5067 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفراء الصَّغير، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) أبو عبد الرَّحمن الصَّنعاني، قاضي صنعاء (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (قَالَ حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ) أم المؤمنين هي بنتُ الحارث الهلالية (بِسَرِفَ) بفتح السين المهملة وكسر الراء وبالفاء، وهو موضعٌ معروفٌ بظاهر مكَّة بينها وبينه اثنا عشر مثلًا، وكان تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ستٍّ من الهجرة وبنى بها بسَرِفٍ، وكانت وفاتها سنة إحدى وخمسين، وقيل ثلاث وخمسين، وقيل سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عبَّاس رضي الله عنهما ونزلَ في قبرها، وعبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد، وهي خالة أبيهِ وعبيد الله الخولاني، وكان في حجرها، ويزيد بن الأصم وهي خالتُه، كما هي خالةُ ابنِ عبَّاس رضي الله عنهما.
وعند ابنِ سعد بإسناد صحيحٍ عن يزيد بن الأصم
ج 22 ص 226
قال (( دفنَّا ميمونة بسَرِفَ في الظُّلة التي بنى بها فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا) بفتح النون وسكون العين المهملة وبالشين المعجمة السَّرير الذي يوضعُ عليه الميت (فَلاَ تُزَعْزِعُوهَا) بزايين معجمتين وعينين مهملتين، والزَّعزعة تحريكُ الشَّيءِ الذي يُرْفَعُ (وَلاَ تُزَلْزِلُوهَا) أي لا تحرِّكوها حركةً شديدةً، وفي رواية الحَمُّويي بدل ولا تُزَعْزِعُوها.
(وَارْفُقُوا) بها؛ أي سيروا بها سيرًا وسطًا معتدلًا؛ فإنَّ حرمَتَها بعد موتها باقيةٌ كحُرْمَتها في حياتها، والمقصودُ منه أنَّ حرمةَ المؤمن بعد موته باقيةٌ كما كانت في حياتهِ، ولاسيَّما هي زوجةُ النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيه حديث (( كسر عظمِ المؤمن ميتًا ككسرهِ حيًا ) )، أخرجه أبو داود وابن ماجه وصحَّحه ابن حبَّان.
(فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي عند موته (تِسْعٌ) أي تسع من الزَّوجات وهنَّ سودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأمُّ حبيبة، وجويرية، وصفيَّة، وميمونة رضي الله عنهنَّ، وهذا ترتيبُ تزويجه إياهنَّ، ومات وهنَّ في عصمتهِ صلى الله عليه وسلم، واختلف في ريحانة هل كانت زوجة أو سرية، وهل ماتت قبله أو لا؟
(كَانَ يَقْسِمُ) من القَسْم، بفتح القاف وسكون السين، مصدر قسمتُ الشَّيء فانقسم، وبالكسر واحدُ الأقسام، وبمعنى النَّصيب، ويقال كلاهما بمعنى النَّصيب، ولكن الأوَّل يستعملُ في موضع خاص بخلاف الثاني، والقَسَم، بفتحتين اليمين.
(لِثَمَانٍ) أي لثمان نسوةٍ منهنَّ في المبيت عندهنَّ (وَلاَ يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ) منهنَّ وهي سودةُ بنت زَمَعة بن قيس القرشيَّة العامريَّة، توفِّيت في خلافة عُمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وكانت قد أسنَّت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهمَّ بطلاقها، فقالت له لا تطلِّقني وأنت في حِلٍّ من شأني، فإنما أريدُ أن أُحْشَرَ في أزواجك، وإني قد وهبتُ يومي لعائشة، وإنِّي لا أريدُ ما تريد النِّساء فأَمْسَكَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
ج 22 ص 227
حتى توفِّي عنها مع سائرِ من توفِّي عنهنَّ من أزواجه.
فإن قيل قد روى مسلم الحديثَ المذكورَ من طريق عطاء، وزاد في آخره قال عطاء التي لا يقسم لها صفيَّة بنت حيي بن أخطب.
فالجواب أنَّه حكى القاضي عياض عن الطَّحاوي أنَّ هذا وهمٌ، وصوابُه سودةُ كما تقدَّم أنَّها وَهَبْت يومَها لعائشة رضي الله عنها، وإنما غلطَ فيه ابن جُريج راويه عن عطاء، وقال النَّووي هذا وهمٌ من ابن جُريج الرَّاوي عن عطاء، وإنَّما الصَّواب سودة، كما في الأحاديث، كذا قيل.
فإن قيل قد ذكروا في قوله تعالى {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} [الأحزاب 51] أنَّه آوى عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة، فكان يستوفي لهنَّ القسم، وأرجأَ سودةُ وجويرية وأمُّ حبيبة وميمونة وصفية، وكان يقسمُ لهنَّ ما شاء، فيحتمل أن تكون رواية ابن جُريج صحيحة، ويكون ذلك في آخر أمرهِ حيث آوى الجميع فكان يقسمُ لجميعهنَّ إلَّا لصفية.
فالجواب أنَّه قد أخرج ابنُ سعد من ثلاثة طُرق أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم لصفيَّة كما يقسمُ لنسائه، لكن في الأسانيد الثَّلاثة الواقدي، وليس بحجَّة؛ فيترجَّح أنَّ مرادَ ابن عبَّاس رضي الله عنهما بالتي لا يُقْسَمُ لها سودة، كما قال الطَّحاوي والنَّووي؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أنَّ سودةَ وهبتْ يومها لعائشة، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم يقسمُ لعائشة يومَها ويومَ سودة، وسيأتي في بابٍ مفرد [خ¦5212] ، وهو قبل كتاب الطَّلاق بأربعة وعشرين بابًا، لكن يحتملُ أن يقال لا يلزم من أنَّه كان لا يبيت عند سودة أن لا يقسم لها، بل كان يقسمُ لها لكن يبيت عند عائشة لِمَا وَقَعَ مِنْ تِلك الهبة.
نعم، يجوزُ نفي القسم عنها مجازًا، والرَّاجح هو ما ثبت في «الصحيح» ، ولعلَّ البخاري حَذَفَ هذه الزِّيادةَ عَمْدًا، كذا قرَّره الحافظ العسقلاني، ولكن هذا الاحتمال لا يلتئمُ بما نحن بصدده من الكلام، ثمَّ في كون الواقدي ليس بحجَّة كلام، وهو أنَّه قد روى عنه الشَّافعي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو عبيد وأبو خَيثمة وعن مصعب الزُّبيري إنَّه ثقةٌ مأمونٌ، وكذا قال المُسَيَّبي.
وقال
ج 22 ص 228
أبو عبيد ثقةٌ، وعن الدَّراوردي الواقدي أمير المؤمنين في الحديث، مات قاضيًا ببغداد سنة سبع ومائتين، ودُفِنَ في مقابر الخيزران، وهو ابنُ ثمان وسبعين سنة، وقد وقعَ عند مسلم أيضًا فيه زيادة أخرى من رواية عبد الرَّزَّاق، عن ابن جُريج قال عطاء كانت آخرهنَّ موتًا، ماتت بالمدينة، كذا قال.
فأمَّا كونها آخرهنَّ موتًا، فقد وافق عليه ابنُ سعد وغيره، قالوا وكانت وفاتُها سنة إحدى وستين، وخالَفَهم آخرون فقالوا ماتت سنة ستٍّ وخمسين، ويعكِّر عليه أنَّ أمَّ سلمة عاشت إلى قَتْلِ الحسين بن علي رضي الله عنهما، وكان قَتْلُه يومَ عاشوراء سنة إحدى وستين، وقيل سنة تسع وخمسين، والأول أرجحُ، ويحتمل أن تكونا ماتتا في سَنَةٍ واحدةٍ لكن تأخَّر موت ميمونة.
وقد قيل إنَّها ماتت سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ستٍّ وستين، وعلى هذا لا تردُّد في آخريتها في ذلك، وأمَّا قوله (( وماتت بالمدينة ) )فقد تكلَّم عليه القاضي عياض وقال ظاهره أنَّه أراد ميمونة، وكيف يلتئمُ مع قوله في أوَّل الحديث إنَّها ماتت بِسَرِفٍ، وسَرِف من مكَّة بلا خلاف، فيكون قوله (( بالمدينة ) )وهَمًا، لكن يحتملُ أن يريدَ بالمدينة البلدة وهي مكَّة، والذي في أوَّل الحديث أنَّهم حضروا جنازتها بِسَرِف لا يلزم من ذلك أنَّها ماتت بِسَرِف، فيحتمل أن تكون ماتت داخل مكَّة، وأوصتْ أن تدفنَ بالمكان الذي دخلَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فنفَّذَ ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما وصيِّتَها، ويؤيِّد ذلك أنَّ ابن سَعْد لما ذكر حديث ابن جُريج هذا قال بعده وقال غيرُ ابن جُريج في هذا الحديث توفِّيت بمكة، فحَمَلَها ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما حتى دفنهَا بسرف.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( تسع ) )ولكن هذا العَدَد في حقِّه صلى الله عليه وسلم، وفي حقِّ غيره أربع أو ثلاث أو ثنتان، ويُطلق عليها الكثرة، وقد أخرجه مسلم في النِّكاح، وكذا النَّسائي فيه وفي عِشْرةِ النِّساء.