20 - (باب إِذَا أَسْلَمَتِ الْمُشْرِكَةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الذِّمِّيِّ أَوِ الْحَرْبِيِّ) واقتصاره على النَّصرانية ليس بقيدٍ، إذ اليهودية أيضًا مثلها. ولو قال إذا أسلمت المشركة أو الكتابية؛ لكان أحسن وأشمل، فكأنَّه راعى لفظ الأثر المنقول في ذلك، قال الحافظُ العسقلاني ولم يَجْزِمْ بالحُكْمِ لإشكاله، بل أوردَ التَّرجمة مورد السُّؤال فقط.
وتَعَقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا غير موجَّه؛ فإنَّه إذا كان مشكلًا، فما فائدة وضع التَّرجمة، بل جرتْ عادته أنَّه يذكر غالب التَّراجم مجرَّدة عن بيان الحكم فيها اكتفاء بما يعلم من أحاديث الباب التي فيه. وحكم المسألة التي وُضِعَتِ التَّرجمة له، هو أنَّ المرأة إذا أسلمت قبل زوجها هل يقعُ الفرقة بينهما بمجرَّد إسلامها،
ج 23 ص 211
أو يثبت لها الخيار، أو توقَّف في العدَّة، فإن أسلم استمرَّ النِّكاح، وإلَّا وقعت الفرقة بينهما، وفيه اختلاف مشهور.
وقال ابن بطَّال الذي ذهب إليه ابن عبَّاس رضي الله عنهما وعطاء أنَّ إسلام النَّصرانية قبل زوجها فاسخ لنكاحها؛ لعموم قوله عزَّ وجلَّ {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة 10] ، فلم يخصَّ وقت العدَّة من غيرها. وروي مثله عن عُمر رضي الله عنه، وهو قولُ طاوس وأبي ثور، وقالت طائفة إذا أسلمَ في العدَّة تزوَّجها هذا قول مجاهد وقتادة، وبه قال مالكٌ والأوزاعي والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، وقالت طائفة إذا عُرِضَ على زوجها الإسلام، فإن أسلَمَ فهما على نكاحهِمَا، وإن أبى أن يسلم فرِّق بينهما، وهو قول الثَّوري وأبي حنيفة إذا كانا في دار الإسلام. وأمَّا في دار الحرب فإن أسلمت وخرجت إلينا بانَتْ منه بافتراق الدَّارين، وفيه قولٌ آخر يُرْوَى عن عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنَّه خيَّر نصرانيَّةً أسْلَمَتْ، وزوجها نصراني إن شاءت فارقتهُ، وإن شاءتْ أقامت معه، وقد جنح البُخاري إلى أنَّ الفرقة تقع بمجرد إسلامها.
(وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ سعيد التَّميمي البصري (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه قال (إِذَا أَسْلَمَتِ النَّصْرَانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) سواء دخل بها أم لا. وهذا التَّعليق وصله ابنُ أبي شيبة عن عباد بن العوَّام عن خالد الحذَّاء بنحوه.
وأمَّا قوله حَرُمَتْ عليه، فليس بصريحٍ في المراد، وقد وقع في رواية ابن أبي شيبة (( فهي أملك بنفسها ) )، وأخرج الطَّحاوي من طريق أيُّوب، عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في اليهوديَّة أو النَّصرانيَّة تكون تحت اليهودي أو النَّصراني فتُسْلم، قال يُفَرَّقُ بينهما؛ الإسلامُ يَعْلو ولا يُعْلَى. وسنده صحيحٌ.
(وَقَالَ دَاوُدُ) هو ابنُ أبي الفرات، واسمه عَمرو بن الفرات (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هو ابنُ ميمون (الصَّائِغِ) المروزي، قُتِلَ سنةَ إحدى وثلاثين ومائة، أنَّه قال
ج 23 ص 212
(سُئِلَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ) أي من أهل الذِّمة (أَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا) بعدها (فِي الْعِدَّةِ) أي وهي في العِدَّة (أَهِيَ امْرَأَتُهُ؟ قَالَ لاَ، إِلاَّ أَنْ تَشَاءَ هِيَ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ) أي جديد أيضًا؛ لأنَّ الإسلامَ فرَّق بينهما، وصله ابنُ أبي شيبة من وَجْهٍ آخر عن عطاء بمعناه، وهو ظاهرٌ في أنَّ الفُرْقةَ تقعُ بإسلام أحد الزَّوجين، ولا ينتظرُ انقضاء العدَّة.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر (إِذَا أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ) أي إذا أسلمت المرأة، ثمَّ أسلم الزَّوج وهي في العدَّة (يَتَزَوَّجُهَا) وصله الطَّبري من طريق ابنِ أبي نَجيح عنه (وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ) أورد البُخاري هذه الآية؛ للاستدلال بها في تقويةِ قول عطاء المذكور، وأنَّه اختار هذا القولَ، وهو أنَّ النَّصرانيَّةَ إذا أسْلَمَتْ، ثمَّ أسلمَ زوجُها في العدَّة؛ فإنَّها لا تحلُّ له إلَّا بنكاحٍ جديدٍ وصداقٍ.
فإن قيل روى عطاء في الباب الذي قبله عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «أنَّ المرأة إذا هاجرت من أهل الحرب لم تُخْطَبْ حتى تحيضَ وتطهرَ، فإذا طهرتْ حلَّ لها النِّكاح، فإن هاجرَ زوجُها قبل أن تنكحَ رُدَّتْ إليه» ، الحديث.
فَبَين قولِهِ وروايتهِ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما تعارضٌ.
فالجواب أنَّ قوله لم تُخْطَبْ حتى تحيضَ وتطهر يحتمل أن يرادَ به انتظارُ إسلام زوجها ما دامت هي في عدَّتها. ويحتملُ أيضًا أنَّ تأخيرَ الخطبة إنَّما هو لكون المعتدَّة لا تُخْطَبُ ما دامت في العدَّة، فإذا حُمِلَ على الاحتمال الثَّاني، ينتفي التَّعارض.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) أي البصري، وفي رواية ابن عساكر زيادة لفظ (وَقَتَادَةُ) أي ابن دعامة (فِي مَجُوسِيَّيْنِ) امرأة وزوجها (أَسْلَمَا هُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِذَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ)
ج 23 ص 213
بالإسلام (وَأَبَى الآخَرُ) أنْ يُسْلِمَ (بَانَتْ) منه، وحينئذٍ (لاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا) أخرجه ابنُ أبي شيبة عن كلٍّ منهما نحوه (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جُريج (قُلْتُ لِعَطَاءٍ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ جَاءَتْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَيُعَاوَضُ) بفتح الواو على البناء للمفعول من المعاوضة، وفي رواية أبي ذرٍّ باسقاط الواو، من العوض أرادَ هل يُعْطَى (زَوْجُهَا) المشركُ (مِنْهَا) يعني عوض صداقها (لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} ) المفسر بأعطوا أزواجهنَّ مثل ما دَفَعُوا إليهنَّ من المهور.
(قَالَ) أي عطاء (لاَ) أي لا يُعْطَى؛ لأنَّ قوله تعالى {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} (إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَهْدِ) من المشركين، وكان الصُّلح انعقدَ بينهم على ذلك، وأمَّا اليوم فلا. وأخرج عبد الرَّزَّاق عن ابن جُريج قال قلت لعطاء ... إلى آخره نحوه.
(وَقَالَ) بالواو، وفي رواية ابن عَساكر بدون الواو (مُجَاهِدٌ هَذَا كُلُّهُ) أي إعطاء المرأة التي جاءت إلى المسلمين زوجها المشرك عوض صداقها (فِي صُلْحٍ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ) ويوضحُ هذا ما رواه ابنُ أبي حاتم من طريق ابنِ أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة 10] قال من ذهبَ من أزواجِ المسلمين إلى الكُفَّار، فليعطهم الكفَّار صدقاتهنَّ ولْيُمْسِكُوهنَّ، ومن ذَهَبَ من أزواج الكفَّار إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكذلك.
هذا كلُّه كان في صُلْحٍ بين النَّبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، ثمَّ انقطعَ ذلك يوم الفتح.