78 - (باب غَزْوَةُ تَبُوكَ) تَبُوْك _ بفتح المثناة الفوقية وضم الموحدة وسكون الواو وآخره كاف _، والمشهورُ فيه عدم الصَّرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أرادَ الموضع، وقد جاء في البخاري (( حتَّى بلغ تبوكًا ) )تغليبًا للموضع، قيل سُمِّيت تبوك بالعين التي أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم النَّاس أن لا يمسوا من مائها شيئًا فسبق إليها رجلان، وهي تَبضُّ بشيءٍ من ماءٍ فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها، فقال لهما
ج 18 ص 488
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم_فيما قال القتبي_ (( ما زلتمَا تبوكانها منذ اليوم ) )فبذلك سُمِّيت العين تبوك، والبَوْك كالنِّقش والحفر في الشَّيء.
وذكرها في «المحكم» في الثُّلاثي الصَّحيح، وقول ابن قتيبة يقتضِي أنَّها من المعتل كما ترى، والحديث المذكور عند مالك ومسلم بغير هذا اللَّفظ أخرجاه من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّهم خرجوا في عام تبوك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( إنَّكم ستأتون غدًا إن شاء الله تعالى عين تبوك، وإنَّكم لن تأتوا حتَّى يُضحي النَّهار، فمن جاءها فلا يمسَّ من مائها شيئًا، حتَّى آتي فجئناها وقد سبقَ إليها رجلان ) )والعين مثل الشِّراك تبضُّ بشيءٍ من ماء.
فذكر الحديث في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ويديهِ بشيءٍ من مائها، ثمَّ أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى النَّاس، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها تبوك قبل أن يأتيها. وفي رواية ابن إسحاق (( فقال _ يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم _ من سبق إليها؟ قالوا يا رسول الله فلان وفلان ) ).
وفي رواية الواقدي (( سبقَه إليها أربعة من المنافقين معتِّب بن قُشير والحارث بن يزيد الطَّائي ووديعة بن ثابت وزيد بن لُصَيت ) ). وبينها وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة.
وقال الكرماني تبوك موضعٌ بالشَّام، وفيه نظرٌ لأنَّ أهل تقويم البلدان، قالوا تبوك بليدةٌ بين الحجر والشَّام وبها عين ونخيل، وقيل كان أصحابُ الأيكةِ بها.
وهذه الغزوة آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسهِ، وكانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجَّة الوداع بلا خلاف.
وعند ابنِ عائذ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّها كانت بعد الطَّائف بستَّة أشهر، وهو موافقٌ لقول من قال في رجبٍ إذا حذفنا الكسور؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قد دخلَ المدينة من رجوعهِ من الطَّائف في ذي الحجَّة.
وكان السَّبب فيها ما ذكرهُ ابن سعد وشيخه وغيره قالوا بلغَ المسلمين من الأنباطِ الذين يقدمون بالزَّيت من الشَّام إلى المدينة
ج 18 ص 489
أنَّ الروم جمعت جموعًا كثيرةً بالشام، وأنَّ هرقل قد رزق أصحابه لسنَةٍ، وأجلبتْ معهم لَخمٌ وجُذام وعاملة وغسان وغيرهم من متنصرة العرب، وقدم مقدِّمتهم إلى البلقاء فندب النَّبي صلى الله عليه وسلم النَّاس إلى الخروج وأعلمهم بجهة غزوهم ليتأهبوا لذلك، وذلك في حرٍّ شديدٍ، واستخلفَ على المدينة محمَّد بن مسلمة.
قال الحافظُ العسقلاني وهو أثبتُ عندنا، وقال ابن عمر الأثبتُ عندنا عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فخرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب سنة تسع يوم الخميس، فلمَّا سار تخلَّفَ ابنُ أبي ومن كان معه، فقدم صلى الله عليه وسلم تبوكَ في ثلاثين ألفًا من النَّاس، وكانت الخيلُ عشرة آلاف، وأقام بها عشرين يومًا يقصر الصَّلاة، ولحقَه بها أبو ذرٍّ وأبو خيثمة، ثمَّ انصرفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدًا، وقدم المدينة في شهر رمضان سنة تسع.
وقال ابنُ الأثير في كتاب «الصَّحابة» عن أبي زُرعة الرَّازي شهد معه تبوك أربعون ألفًا، وفي كتاب الحاكم عن أبي زرعة سبعون ألفًا، ويجوز أن يكون عد مرَّة المتبوع، ومرَّة التابع والمتبوع.
وروى الطَّبراني من حديث عمران بن حُصين رضي الله عنه قال (( كانت نصارى العرب كتبتْ إلى هرقل أنَّ هذا الرَّجل الذي خرج يدَّعي النُّبوة هلكَ، وأصابتهم سنون فهلكتْ أموالهم، فبعث رجلًا من عُظمائهم يُقال له قُبَاذ، وجَهَّز معه أربعين ألفًا، فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن للنَّاس قوَّة، وكان عثمان رضي الله عنه قد جهَّز عيرًا إلى الشام، فقال يا رسول الله، هذه مائتا بعيرٍ بأقتابها وأحلاسِها ومائتا أوقية قال فسمعتُه صلى الله عليه وسلم يقول لا يضرُّ عثمان ما عملَ بعدها ) ). وأخرجه الترمذيُّ والحاكم من حديث عبد الرَّحمن بن حبَّان نحوه.
وذكر أبو سعد في «شرف المصطفى» ، والبيهقي في «الدلائل»
ج 18 ص 490
من طريق شَهْرِ بن حَوْشب عن عبد الرَّحمن بن غنم أنَّ اليهود، قالوا يا أبا القاسم، إن كنتَ صادقًا فالحقْ بالشام، فإنها أرضُ المحشرِ وأرضُ الأنبياء، فَصَدَّق ما قالوا، فغزا تبوك لا يريد إلَّا الشام، فلمَّا بلغَ تبوك أنزلَ الله تعالى عليه آيات من سورة بني إسرائيل {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} إلى قوله تعالى {تَحْوِيلًا} [الإسراء 76 - 77] .
وأمره تعالى بالرجوع إلى المدينة، وقال فيها محياك ومماتك، ومنها تُبعث الحديث، وإسنادُه حسنُ مع كونه مرسلًا، ثمَّ إنَّ البخاري رحمه الله تعالى أورد هذه التَّرجمة بعد حجَّة الوداع.
قال الحافظُ العسقلاني وهو خطأٌ وما أظنُّ ذلك إلَّا من النُّساخ، فإن غزوة تبوك، كما سبق آنفًا كانت في شهر رجبٍ من سنة تسعٍ قبل حجَّة الوداع بلا خلافٍ، والله تعالى أعلم.
(وَهْيَ) أي غزوة تبوك (غَزْوَةُ الْعُسْرَةِ) بضم العين وسكون السين المهملتين، مأخوذٌ من قوله تعالى {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة 117] وفي أوَّل أحاديث الباب [خ¦4415] قول أبي موسى رضي الله عنه في جيش العسرة، «وهي غزوةُ تبوك» .
وروى ابنُ خُزيمة من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قيل لعمر رضي الله عنه حدِّثنا عن شأن ساعة العُسْرة قال (( خرجنَا إلى تبوك في قَيْظٍ شديدٍ، فأصابنا عطش ) )الحديث. وفي «تفسير عبد الرَّزَّاق» عن معمر عن ابن عقيل قال خرجوا في قلَّة من الظَّهر، وفي حرٍّ شديد حتَّى كانوا ينحرون البعير، فيشربون ما في كرشه من الماء، فكان ذلك عُسْرة في الماء، وفي الظَّهر، وفي النَّفقة، فسُمِّيت غزوة العُسْرة.