16 - (باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} ) أي ذاته كما يقال كرَّم الله وجهه، وكذا في قوله {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن 27] فالوجه يعبَّر به عن الذَّات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التَّعبير بالأشرف عن الجملة. وقال ابن بطَّال في هذه الآية والحديث دَلالةٌ على أنَّ لله وجهًا وهو من صفات ذاته، وليس بجارحةٍ ولا كالوجوهِ التي نشاهدها من المخلوقين، كما نقول إنَّه عالمٌ، ولا نقول إنَّه كالعلماء الَّذين نشاهدهم.
وقال أبو عبيدة إلَّا جاهه، واحتجَّ بقوله لفلان جاهٌ في النَّاس؛ أي وجاهةٌ، وقيل إلَّا إيَّاه ولا يجوز أن يكون وجهه غيره لاستحالة مفارقتهِ له بزمان أو مكان أو عدم أو وجود فثبتَ أنَّ له وجهًا لا كالوجوه؛ لأنَّه ليس كمثله شيءٌ.
هذا ومن جعل شيئًا يطلقُ على الباري عزَّ اسمه وهو الصَّحيح، قال هذا استثناء متَّصلٌ، ومن لم يُطلقه عليه جعله متَّصلًا أيضًا، وجعل الوجه ما عُمِلَ لأجله، أو يجعله منقطعًا؛ أي لكن هو لن يهلك.
ويجوز رفعُ «وجهه» على الصِّفة إن قُرئ به، وفُسِّر الهلاك بالعدم؛ أي إن شاء الله تعالى يعدم كلَّ شيءٍ، وفُسِّر أيضًا بإخراج الشَّيء عن كونه منتفعًا به إمَّا بالإماتة أو بتفريق الأجزاء وإن كانت باقيةً، كما يقال هلك البيوت. وقيل معنى كونه هالكًا كونه قابلًا للهلاك في ذاته. وقال مجاهدٌ {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص 88] يعني علم العلماء إذا أريد به وجه الله. انتهى.
ج 30 ص 210
وثبت لفظ «باب» في رواية أبي ذرٍّ.