فهرس الكتاب

الصفحة 10935 من 11127

7405 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال (سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) يعني إنْ ظنَّ أنِّي أعفو له وأغفر له فله ذلك، وإن ظنَّ أنِّي أعاقبه وأؤاخذه فكذلك، ويقال إن كان فيه شيءٌ من الرَّجاء رجاه؛ لأنَّه لا يرجو إلَّا مؤمنٌ بأنَّ له ربًّا يجازي، ويقال إنِّي قادرٌ على أن أعمل به ما ظنَّ أنِّي عامله به.

وقال الكرماني فيه إشارةٌ إلى ترجيح جانب الرَّجاء على الخوف، وقيَّده بعض أهل التَّحقيق بالمحتَضِر، وأمَّا قبل ذلك ففيه أقوال ثالثها الاعتدال.

وقال القرطبي في «المفهم» قيل معنى «ظنِّ عبدي بي» ظنُّ الإجابة عند الدُّعاء، وظنُّ القبول عند التَّوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظنُّ المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسُّكًا بصادق وعدهِ ويؤيِّده قوله في الحديث الآخر (( ادعوا الله وأنتم موقنونَ بالإجابة ) )فينبغي للمرء أن يجتهدَ بقيام وظائف العبادات موقنًا بأنَّ الله يقبله ويغفر له؛ لأنَّه وعدَهُ بذلك وهو لا يُخْلِفُ الميعاد، فإن اعتقدَ أو ظنَّ خلاف ذلك فهو آيسٌ من رحمة الله، وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك وَكَلَهُ إلى ظنِّه، وأمَّا ظنُّ المغفرة مع الإصرار على المعصية، فذلك محضُّ الجهل والغِرَّة.

(وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي) وهي معيَّةٌ خصوصيَّةٌ؛ أي معه بالرحمة والتَّوفيق والهداية والرِّعاية والإعانة، فهي غير المعيَّة المعلوميَّة من قوله {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد 4]

ج 30 ص 208

فإنَّ معناه المعيَّة بالعلم والإحاطة.

وقال ابن أبي جمرة معناه أنا معه بحسب ما قصد من ذكره لي، قال ثمَّ يحتمل أن يكون الذِّكر باللِّسان فقط أو بالقلب فقط أو بهما أو بامتثال الأمر واجتناب النَّهي، ثمَّ قال والَّذي تدلُّ عليه الأخبار أنَّ الذِّكر على نوعين

أحدهما مقطوعٌ لصاحبه بما تضمَّنه هذا الخبر.

والثَّاني على خطرٍ، والأوَّل يستفادُ من قوله تعالى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة 7] والثَّاني من الحديث الَّذي فيه (( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلَّا بعدًا ) )لكن إن كان في حال المعصية يذكر الله بخوفٍ ووجلٍ ممَّا هو فيه فإنَّه يُرجى له.

(فَإِنْ ذَكَرَنِي) بالتَّنزيه والتَّقديس سرًّا (فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ) بالثَّواب والرَّحمة سرًّا (فِي نَفْسِي) وقيل معناه إن ذكرني بالتَّعظيم أذكره بالإنعام (وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ) بفتح الميم واللام مهموزًا؛ أي في جماعة جهرًا (ذَكَرْتُهُ) بالثَّواب (فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ) وهم الملأ الأعلى، وهم الملائكة المقربون. وقال ابن بطَّال هذا الحديث نصٌّ من الشَّارع على أنَّ الملائكة أفضل من بني آدم، ثمَّ قال وهو مذهبُ جمهور أهل العلم، وعلى ذلك شواهد من كتاب الله تعالى منها قوله تعالى {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف 20] . ولا شكَّ أنَّ الخلود أفضلُ من الفناء، وكذلك الملائكة أفضل من بني آدم، وإلَّا فلا يصحُّ معنى الكلام.

وتعقَّبه العينيُّ [فقال] ما وافقه أحدٌ على أنَّ هذا مذهب الجمهور بل الجمهور على تفضيل البشر، وفيه الخلاف المشهور بين أهل السُّنَّة وبين المعتزلة والفلاسفة وقليلٌ من أهل السُّنَّة من أهل التَّصوُّف وبعض أهل الظَّاهر.

وأصحابنا الحنفيَّة فصَّلوا في ذلك تفصيلًا حسنًا وهو أنَّ خواصَّ بني آدم أفضلُ من خواص الملائكة، وعوام بني آدم أفضل من عوامهم وخواصُّ الملائكة أفضل من عوام بني آدم.

واستدلالهم بهذا الحديث على تفضيل الملائكة لا يتمُّ لاحتمال أن يكون المراد بالملأ الَّذين خير من ملأ الذَّاكرين الأنبياءُ والشَّهداء، فإنَّهم أحياء عند ربِّهم فلم ينحصر ذلك في الملائكة. وأجاب بعض أهل السُّنَّة وهو أقوى من الأوَّل بأنَّ الخيريَّة إنَّما حصلت بالذاكر والملأ معًا، فالجانب الَّذي فيه ربُّ العزَّة خيرٌ من الجانب الَّذي ليس هو فيه بلا ارتيابٍ، فالخيريَّة حصلت بالنِّسبة للمجموع على المجموع.

قال الحافظُ العسقلاني وهذا الجواب ظهرَ لي وظننتُ أنَّه مبتكرٌ، ثمَّ رأيته في كلام القاضي كمال الدين بن الزملكاني في الجزء الَّذي جمعه في الرَّفيق الأعلى فقال إنَّ الله تعالى قابل ذكر العبد في نفسه بذكره له في نفسه، وقابل ذكر العبد في الملأ بذكره له في الملأ، فإنَّما صار الذِّكر في الملأ الثَّاني خيرًا من الذِّكر في الأوَّل؛ لأنَّ الله هو الذَّاكر فيهم.

وقد أطال الحافظ العسقلاني الكلام في السُّؤال والجواب من طرف المعتزلة وأهل السُّنَّة، بقي أنَّ من الذين فضَّلوا الملائكة على البشر من خصَّه بالأنبياء منهم، ومنهم من فضَّلهم على غير الأنبياء، ومنهم من فضَّلهم على الأنبياء أيضًا إلَّا على نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم.

(وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (بِشِبْرٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بإسقاط الخافض والنصب؛ أي مقدار شبرٍ (تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا) أي مقدار ذراع (وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا) بكسر الذال؛

ج 30 ص 209

أي بقدر ذراعٍ (تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي (بَاعًا) أي بقدر باعٍ، وهو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره (وَإِنْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) أي إتيان هرولةٍ، والهرولة الإسراع ونوع من العَدْوِ؛ يعني من تقرَّب إليَّ بطاعةٍ قليلةٍ جازيته بمثوبةٍ كثيرةٍ، وكلَّما زاد في الطَّاعة زدتُ في ثوابه، وإن كان كيفيَّة إتيانه بالطَّاعة على التَّأنِّي فإتياني الثَّواب [1] له على السُّرعة، وأمثال هذه الإطلاقات من التَّقرُّب والإتيان والهرولة على الله تعالى ليست إلَّا على سبيل التَّجوُّز والاستعارة، أو على سبيل المشاكلة أو على قصدِ إرادة لوازمها إذ البراهين العقليَّة القاطعة قائمةٌ على استحالتها على الله تعالى، والغرض أنَّ الثَّواب راجحٌ على العملِ يضاعف عليه كمًّا وكيفًا.

وفي الحديث جوازُ إطلاق النَّفس على الذَّات فإطلاقه في الكتاب والسُّنَّة إذنٌ شرعيٌّ فيه، والحديث من الأحاديث القدسيَّة الدَّالَّة على كرم أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.

ومطابقته للتَّرجمة في قوله (( في نفسي ) )والحديث من أفراده.

[1] في هامش الأصل في نسخة فإتياني بالثواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت