1860 - (وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن الوليد أبو محمد الأزرقيُّ، ويقال له الزرقيُّ المكي وهو من أفراد البخاري، وفي هامش الفرع وأصله (( هو الأزرقي ) ) (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ)
ج 9 ص 73
هو ابنُ سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف أبو إسحاق الزهريُّ القرشيُّ المدنيُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعد (عَنْ جَدِّهِ) إبراهيم، والضمير في (( جده ) )لإبراهيم لا لأبيه.
قال الحميديُّ في «الجمع بين الصحيحين» قال البرقاني إنَّ إبراهيم هو ابن عبد الرَّحمن بن عوف، قال وفي هذا نظر. قال صاحب «التلويح» الذي قاله الحميديُّ له وجه، ولقول البرقانيِّ وجه، أمَّا قول البرقاني فيحمل على جدِّ إبراهيم الأول، وأمَّا إنكار الحميديِّ فكأنَّه قال كيف يكون إبراهيم بن عبد الرَّحمن نفسه يروي عنه شيخ البخاري؟
(أَذِنَ عُمَرُ) أي ابن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي أذن لهنَّ في الخروج للحجِّ، وكان عمر رضي الله عنه قبل ذلك متوقِّفًا في ذلك اعتمادًا على قوله تعالى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب 33] ، وكان يرى تحريم السَّفر عليهنَّ أوَّلًا، ثمَّ ظهر له الجواز فأذنَ لهنَّ في آخر خلافته، وتبعه على ذلك من ذكر من الصَّحابة ومن في عصره من غير نكيرٍ فخرجنَ إلَّا زينب وسودة لحديث أبي داود وأحمد من طريق واقد بن أبي واقد الليثيِّ، عن أبيه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجَّة الوداع (( هذه ثم ظهور الحصر ) ). زاد ابنُ سعد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فكنَّ نساء النبيِّ صلى الله عليه وسلم يحججنَ إلَّا زينب وسودة، فقالا لا تحرِّكُنَا دابَّةٌ بعدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وإسناد حديث أبي واقدٍ صحيح.
وأغرب المهلَّب فزعم أنَّه من وضع الرافضة لقصد ذمِّ أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها في خروجها إلى العراق للإصلاح بين النَّاس في وقعة الجمل، وهو إقدامٌ منه على ردِّ الأحاديث الصَّحيحة بغير دليل، والعذر عن عائشة رضي الله عنها أنَّها تأوَّلت الحديث المذكور كما تأوَّله غيرها من صواحباتها على أنَّ المراد بذلك أنَّه لا يجب عليهنَّ غير تلك الحجَّة، وتأيَّد ذلك عندها بقوله صلى الله عليه وسلم (( لكنَّ أفضل الجهاد الحج والعمرة ) ).
ومن ثمَّة عقب المصنف هذا الحديث في هذا الباب بذلك الحديث [1] [خ¦1861] ، والله أعلم.
(فَبَعَثَ) عمر رضي الله عنه (مَعَهُنَّ) في خدمتهنَّ (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ) زاد ابن عساكر ، وقد أسنده البيهقيُّ والحاكم أنبا الحسن بن حليم المروزي ثنا أبو الموجِّه أنبا عبدان أنبا إبراهيم _ يعني ابن سعدٍ _ عن أبيه، عن جدِّه أنَّ عمر رضي الله عنه أذن لأزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم في الحجِّ، فبعث معهنَّ عثمان وعبد الرَّحمن رضي الله عنهما، فنادى الناسَ عثمانُ ألا لا يدنو منهنَّ أحدٌ ولا ينظر إليهنَّ إلَّا مدَّ البصر وهنَّ في الهوادج على الإبل، وأنزلهنَّ صدر الشَّعب ونزل عثمان وعبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهما بذنبه فلم يقعد إليهنَّ أحد.
قال أي الحاكم [2] رواه؛ يعني البخاري في «الصحيح» عن أحمد بن محمد عن إبراهيم بن سعد مختصرًا.
وفي روايةٍ لابن سعد فكان عثمان رضي الله عنه
ج 9 ص 74
يسير أمامهنَّ وعبد الرَّحمن رضي الله عنه خلفهنَّ. وفي رواية له وعلى هوادجهنَّ الطَّيالسة الخضر. وفي إسنادهِ الواقدي.
وروى ابن سعد أيضًا بإسنادٍ صحيحٍ من طريق أبي إسحاق السبيعيِّ قال رأيتُ نساء النبيِّ صلى الله عليه وسلم حججنَ في هوادج عليها الطَّيالسة زمن المغيرة؛ أي ابن شعبة رضي الله عنه، والظَّاهر أنَّه أراد بذلك زمن ولاية المغيرة على الكوفة لمعاوية رضي الله عنهما، وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها.
ولابن سعد أيضًا من حديث أمِّ معبد الخزاعيَّة قالت رأيتُ عثمان وعبد الرَّحمن في خلافة عمر رضي الله عنهم حجا بنساء النَّبي صلى الله عليه وسلم فنزلنَ بقديد، فدخلتُ عليهنَّ وهنَّ ثمان، وله من حديثِ عائشة رضي الله عنها أنهنَّ استأذنَّ عثمان رضي الله عنه في الحج فقال أنا أحجُّ بكنَّ فحجَّ بنا جميعًا إلَّا زينب كانت ماتت وإلَّا سودة، فإنَّها لم تخرج من بيتها بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
قال الكرمانيُّ فإن قلت عثمان وعبد الرَّحمن رضي الله عنهما لم يكونا محرمين لهنَّ فكيف أجاز لهنَّ وفي الحديث (( لا تسافر المرأةُ ليس معها زوجها أو ذو محرم ) ) [خ¦1197] ؟ قلت النِّسوة الثِّقات يقمنَ مقام المحرم، أو الرجال كلُّهم محارم لهنَّ؛ لأنهنَّ أمهات المؤمنين وكيف لا وحدُّ المحرم صادِق عليها.
قال النَّووي المحرم من حرم نِكاحها على التَّأبيد بسببٍ مُباحٍ لحرمتها، واحترز بقيد (( التَّأبيد ) )عن أخت المرأة، و (( بسبب مباح ) )عن أمِّ الموطوءة بشُبْهة، وبقوله (( لحرمتها ) )عن المُلاعنة؛ لأنَّ تحريمها ليس لحرمتها بل عُقُوبة وتغليظًا.
وقال الشَّافعي لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها حتى إذا كانت آمنة مطمئنَّة، فلها أن تسيرَ وحدها في جملة القافلة، ولعلَّه نظر إلى العلة فعمَّم الحكم. انتهى كلام الكرماني.
وقال العينيُّ قوله النِّسوة الثقات يقمنَ مقام المحرم، مصادقة للحديث الصَّحيح الذي رواه أبو سعيد رضي الله عنه (( لا تسافرُ امرأة مسيرةَ يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم ) )على ما يأتي عن قريب [خ¦1864] . ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم مرفوعًا (( لا يحلُّ لامرأةٍ أن تسافر ثلاثًا إلا ومعها ذو محرمٍ منها ) ).
وقوله أو الرِّجال كلهم محارم لهنَّ؛ لأنهنَّ أمهات المؤمنين، هذا جواب أبي حنيفة لحكام الرَّازي، فإنَّه قال سألت
ج 9 ص 75
أبا حنيفة رحمه الله هل تسافر المرأة بغير محرمٍ؟ فقال لا، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسافرَ امرأةٌ مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا إلَّا ومعها زوجها أو ذو محرمٍ منها، قال حكام فسألت العرزميَّ، فقال لا بأس بذلك حدَّثني عطاء أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تسافر بلا محرمٍ، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته بذلك فقال أبو حنيفة لم يدر العَرْزمي ما روى، كان الناس لعائشة محرمًا فمع أيِّهم سافرت فقد سافرت بمحرم، وليس النَّاس لغيرها من النساء كذلك.
ولقد أحسن أبو حنيفة رحمه الله في جوابه هذا؛ لأنَّ أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم كلهنَّ أمَّهات المؤمنين وهم محارم لهنَّ؛ لأنَّ المحرم من لا يجوز نكاحها على التَّأبيد، فكذلك أمهات المؤمنين حرامٌ على غير النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة.
والعرزمي هو محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان الكوفي فيه مقال، فقال النَّسائي ليس بثقة، وعن أحمد ليس بشيءٍ لا يكتب حديثه نزل جبانة عرزم بالكوفة فنسب إليها. وعرزم _ بتقديم الراء على الزاي _،
وقوله وقال الشَّافعي إلى آخره كذلك مصادمة للأحاديث الصَّحيحة؛ لأنَّ كلام النبيِّ صلى الله عليه وسلم يدلُّ قطعًا على اشتراط المحرم، والذي يقول لا يشترط خلاف ما يقوله النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله بل يشترطُ الأمن على نفسها، دعوى بلا دليل، فأيُّ دليلٍ دلَّ على هذا في هذا الباب، واشتراط الأمن على النَّفس ليس بمخصوصٍ في حقِّ المرأة خاصَّةً بل في حقِّ الرجال والنِّساء كلهم.
وقوله ولعلَّه نظر ... إلى آخره، من كلام الكرمانيِّ حمله على هذا أريحيَّة العصبية، فإنَّه لو أنصفَ لرجع إلى الصَّواب. انتهى.
ثمَّ إن قوله أذن عمر رضي الله عنه ... إلى آخره، ظاهره أنَّه من رواية إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف عن عمر، ومن ذكر معه رضي الله عنهم وإدراكه لذلك ممكن؛ لأنَّ عمره إذ ذاك كان أكثر من عشر سنين، وقد أثبت سماعَه من عمر رضي الله عنه يعقوب بن شيبة وغيره، يقال إنَّه ولد في حياة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وشهد الدار مع عثمان بن عفان رضي الله عنه، ودخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو صغيرٌ وسمع منه.
وقد روى ابنُ سعد
ج 9 ص 76
هذا الحديثَ عن الواقديِّ عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدِّه، عن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه قال أرسلني عمر رضي الله عنه لكن الواقدي لا يحتجُّ به، فقد رواه البيهقيُّ من طريق عبدان، وابن سعد أيضًا عن الوليد بن عطاء بن الأغر المكيِّ، كلاهما عن إبراهيم بن سعد مثل ما قال الأزرقي، ويحتمل أن يكون إبراهيم حفظ أصل القصة وحمل تفاصيلها عن أبيه، فلا تتخالف الرِّوايتان، ولعلَّ هذا هو النُّكتة في اقتصار البخاري على أصل القصَّة دون بقيَّتها، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.
وقال العينيُّ ما للواقدي لا يحتجُّ به وهو إمامٌ في هذا الفن وهو أحد مشايخ الشَّافعي.
تتمة روى عمر بن شبَّه هذا الحديث عن سليمان بن داود الهاشمي، عن إبراهيم بن سعد بإسنادٍ آخر فقال عن الزهريِّ عن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن أبي ربيعة، عن أمِّ كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنهما عن عائشة رضي الله عنها أنَّ عمر رضي الله عنه أذن لأزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم فحججنَ في آخر حجَّةٍ حجَّها عمر رضي الله عنه، فلمَّا ارتحل عمر رضي الله عنه من الحصبة من آخر اللَّيل أقبل رجلٌ فسلَّم، وقال أين كان أمير المؤمنين ينزل؟ فقال له قائل وأنا أسمع هذا كان منزله فأناخَ في منزل عمر رضي الله عنه، ثمَّ رفع عقيرته يتغنَّى
~عَلَيكَ سَلامٌ مِن أمِيرٍ وبَارَكَتْ يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ المُمَزَّقِ
الأبيات. قالت عائشة رضي الله عنها فقلت لهم اعلموا لي علم هذا الرَّجل، فذهبوا فلم يروا أحدًا، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول إني لأحسبه من الجنِّ، والله أعلم.
[1] ولفظه لكن أفضل الجهاد وأجمله الحج حجر مبرور.
[2] في العمدة والتوضيح قال رواه البخاري .... وفسرها المؤلف بأنه الحاكم والقول هو للبيهقي كما في سننه الكبرى فيتأمل.