للمقصِّرين في الرَّابعة.

وقد رواه أبو عوانة في «مستخرجه» من طريق الثَّوري عن عبد الله بلفظ (( قال في الثَّالثة والمقصِّرين ) )، والجمع بينهما واضح بأنَّ من قال في الرَّابعة فعلى ما شرحناه، ومن قال في الثَّالثة أراد أن قوله (( والمقصِّرين ) )معطوف على الدَّعوة الثَّالثة، أو أراد بالثَّالثة مسألة السَّائلين في ذلك، وكان صلى الله عليه وسلم لا يراجع بعد ثلاث كما ثبت، ولو لم يدع لهم بعد ثالث مسألة ما سألوه في ذلك.

وأخرجه أحمد من طريق أيُّوب، عن نافع بلفظ (( اللَّهم اغفر للمحلِّقين ) )قالوا والمقصِّرين حتَّى قالها ثلاثًا أو أربعًا، ثمَّ قال (( والمقصِّرين ) ). ورواية من جَزَمَ مُقدَّمةٌ على رواية من شكَّ، كذا في «فتح الباري» للحافظ العسقلاني.

[1] في هامش الأصل لقوة الجر. ظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت