1859 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بضم الزاي وتخفيف الراء الأولى، ابن واقدٍ الكلابيُّ النِّيسابوريُّ، يكنى أبا محمد، قال السَّراج مات لعشرٍ خلون من شوال سنة ثمان وثلاثين ومائتين، قال (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ) المزنيُّ الكوفيُّ (عَنِ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الجيم وفتح العين المهملة مصغَّرًا، ابن عبد الرَّحمن بن أوس الكنديِّ، ويقال التميميِّ المدنيِّ (قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ) بضم الحاء على البناء للمفعول، وفي رواية بإظهار اسم كان (فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وزاد الإسماعيليُّ من هذا الوجه، وقال قال السَّائب وقد حجَّ بي في ثقل النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأنا غلام.
قال الكرمانيُّ اللام في قوله للسَّائب بمعنى لأجل؛ يعني يقوله لأجله وفي حقِّه، أو المقول وكان السَّائب ... إلى آخره، وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه بعيدٌ.
وقال العينيُّ ليس ذلك ببعيد فإنَّ ظاهر الكلام يقتضي ذلك لا سيَّما إذا كان الأصل ما ذكره من غير إحالته على شيءٍ آخر. انتهى.
أقول يأتي في الكفارات عن عثمان بن أبي شيبة، عن القاسم بن مالك، عن الجعيد بن عبد الرَّحمن، عن السائب بن يزيد قال كان الصاع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدًّا وثلثًا بمدِّكم اليوم، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز [خ¦6712] .
وعلى هذا فيحتمل أن لا يكون مقول عمر ولا جواب السَّائب مذكورًا هنا، وذلك لأنَّ مقصوده الإعلام بأن السَّائب حجَّ به وهو صغير، وكأنَّه كان سأله عن قدر المدِّ كما في الكفَّارات، كما قاله الحافظ العسقلانيُّ.
واعلم أنَّ الحجَّ لا يجب على الصَّبيِّ لكن يصحُّ منه ويكون تطوُّعًا لحديث مسلم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال رفعت امرأة صبيًا لها، فقالت يا رسول الله! ألهذا حجَّ؟ قال (( نعم ولك أجر ) ).
ثم إن كان الصبيُّ مميزًا أحرم بإذن وليه، فإن أحرم بغير إذنه لم يصحَّ في الأصح، وإن لم يكن مميزًا أحرم عنه وليُّه سواء كان الوليُّ حلالًا أم محرمًا، وسواء كان حجُّه عن نفسه أم لا، وكيفية إحرامه أن يقولَ أحرمتُ عنه، أو جعلته محرمًا، ومتى صار الصبيُّ محرمًا فعلَ ما قدر عليه بنفسه ويفعل الوليِّ به ما عجز عنه من غسلٍ وتجرُّد عن مخيطٍ ولبس إزارٍ ورداءٍ، وإن قدر على الطواف وإلَّا طيف به،
ج 9 ص 71
والسَّعي كالطَّواف، وركع عنه ركعتي الإحرامِ والطَّوافِ إن لم يكن مميزًا وإلا صلاهما بنفسه.
ويشترطُ أن يُحضِرَه المواقف فيحضره وجوبًا في الواجبات، وندبًا في المندوبات كعرفة والمزدلفة والمشعر الحرام سواء كان الصبيُّ مميزًا أو غير مميَّزٍ لإمكان فعلها منه، ولا يُغني حضورها عنه، وإن قدر على الرمي رمى وجوبًا، وإلا استحب للولي أن يضعَ الحجر في يده ويأخذها ويَرمي بها عنه بعد رميه عن نفسهِ.
ولو بلغ الصبيُّ في أثناء الحج ولو بعد وقوف، فأدرك الوقوف أجزأه عن فرضه؛ لأنَّه أدرك معظم العبادة فصار كما لو أدرك الركوع، بخلاف ما إذا لم يدرك الوقوف، ولكن يعيد السَّعي وجوبًا بعد الطَّواف إن كان سعى بعد طواف القدوم قبل بلوغه، ويمنع الصبي المحرم من محظورات الإحرام فلو تطيَّب مثلًا عامدًا وجبت الفدية في مال الولي، ولو جامع في حجِّه فسدَ وقضى ولو في الصِّبَا كالبالغ المتطوِّع بجامع صحة إحرام كلٍّ منهما، فيعتبر فيه لفساد حجِّه ما يعتبر في البالغ من كونه عامدًا عالمًا بالتَّحريم مجامعًا قبل التحلُّلين.
وإذا قضى فإن كان قد بلغ في الفاسد قبل فوات الوقوف أجزأه قضاؤه عن حجَّة الإسلام، ولو فات الوقوف انصرف القضاء إليها أيضًا، ولزم القضاء من قابلٍ، هذا هو مذهب الشَّافعي.
وقال أبو حنيفة لا يصحُّ إحرام الصبيِّ ولا يلزمه شيءٌ بفعل شيءٍ من محظورات الإحرام، وإنما يُحَجُّ به على جهة التَّدريب، كما تقدم [خ¦1856 قبل] ، والله أعلم.
تتمة قال الشيخ زين الدين العراقي والصَّحيح عند أصحاب الشَّافعي أنَّه يُحرِم عنه الوليُّ الذي يلي مالَه وهو أبوه أو جده أو الوصيُّ أو القيم من جهة القاضي أو القاضي، قالوا وأمَّا الأم فلا يصحُّ إحرامها عنه إلَّا أن تكون وصيَّة أو قيِّمةً من جهة القاضي، وأجابوا عن قوله صلى الله عليه وسلم (( نعم ولك أجر ) )في حديث رواه مسلم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ امرأة رفعت صبيًا لها، فقالت يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال (( نعم ولك أجرٌ ) ). وكذا رواه التِّرمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه بأنَّ المراد أنَّ لها ذلك بسبب حملها وتفصيلها إياه ما يفعله المحرم. وأيضًا لعلَّ المرأة كانت وصيَّة أو قيِّمَة عليه. وأيضًا فليس في الحديث أنَّها
ج 9 ص 72
أمه ويجوز أن يكون في حجرها بنوع ولاية.
هذا، وقال بعضهم إنَّ الصبيَّ يثاب على طاعته ويكتب له حسناته بدَلالة الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما حكاه المحبُّ الطبري، وحكاه النَّووي في «شرح مسلم» عن مالك والشَّافعي وأحمد والجمهور.
ثم في حديث السائب المذكور صحة سماع الصبيِّ المميز وهو كذلك، وخالف في ذلك فرقة يسيرة وأنكر أحمد على قائل ذلك وقال قبَّح الله من يقول ذلك، والمسألة معروفةٌ في علوم الحديث.
فإن قيل في حديث السَّائب وكذا في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهم ذَكَرَ سنَّ التَّمييز فما دليل من يصحح حج الصبي الذي لم يبلغ سنَّ التمييز؟.
فالجواب أنه حديث جابر عند التِّرمذي وكذا حديث ابن عبَّاس عند مسلم، وقد تقدم فإن فيه رفعت امرأة صبيًا [خ¦1859] وهو أعمُّ من أن يكون في سنِّ التَّمييز أو أقل أو أكثر إلى حدِّ البلوغ.
وعن المالكيَّة قولان في الحج بالرَّضيع، وفي «التوضيح» وروي أنَّ الصِّدِّيق رضي الله عنه حجَّ بابن الزبير رضي الله عنهما في خرقة.
وقال عمر رضي الله عنه أحِجُّوا هذه الذريَّة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يجرد صبيانه عند الإحرام ويقف بهم المواقف، وكانت عائشة رضي الله عنها تفعل ذلك، وفعله عروة بن الزبير.
وقال عطاء يجرِّد الصغير ويلبي عنه، ويجتنب ما يجتنب الكبير، ويقضي عنه كلَّ شيءٍ إلَّا الصلاة فإن عقل الصلاة صلاها، فإذا بلغ وجب عليه الحج.
واختلفوا في الصبيِّ والعبد يحرمان بالحجِّ ثم يحتلم الصبيُّ ويعتق العبد قبل الوقوف بعرفة، فقال مالك لا سبيل إلى رفضِ الإحرام ويتماديان عليه، ولا يجزئهما عن حجَّة الإسلام، وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشَّافعي إذا نويا بإحرامهما المتقدِّم حجة الإسلام أجزأهما.
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيُّما غلامٍ حجَّ به أهله فمات فقد قضى حجَّة الإسلام، فإن أدرك فعليه الحج، وأيُّما عبدٍ حجَّ به أهله فمات، فقد قضى حجَّة الإسلام، فإن عتق فعليه الحج.