4 - (باب {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} ) هو بكسر الهمزة قطعًا ووصلًا ابن ياسين بن العيزار بن هارون، كذا روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وبه قال مقاتل، ويقال إنَّه بُعِثَ بعد هارون. وعن ابن إسحاق إنَّه ابن لقسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران. قيل وإلياس بقطع الهمزة اسم عبراني، وبوصلها كما هو رواية ابن ذكوان اسم دخله الألف واللام، وكان اسمه ياس. وحكى الثَّعلبي عن ابنِ مسعود رضي الله عنه أنَّ إلياس هو إدريس كما أن يعقوبَ هو إسرائيل. قال عكرمة وكذا في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه {وإن إدريس لمن المرسلين} .
وكأنَّ المصنف رَجَحَ عنده كونُ إدرس ليس من أجداد نوح، فلهذا ذكره بعده، وسيأتي ما يتعلَّق به إن شاء الله تعالى. وقيل هو نبيٌّ من الأنبياء الذين بُعِثُوا إلى بني إسرائيل. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو عم اليسع. وقال آخرون بعثه الله إلى بني إسرائيل بعد مَهلك حزقيل.
وقال وهب إن الله تعالى لما قبض حزقيل، وعظم في بني إسرائيل الأحداث، ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها، فبعث الله إليهم إلياس رسولًا، وكان الناسُ مع مَلِكٍ من مُلوك بني إسرائيل، اسمه جَاب، وله امرأةٌ اسمها إزبيل، وكان يسمع منه ويصدقه، وكان بنو إسرائيل قد اتخذوا صنمًا يقال له بعل.
وقال ابنُ إسحاق سمعتُ بعض أهل العلم يقول ما كان بعلٌ إلَّا امرأةً يعبدونها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله، وهم لا يسمعون منه شيئًا إلَّا ما كان من ذلك المَلِك، ثمَّ إنَّه قال يومًا لإلياس عليه السلام والله ما أدري ما تدعو إليه إلَّا باطلًا، والله ما أدري فلانًا وفلانًا، فعدد ملوكًا مِثْلَه من ملوكِ بني إسرائيل بالشام يعبدون الأوثان، إلَّا على مِثْلِ ما نَحْنُ عليه يأكلون ويشربون ما يُنْقِصُ دنياهم، فاسترجع إلياس، ثمَّ رفضه، وخرج
ج 15 ص 45
عنه، وفعل ذلك الملك ما فعل بأصحابه من عبادة الأوثان، فقال إلياس اللَّهمَّ إن بني إسرائيل قد أبوا إلَّا الكفر، فأوحى إليه إنا جعلنا أمر أرزاقهم بيدك حتى تكون أنت الذي تأذن لهم في ذلك، فقال إلياس اللَّهمَّ أمسك عنهم المطر، فحبس عنهم ثلاث سنين، حتى هلكتِ المواشي والهوام والشَّجر.
ولما دعا عليهم استخفَى شفقةً على نفسهِ منهم، فكان حيثُ ما كان، وُضِعَ له رزقٌ، وكانوا إذا وجدوا ريحَ الخبز في مكان قالوا لقد دَخَلَ إلياسُ هذا المكان، فيَطلبونه، ويَلْقَى أهلُ ذلك المنزل منهم شرًا، ثمَّ إنَّه استأذن الله في الدُّعاء لهم، فأَذِنَ له، فجاءَهم فقال إن كنتُم تجيبون أن الذي أدعوكم إليه هو الحقُّ، وأنَّكم على باطل، فأخرجوا أوثانكم وما تعبدون، والجئوا إليهم؛ فإن استجابوا لكم فهو كما تقولون، وإن هي لم تفعلْ؛ علمتُم أنكم على باطلٍ، وأدعو الله أن يفرِّج عنكم ما أنتم فيه، قالوا أنصفتَ، فخرجوا بأوثانهم فدَعَوها فلم تستجبْ لهم، فعرفوا ما هم عليه من الضَّلال، ثمَّ سألوا إلياس الدُّعاء، فدعا ربَّه فمُطِروا بساعتهم، فحسنت بلادُهم، فلم ينزعوا ولم يرجعوا، وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فدعا الله أن يقبضَه، فكساه الرِّيش، وألبسه النُّور، وقطع عنه لذَّة المطعم والمشرب، فكان إنسيًا ملكيًا أرضيًا سماويًا يطير مع الملائكة.
وذكر الحاكم عن أنس رضي الله عنه مصححًا أنه اجتمع مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض السَّفرات. وخالفه ابنُ الجوزي في تصحيحه، والله تعالى أعلم.
( {إِذْ قَالَ} ) أي اذكر حين قال إلياس عليه السلام ( {لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ} ) عذابَ الله بالإيمان به ( {أَتَدْعُونَ بَعْلًا} ) أي أتعبدون بعلًا، أو تطلبون الخير منه، وهو اسم صنمٍ كان لأهل بَكَّ من الشَّام يعبدونه، فلذلك سمِّيت مدينتهم بَعْلَبَكّ. وقال مجاهدٌ وعكرمة وقتادة والسُّدي البعل الرَّب بلغة أهل اليمن، وهي رواية سعيد بن جُبَير عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والمعنى أتدعون
ج 15 ص 46
بعضَ البُعول؛ أي الأصنام، فإنهم أرباب على زعمهم، فتنوين بعلًا على هذا الوجه للتبعيض. قيل وكان مِنْ ذَهَبٍ، طولُه عشرون ذراعًا، وله أربعة أوجه، فُتِنُوا به وعَظَّموه، وله أربعمائة سادن، جعلوهم أنبياء، فكان إبليس يدخل جوفه ويتكلَّم بشريعة الضَّلالة، والسَّدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشَّام.
( {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} ) أي وتتركون عبادته فلا تعبدون، وقد أشار فيه إلى المقتضي للإنكار المعني بالهمزة. ثم صرَّح بقوله ( {اللَّهُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} ) وقرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب بالنصب على البدل، والباقون بالرفع على الاستئناف.
( {فَكَذَّبُوهُ} ) أي إلياس ( {فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} ) في العذاب والنَّار، وإنما أطلقَه اكتفاءً بالقرينة، أو لأنَّ الإحضارَ المطلق مخصوصٌ بالشَّر عرفًا ( {إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ} ) من قومه؛ فإنَّهم نجوا من العذاب. قال القاضي وهو مستثنى من الواو في فكذَّبوه لا من المحضرين لفساد المعنى. انتهى، وذلك لأنَّه يستلزم مجامعة التَّكذيب مع كونهم مخلصين؛ لظهور أنَّ ضمير محضرون للمكذبين، لكن يمكن أن يقال لا فسادَ فيه؛ لأنَّ استثناءهم من القوم المحضرين؛ لعدمِ تكذيبهم على ما دلَّ عليه التَّوصيف بالمخلَصين، لا من المكذبين، فمآل المعنى واحد.
والتَّحقيق أنَّ ضمير محضرون للمكذِّبين لا للقوم، فالفسادُ ظاهر.
( {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ} ) أي أبقينا ثناء حسنًا وذِكْرًا جميلًا فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة ( {سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} ) لغة في إلياس مثل إسماعيل وإسماعين، وميكائيل وميكائين، وإدريس وإدراسين، وسيناء وسينين. ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى، واختياره هنا؛ لمراعاة الفواصل، وقيل إنَّه جَمْعٌ له، مرادٌ به هو وأتباعه كالمهلبين، لكن فيه أن العَلَمَ إذا جُمِعَ يجب تعريفُه باللام، أو جَمْعٌ للمنسوب إليه بحذف ياء النسبة
ج 15 ص 47
كالأعجمين، وهو قليل ملبس.
وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب على إضافة إل إلى ياسين؛ لأنَّهما في المصحف مفصولان، فيكون ياسين أبا إلياس. وقيل محمد صلى الله عليه وسلم، أو القرآن، أو غيره، والكلُّ لا يناسب نظم سائر القصص.
ولا قوله ( {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ*إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} ) إذ الظَّاهر أن الضَّمير لإلياس (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يُذْكَرُ بِخَيْرٍ) وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} [الصافات 130] ، قال يذكر بخير.
(يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلام) أمَّا قول ابن مسعود رضي الله عنه فوصله عبدُ بن حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسنٍ عنه قال إلياس هو إدريس، ويعقوب هو إسرائيل.
وأمَّا قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ فوصله جُوَيْبِرُ في «تفسيره» عن الضَّحاك عنه، وإسناده ضعيف، ولهذا لم يجزم به البخاري.
وقد أخذ أبو بكر بن العربي من هذا أنَّ إدريس لم يكن جدًا لنوح عليه السلام، وإنما هو من بني إسرائيل، واستدلَّ على ذلك بقوله عليه السلام للنَّبي صلى الله عليه وسلم (( مرحبًا بالنَّبي الصَّالح، والأخ الصَّالح ) )ولو كان من أجداده لقال له كما قال له آدم وإبراهيم عليهما السلام (( والابن الصَّالح ) )وهو استدلالٌ جيد، إلَّا أنَّه قد يجاب عنه بأنَّه قال ذلك على سبيل التَّواضع والتَّلطف، فليس ذلك نصًا فيما زعم.
وقد قال ابن إسحاق في «أول السيرة» لما ساق النسب الكريم، فلما بلغ إلى نوح قال ابن لمك بن متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس فيما يزعمون. وأشار بذلك إلى أن هذا القول مأخوذ من أهل الكتاب، ويقال إلياس هو الخضرُ، والمشهور أنَّه غيره، وإلياس صاحب البراري، والخضرُ صاحب الجزائر، ويجتمعان في كل يوم عرفة بعرفات.
ويقال هو من سبط يوشع بن نون بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك فكذَّبوه فأهلكهم الله تعالى بالقحطِ، وقال الله تعالى لإلياس سَلني أعطك، فقال ترفعني إليك، فرفعَه الله إليه وجعله أرضيًا سماويًا إنسيًا ملكيًا يطير مع الملائكة، وذلك القول يؤيِّد كونه إدريس، وأن إدريس ليس جدًا لنوح، والله تعالى أعلم.
ولعلَّ المصنِّف رَجَّح عدم كون إدريس جَدًّا لنوحٍ عليه السلام، وعدم كون إلياس هو إدريس، بل هو نبيٌّ من الأنبياء غيرُ إدريس عليهم السلام؛ حيث ذكره بعدهما فقال