17 - (بابُ مَنِ اكْتَوَى) لنفسه (أَوْ كَوَى غَيْرَهُ) قال الكرمانيُّ الفرق بينهما أنَّ الأوَّل لنفسه، والثَّاني أعمُّ منه نحو اكتسب له، وكسب له ولغيره، ونحو اشتوى إذا اتَّخذ الشِّواء لنفسه، وشوى إذا اتَّخذ له ولغيره (وَفَضْلِ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ) فللترجمة ثلاثة أجزاءٍ فأشار بالجزئين الأولين إلى إباحة الكيِّ عند الحاجة، وأشار بالجزء الثَّالث إلى أنَّ تركه أفضلُ عند عدم الحاجة إليه، كذا قال العينيُّ.
وقال الحافظُ العسقلاني كأنَّه أراد أنَّ الكيَّ جائزٌ للحاجة، وأنَّ الأولى تركه إذا لم يتعيَّن، وأنَّه إذا جاز كان أعمَّ من أن يباشر الشَّخص ذلك بنفسه، أو بغيرهِ لنفسه، أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذٌ من نسبة الشِّفاء إليه في أوَّل حديثي الباب، وفضل تركه من قوله (( وما أحبُّ أن أكتويَ ) ) [خ¦5704] .
وقد أخرج مسلمٌ من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ رضي الله عنه قال رُمِيَ سعد بن معاذ رضي الله عنه على أكحلهِ، فحسمَه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن طريق أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أُبِّي بن كعب رضي الله عنه طبيبًا فقطع منه عرقًا، ثمَّ كواه.
وروى الطَّحاوي، وصحَّحه الحاكم عن أنس رضي الله عنه قال كواني أبو طلحة في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وأصله في البُخاري، وأنَّه كوي من ذات الجنب، وسيأتي قريبًا [خ¦5719] .
وعند التِّرمذي عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 24 ص 359
كوى سعد بن زُرارة من الشَّوكة. وعند مسلم عن عمران بن حُصين رضي الله عنه كان يُسلَّم عليَّ حتَّى اكتويت، فتُرِكتُ ثمَّ تَرَكتُ الكيَّ فعاد. وعنده من وجهٍ آخر أنَّ الذي كان انقطع عنِّي رجع إليَّ؛ يعني تسليم الملائكة، كذا في الأصل. وفي لفظ أنَّه كان يسلَّم عليَّ فلمَّا اكتويتُ أمسك عليَّ، فلمَّا تركتُ عاد إليَّ. وأخرج أحمد وأبو داود والتِّرمذي عن عمران نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكيِّ فاكتوينا فما أفلحنَا ولا أنجحنا. وفي لفظ فلم يفلحنَ، ولم ينجحنَ. وسنده قوي، والنَّهي فيه محمولٌ على الكراهة، أو على خلاف الأولى؛ لما يقتضيه مجموع الأحاديث.
وقيل إنَّه خاصٌ بعمران؛ لأنَّه كان به الباسور، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيِّه، فلمَّا اشتد عليه كواه فلم ينجحْ. وقال ابن قتيبة الكيُّ نوعان كي الصَّحيح؛ لئلَّا يعتلَّ فهذا هو الذي قيل فيه لم يتوكَّل من اكتوى؛ لأنَّه يريد أن يدفعَ القدر، والقدر لا يُدافع.
والثَّاني كيُّ الجرح إذا نفل؛ أي فسد، والعضو إذا قُطِع فهذا هو الذي شرع التَّداوي به، فإن كان الكيُّ لأمرٍ محتملٍ فهو خلاف الأولى؛ لما فيه من تعجيل التَّعذيب بالنَّار لأمرٍ غير محقَّق.
وحاصل الجمع أنَّ الفعل يدلُّ على الجواز، وعدمُ الفعل لا يدلُّ على المنع، بل يدلُّ على أنَّ تركه أرجحُ من فعله، ولذا أثنى على تاركه، وأمَّا النَّهي عنه، فإمَّا على سبيل التَّنزيه، وإمَّا على ما لا يتعيَّن طريقًا إلى الشَّفاء، والله تعالى أعلم.
ثمَّ إنَّه صلى الله عليه وسلم هل اكتوى أم لا؟ قال الحافظُ العسقلاني لم أرَ في أثرٍ صحيحٍ أنَّه صلى الله عليه وسلم اكتوى، إلَّا أنَّ القرطبي نسب إلى كتاب «أدب النفوس» للطَّبري أنَّه صلى الله عليه وسلم اكتوى. وذكره الحليميُّ بلفظ روي أنَّه صلى الله عليه وسلم اكتوى للجراح الذي أصابه بأحد.
قال الحافظُ العسقلاني الثَّابت في «الصحيح» كما سبق في غزوة أحد أنَّ فاطمة رضي الله عنها أحرقت حصيرًا، فحشت به وجهه صلى الله عليه وسلم [خ¦2911] ، وليس هذا هو الكيُّ المعهود.
وجزم السَّفاقسي بأنَّه اكتوى، وعكسه ابن القيم في «الهدي» ، والله أعلم.
ج 24 ص 360