2062 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ) البيكنديُّ، قال (أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ) بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح اللام، ويزيد من الزيادة الحَرَّاني _ بفتح المهملة وتشديد الراء وبالنون _، وقد مرَّ في آخر (( الصلاة ) )، [خ¦854] [خ¦911] قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) كلاهما بالتصغير، هو أبو عاصم قاص أهل مكة، قال مسلم ولد في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقال البخاريُّ رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد مرَّ في (( التهجد ) ) [خ¦1169] (أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ) عبد الله بن قيسٍ رضي الله عنه، وقد اشتهر بكنيته، وكذا أبو سعيدٍ الخدري سعد بن مالك رضي الله عنه (اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وسيأتي في (( الاستئذان ) ) [خ¦6245]
ج 10 ص 40
أنَّه استأذن ثلاثًا (فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ) على البناء للمفعول؛ أي طلب الإذن للدخول على عمر رضي الله عنه فلم يؤذن له.
(وَكَأَنَّهُ) أي كأنَّ عمر رضي الله عنه (كَانَ مَشْغُولًا) بأمرٍ من أمور المسلمين، وفي رواية مسلم (( وكأنَّه وجدهُ مشغولًا ) ) (فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى) رضي الله عنه (فَفَرَغَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، ائْذَنُوا لَهُ) أمرٌ من الإذن (قِيلَ قَدْ رَجَعَ) أي أبو موسى رضي الله عنه (فَدَعَاهُ، فَقَالَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ) وفيه حذف تقديره فبعث عمر رضي الله عنه وراءه فحضر فقال له لمَ رجعت؟ فقال كنَّا نؤمر بذلك؛ أي بالرجوع حين لم يؤذن للمستأذن.
وفي رواية مسلم فدعي، فقال ما حملك على ما صنعت؟ قال إنَّا كنَّا نُؤمر بهذا. وفي (( الاستئذان ) )أنَّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا استأذن أحدكم ثلاثًا ولم يُؤذن له فليرجع ) ) [خ¦6245] .
وفي روايةٍ لمسلم من حديث أبي بردة عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه قال جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقال السلام عليكم هذا أبو موسى الأشعري ثمَّ انصرف. فقال ردُّوا عليَّ، فقال يا أبا موسى ما ردَّك؟ كنَّا في شغلٍ. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( الاستئذان ثلاثًا فإن أذن لك وإلَّا فارجع ) ).
(فَقَالَ) عمر رضي الله عنه (لتَأْتِينِي) بلام التأكيد. وفي رواية مسلم لتأتينِّي بنون التأكيد (عَلَى ذَلِكَ) أي على الأمر بالرجوع (بِالْبَيِّنَةِ) وفي روايةٍ لمسلم (( لتقيمنَّ على هذا بيِّنة أو لأفعلنَّ ) )، وفي رواية (( وإلَّا فعلت وفعلت ) )الحديث، وفي لفظٍ له (( قال عمر رضي الله عنه أَقِم عليه البيِّنة وإلا أوجعتك ) )، وفي لفظٍ له (( لأوجعنَّ ظهرك وبطنك أو لتأتيني بمن يشهدُ لك على هذا ) )، وفي رواية أبي داود عن يحيى بن حبيب بلفظ فقال عمر رضي الله عنه لأبي موسى رضي الله عنه (( إنِّي لم أتَّهمك ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد ) ).
وفي «الموطأ» (( أما أنِّي لم أتَّهمك ولكني خشيت أن يتقوَّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
(فَانْطَلَقَ) أبو موسى رضي الله عنه (إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا) أي الأنصار رضي الله عنهم (لاَ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلاَّ أَصْغَرُنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) رضي الله عنه، قال النَّووي إنَّما قالوا ذلك إنكارًا على عمر رضي الله عنه فيما قاله، أي قالوا إنَّه حديثٌ مشهورٌ بيننا معروف عندنا حتى إنَّ أصغرنا يحفظه، وسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ج 10 ص 41
(فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ رضي الله عنه، وفي (( الاستئذان ) ) [خ¦6245] فأخبر عمر رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (أَخَفِي) بهمزة الاستفهام، من الخفاء (عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) أي شغلني البيع والشِّراء عن ملازمة النَّبي صلى الله عليه وسلم في كلِّ أحيانه حتَّى حضر من هو أصغر منِّي ما لم أحضره من العلم، ولذا فسَّر بقوله (يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ) قال المهلَّب ألهاني الصَّفق من قوله تعالى {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة 11] ، فقرن التِّجارة باللهو فسمَّاها عمر لهوًا مجازًا.
هذا ولم يقصد عمر رضي الله عنه بذلك ترك أصل الملازمة، وكان احتياج عمر رضي الله عنه إلى الخروج إلى السُّوق من أجل الكسب لعياله، والتَّعفُّف عن الناس. وكان عمر رضي الله عنه من أزهد النَّاس؛ لأنَّه وجد فترك، وهذا القول من عمر رضي الله عنه على معنى الذَّمِّ لنفسه وحاشاه، أن يقلَّ من مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وملازمته، وقد كان صلى الله عليه وسلم كثيرًا يقول (( فعلت أنا وأبو بكر وعمر ) )، و (( كنت أنا وأبو بكرٍ وعمر رضي الله عنهما ) ).
وأمَّا أبو هريرة رضي الله عنه فكان وحده فأكثر ملازمة النَّبي صلى الله عليه وسلم، قيل وفي الحديث دليلٌ على أنَّ عمر رضي الله عنه كان لا يحتجُّ بخبر الواحد. وفيه نظرٌ إذ بانضمام خبرٍ سعيدٍ إليه لا يصير متواترًا، وقد ثبت عنده خبر الواحد وقبوله والحكم به، أليس هو الذي نشد النَّاس بمنى من كان عنده علمٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدية فليخبرنا، وكان رأيه أنَّ المرأة لا ترث من دية زوجها؛ لأنَّها ليست من عصبته الذين يعقلون عنه. فقام الضَّحَّاك بن سفيان الكلابي، فقال كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ ورِّث امرأة أشيَم من دية زوجها، وكذلك نشد الناس في دية الجنين، فقال حمل بن النابغة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرَّة عبدٍ أو وليدة، فقضى به عمر رضي الله عنه، ولا يشكُّ ذو لبٍّ ومن له أقلُّ منزلة من العلم أنَّ موضع أبي موسى رضي الله عنه من الإسلام، ومكانه من الفقه والدين أجلُّ من أن يردَّ خبره ويقبل خبر الضحَّاك وحمل، وكلاهما لا يقاسان عليه في حال.
وقد قال عمر رضي الله عنه له إنِّي لم أتَّهمك، وفي بعض طرقه أنَّ عمر رضي الله عنه، قال إنِّي أحببت أن أتثبَّت.
ج 10 ص 42
فدلَّ ذلك على اعتماده عليه، لكن كان ذلك من عمر رضي الله عنه في ذلك الوقت لمعنىً الله أعلم به، ويحتمل أن يكون عمر رضي الله عنه كان عنده في ذلك الوقت من ليست له صحبةٌ من أهل العراق والشام، ولم يتمكَّن الإيمان في قلوبهم؛ لقرب عهدهم بالإسلام فخشي عليهم أن يختلقوا الكذبَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الرغبة أو الرَّهبة.
وقال النَّوويُّ وليس في الحديث ردُّ خبر الواحد، لكن جاءت عمر رضي الله عنه مسارعة النَّاس إلى القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنَّ كلَّ من وقعت له قضيَّةٌ وضع فيها حديثًا، فأراد عمر رضي الله عنه سدَّ الباب خوفًا من غير أبي موسى رضي الله عنه لا شكًّا في روايته، فإنَّه عند عمر رضي الله عنه أجلَّ من أن يظنَّ به أن يحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله وزجرًا لغيره فإنَّ مَنْ دونَ أبي موسى رضي الله عنه إذا بلغته هذه القصَّة، وأراد وضع حديثٍ خاف عن مثل قصَّته وامتنع عنه، انتهى.
فقول عمر رضي الله عنه له (( وإلا أوجعتك ) )، وفي رواية (( فوالله لأوجعنَّ ظهرك وبطنك ) )، وفي روايةٍ أخرى (( لأجعلنَّك نكالًا ) )فمحمولٌ على التَّعريض لغيره، أو أنَّه محمولٌ على الفرض، والتَّقدير أي لأفعلنَّ بك إن فرض أنَّك تعمَّدت كذبًا، وإلَّا فقد كان أبو موسى رضي الله عنه عنده أمينًا، وقد استعمله وقد بعثه النَّبي صلى الله عليه وسلم أيضًا ساعيًا وعاملًا على بعض الصَّدقات، وهذه منزلةٌ رفيعةٌ في الفقه والدِّيانة والأمانة.
هذا وفي الحديث أنَّ الرجل العالِم قد يأخذ عمَّن هو دونه في العلم ما ليس عنده إذا كان طَّريق ذلك العلم السَّمع، وإذا جاز ذلك على عمر رضي الله عنه فما ظنُّك بغيره بعده؟.
قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه لو أنَّ عِلْم عمر وضع في كفَّة، ووضع عِلْم أحياء أهل الأرض في كفَّةٍ لرجح عِلْم عمر رضي الله عنه عليهم، وفيه أنَّ طلب الدنيا يمنع من استفادة العلم، وكلَّما ازداد المرء طلبًا لها ازداد جهلًا وقلَّ علمه، وفيه طلب الدَّليل على ما ينكر من الأقوال، وفيه الدَّلالة على أنَّ قول الصَّحابي كنَّا نؤمر بكذا. محمولٌ على الرفع خصوصًا إذا ساقه مساق الاستدلال، وفيه أنَّ الصَّحابي الكبيرَ القدرِ، الشَّديدَ الملازمةِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد يخفى عليه بعض أمره ويسمعه من هو
ج 10 ص 43
دونه، وفيه أيضًا أنَّه لا بدَّ من الاستئذان عند الدُّخول، وقد قال الله تعالى {لَا تَدْخُلُوْا بُيُوْتًَا غَيْرَ بُيُوْتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسِلَّمُوْا عَلَى أَهْلِهَا} [النور 27] ، والاستئناسُ هو الاستئذان.
والسنَّة أن يسلِّم ويستأذن ثلاثًا ليجمع بينهما، واختلفوا هل يستحبُّ تقديم السَّلام أو الاستئذان، وقد صحَّ حديثان في تقديم السَّلام؟ فذهب جماعةٌ إلى قول السَّلام عليكم أأدخل؟ وقيل يقدَّم الاستئذان، واختار الماوردي في «الحاوي» إن وقعت عين المستأذنِ على صاحب المنزل قبل دخوله قدَّم السَّلام، وإلا قدَّم الاستئذان.
هذا ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّ فيه (( ألهاني الصفق ... إلى آخره ) )، وأخرجهُ المؤلِّف في (( الاعتصام ) ) [خ¦7353] و (( الاستئذان ) )أيضًا [خ¦6245] ، وأخرجه مسلمٌ في (( الاستئذان ) )، وأبو داود في (( الأدب ) ).