فهرس الكتاب

الصفحة 4976 من 11127

3194 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابنُ سعيدٍ، كما في نسخة، قال (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ) بضم الميم وكسرها (ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ) وقد مرَّ في (( الاستسقاء ) ) [خ¦1006] (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ) قال الخطابيُّ يريد لمَّا خلق الله الخلق كما في قوله تعالى {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} [فصلت 12] ؛ أي خلقهنَّ. وقال ابن عرفة قضاء الشَّيء إحكامه وإمضاؤه وإتقانه والفراغ منه، وبه سمي القاضي؛ لأنَّه إذا حكم فقد فرغ ممَّا بين الخصمين.

(كَتَبَ فِي كِتَابِهِ) أي أمر القلم أن يكتب في كتابه وهو اللوح المحفوظ، وقد تقدم في حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قريبًا [خ¦3191] (( فقال للقلم اكتب فجرى بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة ) ). قال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللَّفظ الذي قضاه، وهو

ج 14 ص 363

كقوله تعالى {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة 21] .

(فَهْوَ) أي الكتاب (عِنْدَهُ) والعنديَّة ليست مكانية، بل هي إشارةٌ إلى كمال كونه مكتوبًا مخفيًا عن الخلق مرفوعًا عن حيز إدراكهم (فَوْقَ الْعَرْشِ) قال الخطابيُّ قال بعضهم معناه دون العرش استعظامًا أن يكون شيءٌ من الخلق فوق العرش، كما في قوله {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة 26] ؛ أي فما دونها؛ أي أصغر منها. وقال بعضهم إنَّ لفظ فوق زائد، كما في قوله تعالى {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} [النساء 11] ، والمراد اثنتان فصاعدًا، إذ الثنتان ترثان الثلثين أيضًا، وفي كلٍّ منهما نظر. أمَّا الأوَّل ففيه استعمال اللَّفظ في غير موضعه، وأمَّا الثاني ففيه فساد المعنى؛ لأنَّ معناه حينئذٍ فهو عنده العرش.

وتوضيحه أنَّ دعوى الزيادة محلُّها ما إذا بقي الكلام مستقيمًا مع حذفها كما في الآية، وأمَّا في الحديث فإنَّه يبقى الكلام مع حذفها غير مستقيمٍ، إذ لا معنى لقوله فهو عنده العرش. والأحسن أن يقال أراد بالكتاب أحد شيئين، أمَّا القضاء الذي قضاه وأوجبه فمعناه فعلْمُ ذلك عند الله فوق العرش لا ينسخ ولا يبدَّل {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} [طه 52] . وأمَّا اللوح المحفوظ الذي فيه ذكر الخلائق وأحوالهم فمعناه فذكره أو علمه عنده فوق العرش ولا محذورَ في إضمار لفظ العلم، أو الذكر مع أنَّه لا محذور أن يكون كتاب فوق العرش؛ لأنَّ العرش مخلوقٌ، ولا يستحيل أن يمسَّه كتابٌ مخلوق، فإنَّ الملائكة حملة العرش، حاملوه على كواهلهم، ففيه المماسَّة.

(أَنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي) بفتح أن على أنها بدل من كتبَ، وبكسرها على أنها ابتداء كلام يحكي مضمون الكتاب، والظاهر أنَّه مفعول كتب. فإن قيل ما وجه تخصيص هذا بالذكر مع أنَّ القلم كتب كلَّ شيءٍ؟ فالجواب أنَّ فيه من الرجاء الكامل، وإظهار أنَّ رحمته وسعت كلَّ شيءٍ بخلاف غيره. وفي رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد [خ¦7422] (( سبقت ) )بدل (( غلبت ) ).

والمراد من الغضب ليس معناه اللُّغوي

ج 14 ص 364

الذي هو غليان دم القلب؛ لإرادة الانتقام فإنَّه لا يصحُّ عليه تعالى، بل معناه الغائي، وهو إرادة إيصال العقاب إلى من يقع عليه الغضب. فإن قيل صفات الله تعالى قديمة، فكيف يتصوَّر سبق بعضها على بعض؟ فالجواب أنَّ السَّبق وكذا الغلبة باعتبار التعلق، يعني أن تعلق الرحمة سابق غالب على تعلُّق الغضب؛ لأنَّ الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأمَّا الغضب فإنَّه متوقِّفٌ على سابقة عمل من العبد الحادث.

وبهذا التَّقرير رفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن كمَن يدخل النار من الموحِّدين، ثمَّ يخرج بالشَّفاعة أو غيرها، على أنَّ الرَّحمة والغضب من صفات الفعل لا من صفات الذَّات. ولا مانع من تقدُّم بعض الأفعال على بعض، فيكون الإشارة بالرحمة إلى إسكان آدم عليه السلام الجنة أوَّل ما خلق مثلًا، ومقابلها ما وقع من إخراجه منها. وعلى ذلك استمرَّت أحوال الأمم يتقدَّم عليهم التوسع في الرِّزق وغيره، ثمَّ يقع بهم العذاب على كفرهم وفسقهم.

وأمَّا ما أشكل من أمر من يعذب من الموحدين فالرَّحمة سابقةٌ في حقِّهم أيضًا، ولولا وجودها لخُلِّدوا أبدًا، فتأمَّل.

وقال الطيبيُّ سبق الرحمة إشارةٌ إلى أنَّ قِسط الخَلْق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنَّها تنالهم من غير استحقاقٍ، فالرحمة تشمل الشَّخص جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا قبل أن يصدرَ منه شيءٌ من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلَّا بعد أن يصدرَ عنه من الذُّنوب ما يستحقُّ معه ذلك، والله تعالى أعلم.

ومطابقةُ الحديث للترجمة في قوله (( لما قضى الله الخلق ) )، والحديث أخرجهُ مسلمٌ في التوبة، والنسائيُّ في النعوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت