46 - (باب {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} ) أي اذكر يا محمَّد حين قال إبراهيم {رَبِّ أَرِنِي} ؛ أي أبصرني كيف تحيي الموتى، أراد عليه الصَّلاة والسَّلام بهذا السُّؤال أن يضمَّ علم الضَّرورة إلى علم الاستدلال؛ لأنَّ تظاهر الأدلَّة أسكن للقلوب، وأزيد للبصيرة واليقين، ولأنَّه لمَّا قال
ج 19 ص 146
لنمروذ ربِّي الذي يحيي ويميت أحبَّ أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدةً فقال (( ربِّ أرني كيف تحيي الموتى ) )، وسقط في نسخة لفظ .
( {فصِرْهُنَّ} قَطِّعْهُن) هذا في رواية أبي ذرٍّ وحدَه، وأشار به إلى تفسير {فَصِرْهُنَّ} في قوله تعالى {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصِرْهُنَّ} [1] وفسَّره بقوله «قطعهن» . وقد أخرجه ابنُ أبي حاتم من وجهين عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومن طرقٍ عن جماعةٍ من التَّابعين عكرمة وسعيد بن جُبير وأبي مالك وأبي الأسود الدُّؤلي ووهب بن منبِّه والحسن والسُّدِّي، ومن طريق العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال صُرهنَّ إليك أي أوثقهنَّ ثمَّ اذبحهنَّ. وقيل معناه أَمِلْهنَّ واضممهنَّ إليك؛ أي لتتأمَّلها وتعرف شياتها وسماتها وحلاها لئلا تلتبسَ عليك بعد الإحياء، من صاره يصوره صورًا، وصاره يصيره صيرًا.
فقراءة الجمهور ضم الصاد، وقراءة حمزة كسرها، واللغتان لفظ مشترك بين هذين المعنيين، وقيل الكسر بمعنى القطع، والضَّم بمعنى الإمالة، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنه قرأ (( فصُرَّهن ) )بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء، من صره يصره إذا جمعه.
[1] في هامش الأصل وإنما خص الطير لأنه مع كونه جامعًا لجميع خواص الحيوانات أقرب الحيوانات من الإنسان من حيث كونه أهل الهمة وطلب العلو والارتفاع، وخص من بين الطيور الطاوس والديك والغراب والحمام لأن كل واحد منها فيه خاصة مانعة عن الوصول إلى الحياة الحقيقية الأبدية فالله سبحانه وتعالى أشار بتخصيصها بالأخذ والذبح والتجزئة إلى أن الإنسان لا يصل إلى الحياة الحقيقية ما لم يقلع تلك الطبائع عن نفسه، فاختير الطاوس للإشارة إلى ما في الإنسان من الميل إلى الزينة والعجب والجاه، واختير الديك للإشارة إلى ما فيه من الميل والحرص إلى قضاء الشهوة الفرجية، واختير الغراب للإشارة إلى ما فيه من الميل إلى جيفة الدنيا والحرص على نيلها، فإن الغراب يطير في ظلمة الليل وشدة البرد بالنهار في طلب الجيفة، واختير الحمام للإشارة إلى ما فيه من العكوف على الأرض وعالم الطبيعة وقلة الرغبة والهمة في الارتقاء في المنازل الروحانية والمعارف الإلهية، فإن شأن الحمام أن تألف وكرها وبرجها وتلازمه وتبيض وتفرخ فيه مدة حياتها، وإن كان النسر بدل الحمام فيكون إشارة إلى ما في الإنسان من حب الدنيا وطول الأمل في أمرها، وروي بطة مكان الحمام فيكون إشارة إلى الشره الغالب فيها فالله سبحانه وتعالى نبه باختيار هذه الطيور إلى أن كيفية إحياء الموتى من النفوس والطريق المؤدي إلى إحيائها هي إزالة هذه الخواص عنها، ونبه بالأمر بتفريق أجزائها إلى الجبال الأربعة التي بحضرته على العناصر الأربعة التي هي أركان بدن الإنسان، وأنه ينبغي له أن يقمع تلك الخواص ويمنعها عنها حتى لا يبقى فيه إلا أصولها المركوزة في وجوده وموادها المعدة في طبائع العناصر التي فيه. منه، وروي عن عطاء الخراساني بطة خضراء وغرابًا أسود وحمامة بيضاء وديكًا أحمر، كذا في (( اللباب ) )، وروي أنها كانت الجبال سبعة فعلى هذا يُشار بها إلى الأعضاء السبعة التي هي أجزاء البدن. منه.