ج 14 ص 365
والآية في آخر سورة الطَّلاق ( {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} ) مبتدأ وخبر ( {وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} ) أي وخلق مثلهنَّ في العدد من الأرض، وقرئ بالرَّفع على الابتداء والخبر ( {يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} ) أي يجري أمر الله وقضاؤه بينهنَّ، وينفذ حكمه فيهنَّ. قيل ما في القرآن آيةٌ تدلُّ على أنَّ الأرض سبع إلَّا هذه الآية. وقال الدَّاودي فيه دلالةٌ على أنَّ الأرضين بعضها فوق بعضٍ مثل السَّماوات، وحكى ابن التِّين عن بعضهم أنَّ الأرض واحدةٌ، قال وهو مردودٌ بالقرآن والسُّنة.
قال الحافظ العسقلاني ولعلَّه قول بالتَّجاور، وإلَّا فهو صريحٌ في المخالفة، ويدلُّ للقول الظَّاهر ما رواه ابنُ جرير من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضُّحى، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هذه الآية {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} قال (( في كلِّ أرضٍ مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق ) )، هكذا أخرجه مختصرًا وإسناده صحيحٌ.
وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريق عطاء بن السَّائب، عن أبي الضُّحى مطولًا، وأوله (( أي سبع أرضين في كلِّ أرضٍ آدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسكم، ونبيٌّ كنبيِّكم ) ).
قال البيهقيُّ إسناده صحيحٌ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، إلَّا أنَّه شاذٌّ بمرَّة لا أعلم لأبي الضُّحى متابعًا، والمعنى على ما قالوا إنَّ في كلِّ أرضٍ سادة يقومون عليها مقام آدم ونوح وإبراهيم وعيسى، كذا في «الكواشي» .
ويدلُّ ذلك على أنَّ في كلِّ أرضٍ سكان من خلق الله تعالى عقلاء مميَّزون، والدَّعوة شاملةٌ لهم.
وقيل تختصُّ الدَّعوة بأهل الأرض العليا، ولا تلزم فيمن في غيرها من الأرضين، وإن كانوا عقلاء مميَّزين، وفي مشاهدتهم السَّماء واستمدادهم الضَّوء منها قولان
أحدهما أنَّهم يشاهدون السَّماء من كلِّ جانبٍ من أرضهم، ويستمدُّون الضَّياء منها، وهذا قول من جعل الأرض مبسوطةً.
الثَّاني أنَّهم لا يشاهدون السَّماء وأنَّ الله تعالى خلق لها ضياء بوجهٍ آخر، وهذا قول من جعل الأرض كرة. وروى ابنُ أبي حاتم من طريق مجاهد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( لو حدَّثتكم بتفسير هذه الآية لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها ) )، ومن طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه، وزاد (( وهنَّ مكبوبات هكذا بعضهنَّ على بعض ) ).
وظاهر قوله تعالى {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} يردُّ أيضًا على أهل الهيئة قولهم أن لا مسافة بين كلِّ أرضٍ وأرض وإن كانت فوقها، أو أنَّ السَّابعة صمَّاء لا جوف لها وفي وسطها المركز، وهي نقطةٌ مقدرة متوهمةٌ إلى غير ذلك من أقوالهم التي لا برهان عليها.
وقد روى أحمد والتِّرمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ بين كلِّ سماءٍ وسماء خمسمائة عامٍ، وإن سمك كلُّ سماءٍ كذلك، وإنَّ بين كلِّ أرض وأرض
ج 14 ص 366
خمسمائة عام )) . وأخرجه إسحاق بن راهويه والبزَّار من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه نحوه، وسيأتي في آخر الباب في هذا الشَّرح إن شاء الله تعالى.
فإن قيل روى أبو داود والتِّرمذي من حديث العباس بن عبد المطَّلب رضي الله عنه مرفوعًا (( بين كلِّ سماء وسماء إحدى أو ثنتان وسبعون سنةً ) ).
فالجواب أنَّه يجمع بينهما بأن اختلاف المسافة باعتبار بطء السَّير وسرعته.
وفي «تفسير النسفي» وقيل إنَّ المراد بقوله (( سبع أرضين ) )، الأقاليم السَّبعة والدَّعوة شاملةٌ جميعها، وقيل إنَّها سبع أرضين متَّصلة بعضها ببعض، والحائل بين كلِّ أرضٍ وأرضٍ بحارٌ لا يمكن قطعها، ولا الوصول إلى الأرض الأخرى، ولا تصل الدَّعوة إليهم، والله تعالى أعلم.
وليست المسافة يقينية، ولا من ضروريات الإسلام حتَّى يكفر بالتَّردد فيها.
( {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} ) اللام تتعلق بخلق، أو بقوله يتنزل، أو مضمر يعمُّهما؛ أي أعلمتكم بذلك أو أخبرتكم، فإنَّ كلاًّ منهما يدلُّ على كمال قدرته وعلمه، والأوَّل أقرب، وعلمًا تمييز، وقيل مصدر من غير لفظ الفعل؛ أي قد علم كلُّ شيء علمًا، والظَّاهر هو الأول.
(وَالسَّقْفُ الْمَرْفُوع السَّمَاءُ) بالرفع مبتدأ خبره السَّماء، ويجوز الجر في {والسَّقفِ المرفوع} [الطور 5] حكاية عمَّا في سورة الطُّور فإنَّه إشارةٌ إلى تفسيره، وهو تفسيره كذا فسَّره مجاهدٌ. أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق ابن أبي نجيح عنه، ومن طريق قتادة نحوه.
وسيأتي عن عليٍّ رضي الله عنه مثله في (( باب الملائكة ) ) [خ¦3207] ، ولابن أبي حاتم من طريق الرَّبيع بن أنس {السَّقف المرفوع} العرش، والأول أكثر، وسمَّى السَّماء سقفًا؛ لأنَّها للأرض كالسَّقف للبيت، وهو يقتضي الرَّد على من قال إنَّ السَّماء كُرِّيَّة؛ لأنَّ السَّقف في اللغة لا يكون كُرِّيًّا. فافهم.
(سَمْكُهَا بِنَاؤهَا) يريد به تفسير قوله تعالى {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} [النازعات 28] في {وَالنَّازِعَاتِ} وهنا لفظ سمكها مرفوعٌ على الابتداء، وقوله بناؤها خبره، ويجوز بالنَّصب على الحكاية؛ أي رفع بنيانها بأن جعلَ مقدار ارتفاعها من الأرض، وذهابها إلى سمت العلو رفيعًا مسيرة خمسمائة عامٍ
ج 14 ص 367
أو ثخنها الذَّاهب في العلوِّ رفيعًا، وامتداد الشَّيء إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه يسمَّى سمكًا، وإذا أخذ من أعلاه إلى أسفله يسمَّى عمقًا.
وتفسير البخاريِّ هذا هو تفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عنه. ومن طريق ابنِ أبي نجيح، عن مجاهد مثله، وزاد بغير عمدٍ. ومن طريق قتادة مثله، وقوله تعالى {فَسَوَّاهَا} أي فعدَّلها أو فجعلها مستويةً أو فتمَّمها بما يتمُّ به كمالها من الكوكب والتَّداوير وغيرها من قولهم سوَّى فلان أمره إذا أصلحه.
( {الْحُبُكِ} اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا) أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} [الذاريات 7] ، ويجوز في {الْحُبُكِ} الرفع على الابتداء وخبره استواؤها، ويجوز الجرُّ على الحكاية. والتَّفسير الذي ذكره هو تفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أخرجهُ ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السَّائب عن سعيد بن جُبير، عنه.
وأخرج من طريق سعد الإسكاف، عن عكرمة عنه بلفظ {ذَاتِ الْحُبُكِ} ؛ أي البهاء والجمال غير أنَّها كالبَرَدِ المُسَلْسَل، ومن طريق علي بن أبي طلحة، عنه قال {ذَاتِ الْحُبُكِ} أي الخلق الحسن. والحُبُك، بضمتين، جمع حبيكة، كطُرُق وطَرِيْقَة وزنًا ومعنىً، وقيل واحدها حِبَاك كمِثَال ومُثُل، وقيل الحبك الطَّرائق التي ترى في السَّماء من آثار الغيم، وروى الطَّبري عن الضَّحاك نحوه. وقد يقال المراد بالطَّريق المحسوسة التي هي مسيرُ الكواكب، أو المعقولة التي تسلكها النُّظَّار، ويتوصَّل بها إلى المعارف، وقيل هي النُّجوم. أخرجه الطَّبري بإسنادٍ حسنٍ عن الحسن، فإنَّ النُّجوم لها طرائق تسير فيها، أو أنَّها تزينها كما تُزَيِّن المُوَشَّي طرائق الوَشْي.
وروى الطَّبري عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما أنَّ المراد بالسَّماء هنا السَّماء السَّابعة.
( {وَأَذِنَتْ} سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ) أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ*وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} [الانشقاق 1 - 2] ومعنى سمعها وإطاعتها قبول ما يراد منها، وهذا أيضًا تفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما. أخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق سعيد بن جُبير، عنه {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي أطاعت {وَحُقَّتْ} أي حقَّ لها أن تطيع.
ومن طريق الضَّحاك أي سمعت، قال النَّسفي وحقيقته أنَّه من أَذِنَ لشيءٍ إذا أصغى إليه إذنه للاستماع، والسَّماع يستعمل في الإسعاف، والإجابة كذلك الإذن؛ أي أجابت ربَّها إلى الانشقاق، وما أراده منها.
ج 14 ص 368
انتهى.
وحقيقة قوله تعالى {وَحُقَّتْ} وجعلت حقيقة بالاستماع والانقياد، يقال حُقَّ بكذا فهو محقوقٌ وحقيق، والمراد بانشقاقها، والله تعالى أعلم، إمَّا انشقاقها بالغمام، روي ذلك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فهو كقوله تعالى {يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان 25] ؛ أي بسبب طلوع الغمام منها على ما فسَّر في سورة الفرقان، وأمَّا انشقاقها لهول القيامة، كما قال الفرَّاء والزَّجاج، كما في قوله {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [الحاقة 16] ، ولا منع في أن يكون ذلك بالغمامِ.
( {وَأَلْقَتْ} أَخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى {وَتَخَلَّتْ} عَنْهُمْ) أشار إلى قوله تعالى بعد قوله {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق 2] {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ} [الانشقاق 3] أي بسطت بأن تُزال جبالها وآكامها، وكلُّ أمْتٍ فيها حتَّى تمتدَّ وتنبسطَ ويستوي ظهرها من مدَّ الشَّيء فامتدَّ {وَأَلْقَتْ} أي طرحت {مَا فِيهَا} من الموتى والكنوز {وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق 4] أي تكلَّفت الخلو أقصى حدِّها، وخلت غاية الخلو حتَّى لا يبقى في بطنها شيءٌ.
وتفسير البخاري هذا عند أبي حاتم من طريق مجاهد نحوه، ومن طريق سعيد بن جُبير ألقت ما استودعها الله من عباده، وتخلَّت عنهم إليه.
ثمَّ جواب إذا محذوف؛ للتَّهويل بالإيهام، وهو بُعِث النَّاس ونحوه أو للاكتفاء بما مرَّ في سورتي التَّكوير والانفطار، أو بدلالة قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ} [الانشقاق 6] عليه، وتقديره لاقى الإنسان كَدْحَه؛ أي جهدًا يؤثر فيه من كدحه إذا خدشه أو فملاقيه. وقوله {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ} [الانشقاق 6] اعتراض، والكدْحُ إليه السَّعي إلى لقاء جزائه.
( {طَحَاهَا} دَحَاهَا) أشار بذلك إلى ما في قوله {وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} [الشمس 6] ، وقد فسَّره بقوله دحاها، وهو قوله تعالى {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات 30] وهكذا فسَّره مجاهدٌ، أخرجه عنه عبد بن حميد وغيره، وأخرج ابن أبي حاتم أيضًا من طريق ابن عبَّاس رضي الله عنهما والسدي وغيرهما {دَحَاهَا} أي بسطها من الدَّحو وهو البسط، يقال دحا يدحو ويدحي؛ أي بسط ووسَّع. وقيل معناه البسط يمينًا وشمالًا،
ج 14 ص 369
لا من كلِّ جانبٍ.
( {بِالسَّاهِرَةِ} وَجْهُ الأَرْضِ، كَانَ فِيهَا الْحَيَوَانُ، نَوْمُهُمْ وَسَهَرُهُمْ) أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات 14] ؛ أي فإذا هم أحياءٌ على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتًا في بطنها، والسَّاهرة وجه الأرض سمِّي بها؛ لأنَّ نوم الخلائق وسهرهم فيه. هكذا فسَّره عكرمة، أخرجه ابنُ أبي حاتم. وأخرج أيضًا من طريق مصعب بن ثابت، عن أبي حازم، عن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه في قوله {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} قال أرضٌ بيضاء عفراء [1] كالحِبْرة.
وعن ابن أبي حاتم المراد بها أرض القيامة، ويقال السَّاهرة الأرض البيضاء المستوية سمِّيت بذلك؛ لأنَّ السَّراب يجري فيها من قولهم عينٌ ساهرة التي يجري ماؤها، وفي ضدِّها نائمة، أو لأنَّ سالكها يسهر، ولا ينام خوفًا.
وقال النَّسفي قيل هذه السَّاهرة جبلٌ عند بيت المقدس، والله تعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل العفراء أرض بيضاء يخالطها حمرة، ويقال الأرض التي أكلت كل ما عليها ولم يبق شيء. منه.