فهرس الكتاب

الصفحة 9363 من 11127

45 - (بابٌ لاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ) أي لا يتخاطب شخصان أحدهما للآخر دون الشَّخص الثَّالث إلَّا بإذنه، وقد جاء هذا ظاهرًا في رواية مَعمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( إذا كانوا ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دون الثَّالث إلَّا بإذنه، فإنَّ ذلك يحزنه ) )ويشهد له قوله تعالى {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [المجادلة 10] الآية.

(وَقَوْلُهُ تَعَالَى) وفي رواية أبي ذرٍّ ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ) بألسنتهم وهو خطابٌ للمنافقين كذا قيل [1] ، والظَّاهر أنَّه خطابٌ للمؤمنين.

( {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسول} ) أي إذا تناجيتم فلا تشبَّهوا باليهود في تناجيهم بالشَّرِّ، وهو من التَّجوُّز بلفظ المراد عن الإرادة، والمعنى إذا أردتم التَّناجي، ومنه {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة 117] أي إذا أراد قضاء أمرٍ، ومنه {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة 42] .

معناه وإن أردت الحكم فاحكم بينهم بالقسط، وفيه تجوُّزٌ من وجهين أحدهما التَّعبير بالحكم عن الإرادة. والثَّاني التَّعبير بالماضي عن المستقبل.

( {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ} ) بأداء الفرائض وسائر الطَّاعات ( {وَالتَّقْوَى} ) أي الاتِّقاء والتَّحرُّز عمَّا حرَّمه الله تعالى (إِلَى قَوْلِهِ {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} ) يريد قوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ*إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا

ج 26 ص 377

إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة 9 - 10] {إِنَّمَا النَّجْوَى} أي التَّناجي {مِنَ الشَّيْطَانِ} أي من تزيينه [2] {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} بما يَبْلُغهم من إخوانهم الَّذين خرجوا في السَّرايا من قتلٍ أو موتٍ أو هزيمة {وَلَيْسَ} أي الشَّيطان أو التَّناجي {بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} أي بإرادته {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة 10] أي يكلون أمرهم إلى الله تعالى، ويستعيذون به من الشَّيطان، ولا يبالوا بنجواهم.

وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله (( {بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} إلى {التَّقْوَى} ) )وسقط أيضًا من (( {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ} هكذا إلى {الْمُؤْمِنُونَ} ) )وسيقت الآيتان في رواية الأَصيلي وكريمة بتمامهما.

(وَقَوْلُهُ) تعالى ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسول} ) أي إذا أردتم مناجاته ( {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} ) أي قبل نجواكم [3] ، وهي استعارةٌ ممَّن له يدان، كقول عمر رضي الله عنه من أفضل ما أوتيت العرب الشِّعر يقدمه الرَّجل أمام حاجته، فيستمطر به الكريم، ويستنزل به اللَّئيم، يريد قبل حاجته ( {ذَلِكَ} ) أي التَّقديم ( {خَيْرٌ لَكُمْ} ) في دينكم ( {وَأَطْهَرُ} ) [4] لأنَّ الصَّدقة طهرةٌ ( {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا} ) ما تتصدَّقون به ( {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ) [5] عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وذلك أنَّ النَّاس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكثروا حتَّى شقُّوا عليه فأدَّبهم الله تعالى، ووعظهم بهذه الآية، وأمرهم أن لا يناجوه حتَّى يقدموا الصَّدقة، فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الرُّخصة [6] .

وقال مجاهد نهوا عن مناجاة النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى يتصدَّقوا، فلم يناجه إلَّا عليٌّ رضي الله عنه قدم دينارًا فتصدَّق به فنزلت الرُّخصة ونَسَخ الصَّدقة.

وأخرج التِّرمذي وابن حبَّان وصححه وابن مردويه من طريق عليِّ بن علقمة عن عليٍّ رضي الله عنه قال لمَّا نزلت هذه الآية قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما تقول، دينار؟ ) )قلت لا يطيقونه، قال (( فكم؟ ) )قلت حبَّةٌ أو شعيرةٌ، قال (( إنَّك لزهيدٌ ) )قال فنزلت {أَأَشْفَقْتُمْ} الآية، قال عليٌّ رضي الله عنه فبي خُفِّف عن هذه الأمَّة. وعن مقاتل بن حيَّان إنَّما كان ذلك عشر ليالٍ، ثمَّ نُسِخ. وعن الكلبي ما كانت إلَّا ساعةً من نهار.

والحاصل أنَّه تعالى أراد أن يخفف عن نبيِّه، فأمر بتقديم الصَّدقة قبل المناجاة، فكفُّوا عن المسألة فأنزل الله تعالى {أأشفقتم} [المجادلة 13] الآية، فوسَّع الله عليهم ولم يضيِّق.

(إِلَى قَوْلِهِ {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ) وفي رواية أبي ذرٍّ < {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} إلى قوله {بِمَا تَعْمَلُونَ} >

ج 26 ص 378

يريد قوله تعالى {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} [المجادلة 13] أي خفتم بالصَّدقة لما فيه من الإنفاق الَّذي تكرهونه، وإنَّ الشَّيطان يعدُكم الفقرَ ويأمركم بالفحشاءِ.

< {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} > ما أُمرتم به وشقَّ عليكم < {وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} > وتجاوزَ عنكم، وقيل الواو صلة < {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} > في سائرِ الأوامر، فإنَّ القيام بها كالجابر للتَّفريط في ذلك < {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة 13] >.

وأشار المصنِّف بإيراد الآيتين الأوليين إلى أنَّ التَّناجي الجائز المأخوذ من مفهوم الحديث مقيَّدٌ بأن لا يكون التَّناجي في الإثم والعدوان، وساق في رواية الأَصيلي وكريمة الآيتين الأخيرتين بتمامهما أيضًا.

[1] في هامش الأصل أي بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواصٍ بمعصية الرَّسول، قال مقاتل أراد بقوله (( آمنوا ) )المنافقين أي آمنوا بلسانهم. وقال عطاء يريد الذين آمنوا بزعمهم.

[2] في هامش الأصل بتوهمهم، لأنه في نكبةٍ أصابتهم.

[3] في هامش الأصل واختلف في أنه للندب أو للوجوب لكنه منسوخ بقوله {أَأَشْفَقْتُمْ} وهو وإن اتصل به تلاوة لم يتصل به نزولًا.

[4] في هامش الأصل أي لأنفسكم من الريبة وحب المال.

[5] في هامش الأصل يعني الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به معفو عنهم.

[6] في هامش الأصل وعن علي رضي الله عنه إن في كتاب الله آية ما عَمِلَ بها أحدٌ غيري، كان لي دينارٌ، فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت