10 - (بابُ) مشروعيَّة (التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ) أي في ركوبِ البحر، وفي بعض النسخ ، فإن ثبت قوي قول من قال البَرّ _ بفتح الموحدة وبالراء _ فيما سبق.
(وَقَالَ مَطَرٌ) هو مطر الورَّاق البصري المشهور من التابعين، وهو مطرُ بن طهمان أبو رجاءٍ الخراساني سكن البصرة، وكان يكتب المصاحف فلذلك قيل له الورَّاق، روى عن أنسٍ رضي الله عنه، ويقال هو مرسَلٌ. وضعَّفه يحيى بن سعيد في حديثه عن عطاء، وكذا روى عن ابن معين. وعنه صالح. وذكره ابن حبَّان في «الثقات» . روى له البخاريُّ في كتاب (( الأفعال ) ). وروى له الباقون، ووصفه بأنه الورَّاق المزيُّ والشيخُ قطبُ الدين الحلبي وغيرهما.
ووقع في رواية الحموييِّ وحده موضع (( مطر ) )وهو تصحيف.
وقال الكرمانيُّ الظاهر أنَّه ابن الفضل المروزي، شيخ البخاري، وكأنَّ ظهور ذلك له من حيث إنَّ الذين أفردوا رجال البخاري كالكلاباذي لم يذكروا فيهم الورَّاق المذكور، لكنَّهم لم يستوعبوا من علَّق لهم.
وقد أخرج ابنُ أبي حاتم من طريق عبد الله بن شوذب عن مطر الورَّاق أنَّه كان لا يرى بركوب البحر بأسًا، ويقول ما ذكره الله في القرآن إلَّا بحق. وهذا يؤيِّد أنه مطرٌ الورَّاق.
(لاَ بَأْسَ بِهِ)
ج 10 ص 44
أي بركوب البحر يدلُّ عليه لفظ التجارة في البحر؛ لأنَّها لا تكون إلَّا بالركوب فيه (وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ) أي ما ذكر الله ركوب البحر (فِي الْقُرْآنِ إِلاَّ بِحَقٍّ) أي ملتبسًا به، نحو ابتغاء الفضل، وهو عامٌّ للتجارة وغيرها. ولما رأى مطر أنَّ الآية سيقت في معرض الامتنان استدلَّ به على الإباحة، وذلك استدلالٌ حسنٌ؛ لأنَّ الله تعالى جعل البحر لعباده؛ لابتغاء فضله من نعمه التي عدَّدها لهم، وأراهم في ذلك عظيم قدرته وسخَّر الرياح باختلافها لحملهم وترددهم وهذا من عظيمِ آياته، ونبَّههم على شكره عليها بقوله {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص 73] ، والحاصل أنَّ الركوب في البحر لم يذكر في القرآن مذمومًا.
(ثُمَّ تَلاَ) مطر الآية التي في سورة فاطر، وهي قوله تعالى ( {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} ) [النحل 12] وفي بعض النُّسخ < {وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيْهِ وَلْتَبْتَغُوْا مِنْ فَضْلِه} > [النحل 14] ، وهي في سورة النَّحل بتأخير {فِيْهِ} عن {مَوَاخِرَ} ، وبزيادة الواو في {وَلْتَبْتَغُوْا} .
(وَالْفُلْكُ السُّفُنُ) بضم السين والفاء، جمع سفينة، قال ابن سِيْده سمِّيت سفينةً؛ لأنَّها تسفِن وجه الماء؛ أي تقشره فعيلة بمعنى فاعلة، والجمع سفائن وسفن وسفين.
(الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ سَوَاءٌ) يعني في الفلك، قال الله تعالى {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس 41] ، وقال تعالى {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس 22] ، فذكره في الإفراد والجمع بلفظٍ واحدٍ، وهو قول أهل اللُّغة.
وقيل إنَّ الفُلْك _ بالضم والإسكان _ جمع فَلَك _ بفتحتين _ مثل أُسْد وأَسَد، وهذا القول غير صحيحٍ، وإنَّما الذي يقال إنَّ ضمَّة فاء فُلك إذا قوبلت بضمَّة همزة أُسْد الذي هو جمع، يقال هو جمع، وإذا قوبلت بضمَّة قاف قفل يكون مفردًا، والظَّاهر أنَّ هذا الكلام من البخاري نفسه، وإلَّا عزاه كتاليه حيث قال
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) وصله الفريابيُّ في «تفسيره» ، وكذا عبد بن حميد من وجهٍ آخر (تَمْخَرُ السُّفُنُ الرِّيحَ) قال القاضي عياض ضبطه الأكثر بنصب السفن، وعكسه الأصيليُّ. قال الحافظ العسقلانيُّ ضبط الأصيليِّ هو الصواب، وهو ظاهرُ القرآن؛ إذ جعل الفعل للسفينة،
ج 10 ص 45
فقيل مواخر، وقال العينيُّ ضبط الأكثر هو الصواب بناءً على أنَّ الريح هي التي تصرف السَّفينة في الإقبال والإدبار، وقوله (( تمخَر ) )بفتح الخاء المعجمة؛ أي تشقُّ، يقال مخرت السَّفينة إذا شقَّت الماء بصوتٍ. وقيل المخر هو الصَّوتُ نفسه، وكأنَّ مجاهدًا أراد أنَّ شقَّ السَّفينة البحر بصوتٍ إنَّما هو بواسطة الريح.
(وَلاَ تَمْخَرُ الرِّيحَ) شيء (مِنَ السُّفُنِ إِلاَّ الْفُلْكُ الْعِظَامُ) أي إنَّ الصَّوت لا يحصل إلَّا من كبار السُّفن، ولا يحصل من الصِّغار غالبًا، وقال ابنُ التِّين يريد أنَّ السُّفن تمخر من الريح وإن صغرت، أي تصوِّت، والريح لا تمخر، أي لا تصوِّت إلَّا من كبار الفلك، والمقصودُ من ذكر هذا التعليق تفسير قوله {مَوَاخِرَ} فهي جمع ماخرة، كما عرفت. وقيل معناه جواري، وقال الزمخشريُّ سواقي.