6005 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) الحَجَبيُّ البصريُّ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد عبد العزيز بن أبي حازمٍ _ بالحاء المهملة والزاي _ سلمة بن دينارٍ، قال حدَّثني بالإفراد أيضًا (أَبِي) أبو حازمٍ (قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) السَّاعدي رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ) أي القيِّم بأمره ومصالحه (فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا) وزاد مالك من مرسل صفوان بن سُليم (( كافل اليتيم لهُ أو لغيره ) ). ووصله البخاريُّ في «الأدب المفرد» ، والطَّبراني من رواية أمِّ سعيدٍ بنت مرَّة الفهرية عن أبيها.
ومعنى قوله (( له ) )أي بأن يكون جدًّا، أو عمًّا، أو أخًا، أو نحو ذلك من الأقارب، أو يكون أب المولود قد ماتَ، فقامت أمُّه مقامه، أو ماتت أمُّه فقام أبوه في التَّربية مقامها. وأخرج البزَّار من حديث أبي هريرة
ج 25 ص 413
رضي الله عنه موصولًا (( من كفل يتيمًا ذا قَرابة، أو لا قرابة له ) )، وهذه الرِّواية تفسِّر المراد بالرِّواية التي قبلها.
(وَقَالَ) أي أشار (بِإِصْبَعَيْهِ) بالتثنية (السَّبَّابَةِ) وفي رواية الكشميهنيِّ بمهملة بدل الموحدة الثانية، وهي الإصبع الَّتي تلي الإبهام؛ سمِّيت بذلك؛ لأنَّها يُسَبَّح بها في الصَّلاة، ويُشار بها في التَّشهد، وسمِّيت السَّبابة أيضًا؛ لأنَّها يُسبُّ بها الشَّيطان حينئذٍ (وَالْوُسْطَى) قال ابن بطَّال حقٌّ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به؛ ليكون رفيق النَّبي صلى الله عليه وسلم في الجنَّة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك. وقد تقدُّم الحديث في «كتاب اللِّعان» [خ¦5304] وفيه (( وفرَّج بينهما ) )أي بين السَّبابة والوسطى.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ بين درجة النَّبي وكافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السبَّابة والوسطى، وهو نظير الحديث الآخر (( بُعثت أنا والسَّاعة كهاتين ) )الحديث [خ¦4936] . وزعم بعضهم أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا قال ذلك استوت إصبعاه في تلك السَّاعة، ثمَّ عادتا إلى حالهما الطَّبيعية الأصلية؛ تأكيدًا لأمر كفالة اليتيم.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ومثل هذا لا يثبتُ بالاحتمال، ويكفي في إثبات قُرب المنزلة من المنزلة أنَّه ليس بين الوسطى والسَّبابة إصبعٌ أخرى. وقد وقع في روايةٍ لأمِّ سعيد المذكورة عند الطَّبراني (( معي في الجنَّة كهاتين _ يعني المسبِّحة والوسطى _ إذا اتَّقى ) ). ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حالة دخول الجنَّة؛ لِما أخرجه أبو يَعلى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( أنا أوَّل من يفتح باب الجنَّة، فإذا امرأةٌ تبادرني، فأقول من أنت؟ فتقول أنا امرأةٌ تأيَّمتُ على أيتامٍ لي ) )ورواته لا بأس بهم. وقوله (( تبادرني ) )أي لتدخل معي، أو تدخلَ في إثري.
ويحتمل أن يكون المراد مجموعُ الأمرين سرعة الدُّخول، وعلوُّ المنزلة، وقد أخرج أبو داود من حديث عوفٍ بن مالك رفعه (( أنا وامرأةٌ سفعاء الخدَّين كهاتين يوم القيامة؛ امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال حبست نفسها على يتاماها حتَّى ماتوا أو بانوا ) )، فهذا فيه قيدٌ زائدٌ، وتقييدُه في الرِّواية التي أشير إليها بقوله (( اتَّقي الله ) )
ج 25 ص 414
أي فيما يتعلَّق باليتيم المذكور.
وقد أخرج الطَّبراني في «المعجم الصغير» من حديث جابر رضي الله عنه قلت يا رسول الله ممَّ أضرب منه يتيمي؟ قال (( ممَّا كنت ضاربًا منه ولدك غير واقٍ مالَكَ بماله ) ). وقد زاد في رواية مالك المذكورة (( حتَّى يستغني عنه ) )فيستفاد منه أنَّ الكفالة المذكورة أمدًا.
قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» لعلَّ الحكمة في كون كافل اليتيم شبِّه في دخول الجنَّة، أو شبِّهت منزلته في الجنَّة بالقرب من النَّبي، أو من منزلة النَّبي؛ لكون النَّبي صلى الله عليه وسلم من شأنه أن يُبعث إلى قومٍ لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلًا لهم، ومعلِّمًا ومرشدًا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقلُ أمر دينه، بل ولا دنياه، فيُرشده ويعلِّمه، ويُحسِن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك، انتهى ملخَّصًا.
فإن قيل درجات الأنبياء عليهم السَّلام أعلى من درجات سائر الخلائق لاسيَّما درجة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم. فالجواب أنَّ الغرض منه المبالغة في رفعة درجته في الجنَّة، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من معنى الحديث، وقد مرَّ الحديث في «الطَّلاق» [خ¦5304] ، وأخرجه أبو داود، والتِّرمذي أيضًا.