5172 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو الفريابي، كما جزم به الإسماعيليُّ وأبو نعيم في «مستخرجيهما» ومن تبعهما، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري، وقال الكرماني ما ملخصه إنَّه يحتمل أن يكون محمد بن يوسف هو البِيْكَندي، وسفيان هو ابنُ عيينة؛ لأنَّ كلاًّ من المُحَمَّدَين روى عن السُّفيانين، ولا قدحَ في الإسناد بهذا الالتباس؛ لأنَّ كلاًّ منهما على شرط البخاري، والذي جزمَ به الإسماعيلي وأبو نُعيم الأول.
وقال البرماوي روى هذا الحديث عبد الرَّحمن بن مهدي، ووكيع، والفريابي، وروح بن عبادة عن الثَّوري.
(عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ) ومنصور هذا هو ابنُ عبد الرَّحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدَّار بن قصي بن كلاب العبدري الحجبي المكي. قال أبو حاتم صالح الحديث، وكان خاشعًا بكَّاء، قُتِلَ جدُّه الحارث كافرًا يوم أحد، قَتَلَهُ قزمان، وكذا أبوه طلحة بن أبي طلحة، ولجدِّه الأدنى طلحة بن الحارث رؤية.
وقد أغفل ذِكْرَه من صنَّفَ في الصَّحابة وهو واردٌ عليهم، ووَقَعَ في رجال البخاري للكلاباذي أنَّه منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن عمر بن عبد الرحمن التَّيمي، ووهم في ذلك كما نبَّه عليه الرَّضي الشَّاطبي.
(عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) أي ابن عثمان بن أبي طلحة، مخْتَلَفٌ في صحبتها، وكانت أحاديثُها مرسلةً. وقال الحافظُ الدِّمياطي والصَّحيح في رواية صفيَّة عن أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو الحسن انفردَ البخاريُّ بالإخراجِ
ج 22 ص 501
عن صفية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من الأحاديث التي تعد فيما أخرج من المراسيل، وقد اختلف في رؤيتها للنَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقال البرقانيُّ وصفيَّة هذه ليست بصحابيَّة؛ فحديثها مرسلٌ. وقال ومن الرُّواة من غلط فيه فقال عن منصور بن صفية، عن صفيَّة بنت حُيي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما ذكره الإسماعيلي في كتابه قال هذا غلطٌ لا شكَّ فيه.
وروى هذا الحديث أبو أحمد الزُّبيري ومؤمِّل بن إسماعيل ويحيى بن اليمان، عن الثَّوري فقالوا فيه عن صفيَّة بنت شيبة، عن عائشة رضي الله عنها قال والأوَّل أصحُّ. وقد جزم البرقاني بأنَّه إذا كان بدون ذِكْرِ عائشة رضي الله عنها يكون مرسلًا، وقد سبقَه إلى ذلك النَّسائي ثمَّ الدَّارقطني.
فإن قيل ذكر المِزِّيُّ في «الأطراف» أنَّ البخاري أخرجه في كتاب الحج عقيب حديث أبي هريرة رضي الله عنه وابن عبَّاس رضي الله عنهما في تحريم مكة، قال وقال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، قالت سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم مثله، قال ووصله ابنُ ماجه من هذا الوجه.
فالجواب أنَّه قال المزي أيضًا لو صحَّ هذا لكان صريحًا في صحبتها، لكن أبان بن صالح ضعيفٌ. وكذا ضعَّفه ابنُ عبد البر في «التمهيد» إلَّا أنَّ يحيى بن معين وأبا حاتم وأبا زُرعة وآخرين وثَّقوه.
قال الحافظُ العسقلاني ويكفي توثيقُ ابن معين ومن ذكر له، وقد روى عنه أيضًا ابن جُريج وأسامة بن زيد اللَّيثي وغيرهما، وأشهر من روى عنه محمد بن إسحاق، وقال الذَّهبي في «مختصر التهذيب» ما رأيتُ أَحَدًا ضَعَّفَ أبانَ بن صالح، وكأنَّه لم يقف على قول ابنِ عبد البر في «التمهيد» لمَّا ذَكضرَ حديث جابر في استقبالِ قاضي الحاجة القبلةَ من رواية أبان بن صالح هذا ليس صحيحًا؛ لأنَّ أبان بن صالح ضعيفٌ، كذا قال.
وكأنَّه التبس عليه بأبان بن أبي عيَّاش البصري صاحب أنس؛ فإنَّه ضعيفٌ باتِّفاق، وقد ذكر المزي أيضًا حديث صفيَّة بنت شيبة قالت (( طاف النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 22 ص 502
على بعير يستلم الركنَ بمحجنٍ وأنا أنظر إليه )) ، أخرجه أبو داود وابن ماجه.
وقال المزي وهذا يُضَعِّف قولَ من أنكرَ أن يكون لها رؤية، فإن إسنادَه حسنُ، قيل إذا ثبتت رُؤْيَتُها فما المانع أن تسمعَ خطبته في تحريم مكَّة، ولو كانت صغيرة.
(قَالَتْ أَوْلَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ) وهما نصف صاع؛ لأنَّ المدَّ رُبعَ صاع، ووقع في رواية عبد الرَّحمن بن مهدي (( بصاعين من شعير ) )، أخرجه النَّسائي والإسماعيلي من روايته، وهو وإن كان أحفظ من رواه عن الثَّوري، لكن العددَ الكثيرَ أولى بالضَّبط من الواحد، كما قال الشَّافعي في غير هذا.
قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على تعيين اسمها صريحًا، وأقرب ما تُفَسَّرُ به أم سلمة رضي الله عنها، فقد أخرج ابنُ سعد عن شيخه الواقدي بسندٍ له إلى أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت لما خطب النَّبي صلى الله عليه وسلم فذكر قصَّة تزويجه بها قالت (( فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة فإذا جرة فيها شيءٌ من شعير، فأخذتُه فطحَنْتُه ثم عَصَدْتُه في البُرْمَةِ وأخذتُ شيئًا من إِهالةٍ فأَدَمْتُه، فكان ذلك طعامَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ) ).
وأخرج ابن سعد أيضًا وأحمد بإسناد صحيحٍ إلى أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث أنَّ أم سلمة رضي الله عنها أخبرته فذكرتْ قِصَّةَ خِطْبَتِها وتزويجِها، وفيه قالت (( فأخذتُ تُفَالِي وأخرجتُ حبَّاتٍ من شعير كانت في جَرَّتي، وأخرجتُ شحمًا فعصدتُه له، ثمَّ باتَ ثمَّ أصبح ) )، الحديث. وأخرجه النَّسائي أيضًا.
وأمَّا حديث أنس المروي من طريق شريك، عن حُميد أنَّه صلى الله عليه وسلم أَوْلَم على أمِّ سلمة بتمر وسَمْنٍ وسَويق، فوَهَمٌ من شريك؛ لأنَّ كان سَيِّئ الحِفظ، أو من الراوي عنه وهو جندلُ بن وَالق، فإن مسلمًا والبزَّار ضعَّفاه، وإنَّما المحفوظ من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ ذلك في قصَّة صفية رضي الله عنها كما تقدَّم، ويحتمل أن يكون المرادُ بنسائه ما هو أعمُّ من أزواجه؛ أي من تنسب إليه من النِّساء في الجملة، فقد أخرج الطَّبراني من حديث أسماء بنت عُميس قالت لقدْ أَوْلَم علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها فما كانت وليمةٌ في ذلك الزَّمان أفضلَ من وليمتهِ رهنَ درعه عند يهودي بشطر شعيرٍ، ولا شك أنَّ المدين نصف الصاع، وكأنَّه قال بشطر صاعٍ، فتنطبقُ على القصَّة التي في الباب، وتكون نسبة الوليمة إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مجازيةً؛ إمَّا لكونه الذي وَفَّى اليهوديَّ ثمنَ شعيره، أو لغير ذلك.
ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرةٌ.