وقال الفقهاء الخوارجُ غير الباغية، وهم الَّذين خالفوا الإمام بتأويلٍ باطلٍ ظنًا، والخوارج خالفوا لا بتأويل، أو بتأويلٍ باطل قطعًا، والمشهور أنَّهم قومٌ مبتدعون، وأصل بدعتهم فيما حكاه الرَّافعي في الشَّرح الكبير أنَّهم خرجوا على عليٍّ رضي الله عنه حيث اعتقدوا أنَّه يعرفُ قَتَلة عثمان رضي الله عنه ويقدر عليهم ولا يقتصُّ منهم لرضاه بقتلهِ أو مواطأته إيَّاهم، كذا قال، وهو خلافُ ما أطبقَ عليه أهل الأخبار، فإنَّه لا نزاعَ عندهم أنَّ الخوارجَ لم يطلبوا بدمِ عثمان بل كانوا ينكرون عليه أشياءَ ويتبرؤون منه.
وأصل ذلك أنَّ بعضَ أهل العراق أنكرَ سيرة بعضِ أقارب عثمان، فطعنوا على عثمان بذلك وكان يقال لهم القرَّاء لشدَّة اجتهادهم في التِّلاوة والعبادة إلَّا أنَّهم كانوا يتأوَّلون القرآن على غير المراد منه، ويستبدُّون بآرائهم ويتنطّعون في الزُّهد والخشوع وغير ذلك، فلمَّا قُتل عثمان رضي الله عنه قاتلوا مع عليٍّ رضي الله عنه، واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة عليٍّ رضي الله عنه.
وكفر مَن قاتله من أهل الجَمَل الَّذين كان رئيسهم طلحة والزُّبير رضي الله عنهما، فإنَّهما خرجا إلى مكَّة بعد أن بايعا عليًّا رضي الله عنه، فلقيا عائشة رضي الله عنها وكانت حجَّت تلك السَّنة فاتَّفقوا على طلب قتلة عثمان، وخرجوا إلى البصرة يدعون النَّاس إلى ذلك، فبلغ عليًّا رضي الله عنه
ج 29 ص 32
فخرجَ إليهم فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة، وانتصر عليٌّ رضي الله عنه وقُتل طلحة رضي الله عنه في المعركة، وقُتل الزُّبير رضي الله عنه بعد أن انصرفَ من الوقعة، فهذه الطَّائفة هي الَّتي تطلبُ بدمِ عثمان رضي الله عنه بالاتِّفاق.
ثمَّ قام معاوية بالشَّام في مثل ذلك وكان أميرَ الشَّام إذ ذاك، وكان عليٌّ رضي الله عنه أرسلَ إليه لأنَّ يبايع له أهل الشَّام فاعتلَّ بأنَّ عثمان قتل مظلومًا وتجبُ المبادرة إلى الاقتصاص من قتلتهِ وأنَّه أقوى النَّاس على الطَّلب بذلك ويلتمسُ من عليٍّ أن يُمكِّنه منهم، ثمَّ يبايع له بعد ذلك وعليٌّ رضي الله عنه يقول ادخل فيما دخل فيه النَّاس وحاكمهم؛ أي احكم فيهم بالحقِّ، فلمَّا طالَ الأمر خرج عليٌّ في أهل العراق طالبًا قتال أهل الشَّام فخرجَ معاوية في أهل الشَّام قاصدًا إلى قتاله فالتقيا بصِفّين، فدامت الحرب بينهم شهرًا وكاد أهل الشَّام أن ينكسروا فرفعوا المصاحف على الرِّماح ونادوا ندعوكُم إلى كتاب الله تعالى، وكان ذلك بإشارة عَمرو بن العاص هو ومعاوية فترك جَمْعٌ كثير ممَّن كان مع عليٍّ وخصوصًا القرَّاء القتالَ بسبب ذلك تديّنًا، واحتجُّوا بقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} [آل عمران 23] الآيةَ، فراسلوا أهل الشَّام في ذلك فقالوا ابعثوا حكمًا منكم وحكمًا منَّا ويحضر معهما من لم يباشر القتال، فمن رأوا الحقَّ أطاعوه، فأجاب عليٌّ ومن معَه إلى ذلك، وأنكرت ذلك تلك الطَّائفة الَّتي صاروا خوارج، وكتب عليٌّ بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشَّام، هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين عليّ معاوية.
فامتنع أهل الشَّام من ذلك وقالوا اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب إلى ذلك فأنكره عليه الخوارج أيضًا، ثمَّ انفصل الفريقان على أن يحضرَ الحكمان ومن معهما بعد مدَّة عيَّنوها في مكانٍ وسطٍ بين الشَّام والعراق ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقعَ الحكم، فرجعَ معاوية إلى الشَّام، ورجع عليٌّ إلى الكوفة، ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف، وقيل كانوا أكثر من عشرة آلافٍ، وقيل
ج 29 ص 33
ستَّة آلافٍ ونزلوا مكانًا يقال له حَرُورا _ بفتح المهملة وضم الراء الأولى _ وهو موضعٌ قريب من الكوفة، وكان أوَّل مجتمعهم وتحكيمهم فيها، ومن ثمَّة قيل لهم الحروريَّة وكان رئيسُهم عبدَ الله بن الكَوَّاء _ بكاف مفتوحة وتشديد الواو مع المدّ _ اليَشكريّ، وشَبَث _ بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة _ التَّميميّ، فأرسل عليٌّ رضي الله عنه ابنَ عبَّاس رضي الله عنهما فناظَرَهم فرجعَ كثيرٌ منهم معه، ثمَّ خرج إليهم عليٌّ فأطاعوه، ودخلوا معه الكوفة.
ومنهم رئيساهم المذكوران ثمَّ أشاعوا أنَّ عليًّا تابَ من الحكومة، ولذلك رجعوا معه، فبلغَ ذلك عليًّا فخطب وأنكر ذلك، فتنادَوا من جوانب المسجد لا حُكْمَ إلَّا لله، فقال كلمةُ حقٍّ يراد بها باطل، فقال لهم لكم علينا ثلاث أن لا نمنعكُم من المساجد، ولا مِن رزقكُم من الفيء، ولا نبدؤكم ما لم تحدثوا فسادًا.
وخرجوا شيئًا بعد شيءٍ إلى أن اجتمعوا بالمدائن فراسلهم عليٌّ في الرُّجوع وأصرُّوا على الامتناع حتَّى يشهدَ على نفسه بالكفر لرضاه بالتَّحكيم ويتوب، ثمَّ راسلهم أيضًا، فأرادوا قتل رسوله، ثمَّ اجتمعوا على أنَّ من لا يعتقد معتقدَهُم يكفرُ ويباح دمُه ومالُه وأهلُه، وانتقلوا إلى القتلِ واستعرضوا النَّاس فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين.
ومرَّ بهم عبد الله بن خباب [بن] الأرت وكان واليًا لعليٍّ على تلك البلاد ومعه سرّيته وهي حاملٌ فقتلوه وبقروا بطن سرّيته عن ولدٍ ميّت، فبلغ عليًّا فخرج إليهم في الجيش الَّذي هيَّأه للخروج إلى الشَّام، فأوقع بهم بالنَّهروان ولم ينج منهم إلَّا دون العشرة ولا قتل ممَّن معه إلَّا نحو العشرة، فهذا ملخَّص أوَّل أمرهم.
ثمَّ انضمَّ إلى من بقيَ منهم مَنْ مَالَ إلى رأيهم، وكانوا مختفين في خلافة عليٍّ رضي الله عنه، كان منهم عبد الرَّحمن بن ملجم الَّذي قتل عليًّا بعد أن دخلَ عليٌّ في صلاة الصُّبح، ثمَّ لمَّا وقع صلح الحسن ومعاوية رضي الله عنهما ثارت منهم طائفةٌ فأوقعَ بهم عسكر الشَّام بمكانٍ يقال له النَّخيلة، ثمَّ كانوا منقمعين في ولاية زياد وابنه عُبيد الله على العراق طول مدَّة معاوية وولده يزيدَ،
ج 29 ص 34
وظفر زيادٌ وابنه منهم بجماعةٍ وأبادهم بين قتلٍ وحبسٍ طويل، فلمَّا مات يزيدُ ووقع الافتراق وولي الخلافةَ عبدُ الله بنُ الزُّبير رضي الله عنهما وأطاعه أهلُ الأمصار إلَّا بعضَ أهل الشَّام، فثار مروان وادَّعى الخلافة، وغلبَ على جميع الشَّام ثمَّ مصر، فظهر الخوارج حينئذٍ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نجدة بن عامر، وزاد نجدة على معتقد الخوارج أنَّ من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافرٌ، ولو اعتقد معتقدَهُم، وعظم البلاء بهم، وتوسَّعوا في معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجمَ المحصن وقطعوا يد السَّارق من الإبطِ، وأوجبوا الصَّلاة على الحائض في حال حيضها، وكفّروا من ترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرًا فقد ارتكب كبيرةً، وحُكمُ مرتكب الكبيرة عندهم حُكمُ الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذِّمَّة وعن التَّعرض لهم مطلقًا، وقضوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسَّبي والنَّهب.
فمنهم من يفعل ذلك مطلقًا بغير دعوى، ومنهم من يدعو أولًا ثمَّ يقتل، ولم يزل البلاءُ بهم يزيد إلى أنَّ أمر المهلب بن أبي صُفرة على قتالهم فطاولهم حتَّى ظفرَ بهم وتقلَّل جمعهم، ثمَّ لم يزل منهم بقايا في طول المدَّة الأمويَّة وصدر الدَّولة العبَّاسية، ودخلت طائفة منهم المغرب.
وقد صنَّف في أخبارهم أبو مِخْنَف _ بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء _ واسمه لوط بن يحيى كتابًا لخَّصه الطَّبريّ في «تاريخه» ، وصنَّف في أخبارهم أيضًا الهيثمُ بنُ عَدِيّ كتبًا، ومحمَّدُ بنُ قدامة الجوهريّ أحدُ شيوخ البخاريّ، وصنَّف البخاريُّ خارج الصَّحيح كتابًا كبيرًا، وجمع أخبارهم أبو العبَّاس المبرّد في «الكامل» لكن بغير أسانيد؛ بخلاف المذكورين قبله.
قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ الخوارج صنفان
أحدهما يزعم أنَّ عثمانَ وعليًّا وأصحابَ الجَمَل وصِفّين وكلَّ مَن رضي بالتَّحكيم كفَّار.
والآخر يزعم أنَّ كلَّ من أتى كبيرةً فهو كافرٌ مخلدٌ في النَّار أبدًا.
وقال غيره بل الصِّنف الأول مفرّعٌ عن الصِّنف الثَّاني؛ لأنَّ الحاملَ لهم على تكفير أولئك كونُهم أذنبوا فيما فعلوا بزعمهم، وقال ابنُ حزم ذهب نجدةُ بن عامر من الخوارج
ج 29 ص 35
إلى أنَّ من أتى صغيرة عذّب بغير النَّار، ومن أدمن على صغيرةٍ فهو كمَن ارتكب كبيرةً في التَّخليد في النَّار.
وذكر أنَّ منهم من غلا في معتقدهِم الفاسد فأنكر الصَّلوات الخمس، وقال الواجب صلاة بالغدو وصلاة بالعشي، ومنهم من جوَّز نكاحَ بنت الابن وبنت ابن الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن، وأنَّ من قال لا إله إلَّا الله، فهو مؤمنٌ عند الله ولو اعتقد بقلبهِ الكفر.
وقال أبو منصور البغداديّ في (( المقالات ) )عِدَةُ فرق الخوارج عشرون فرقةً، وقال ابن حزم أسوؤهم حالًا الغُلاة المذكورون، وأقربُهم إلى قول الحقِّ الإباضيّة، وقد بقيت منهم بقيَّة بالمغرب.
وقال الجوهري الإباضيَّة فرقةٌ من الخوارج أصحاب عبد الله بن إِبَاض التَّيمي _ بكسر الهمزة وتخفيف الموحدة وبالضاد المعجمة _ وهو في الأصل الحبل الَّذي يشدُّ به رسغ البعير إلى عضده حتَّى ترتفعَ يده عن الأرض، وقد وردت بما ذكر من أصل حال الخوارج أخبار جياد، منها ما أخرجه عبد الرَّزاق.
وأخرجه الطَّبريّ من طريق يونس عن الزُّهريّ قال لمَّا نشر أهل الشَّام المصاحف بمشورة عَمرو بن العاص رضي الله عنه حين كاد أهل العراق أن يغلبوهم هاب أهل العراق ذلك إلى أن آل الأمر إلى التَّحكيم ورجع كلٌّ إلى بلده إلى أنِ اجتمع الحكمان في العام المقبل بدومة الجندل وافترقا عن غير شيءٍ، فلمَّا رجعوا خالفت الحَروريّة عليًّا رضي الله عنه، وقالوا لا حُكْمَ إلَّا لله.
وأخرج ابنُ أبي شيبة من طريق رَزِين قال لمَّا وَقَع الرضا بالتَّحكيم ورجع عليٌّ إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء فبعث إليهم علي عبدَ الله بن عبَّاس رضي الله عنه فناظرهم، فلمَّا رجعوا جاء رجلٌ إلى عليٍّ رضي الله عنه فقال إنَّهم يتحدَّثون أنَّك أقررت لهم بالكفر لرضاك بالتَّحكيم، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد لا حُكمَ إلَّا لله.
ومن وجهٍ آخر أنَّ رُؤوسهم حينئذٍ الَّذين اجتمعوا بالنَّهروان عبد الله بن وهب الرَّاسبيّ،
ج 29 ص 36
وزيد بن حصينٍ الطَّائيّ، وحرقوص بن زهير السَّعديّ، فاتَّفقوا على تأمير عبد الله بن وهب، وسيأتي زيادة على ذلك في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى.
وقال الغزاليّ في «الوسيط» تبعًا لغيره في حكم الخوارج وجهان
أحدهما أنَّه كحكم أهل الرِّدة، والثَّاني أنَّه كحكم أهل البغي، ورجح الرَّافعي الأوَّل، وليس الَّذي قاله مطّردًا في كلِّ خارجيّ، فإنَّهم على قسمين
أحدهما من تقدَّم ذكره، والثَّاني مَن خرج في طلب المُلك لا للدُّعاء إلى معتقدهِ، وهم على قسمين أيضًا قسمٌ خرجوا غضبًا للدِّين من أجل جَورِ الوُلاة وتَرْكِ عملهم بالسِّيرة النَّبويّة، فهؤلاء أهل الحقِّ، ومنهم الحسينُ بن عليٍّ رضي الله عنهما، وأهلُ المدينة في الحرَّة، والقرَّاءُ الَّذين خرجوا على الحَجَّاج. وقسمٌ خرجوا لطلب المُلْك فقط سواء كانت لهم فيه شبهةٌ أم لا وهم البُغاة، وسيأتي حكمهم في كتاب الفتن، وبالله التَّوفيق.
(وَالْمُلْحِدِينَ) أي وقتل الملحدين، جَمْعُ ملحدٍ، وهو العادل عن الحقِّ المائل إلى الباطل (بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ) بإظهار بطلان دَلائلهم، يشير البخاريُّ بذلك إلى أنَّه لا يجبُ قتال خارجيّ ولا غيرِه إلَّا بعد الإعذار عليه ودعوته إلى الحقِّ وتبيين ما التبسَ عليه، فإن أبى من الرُّجوع إلى الحقِّ وجب قتاله بدليل الآية الَّتي ذكرها.
(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بجرِّ (قولِ) عطفًا على المجرور السَّابق، وبالرَّفع على الاستئناف ( {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة 115] ) أي ما أمر الله باتِّقائه واجتنابه ممَّا نهى عنه، وبين أنَّه محظورٌ؛ أي لا يؤاخذ به عباده الَّذين هداهُم للإسلام ولا يخذلهم، إلَّا إذا أقدموا عليه بعد بيان خطره وعلمهم بأنَّه واجب الاجتناب، وأمَّا قبل العلم والبيان فلا.
أشار البخاريُّ بهذه الآية الكريمة إلى أنَّ قتال الخوارج والملحدين لا يجب إلَّا بعد إقامة الحجَّة عليهم وإظهار بطلان دَلالتهم، والدَّليل عليه هذه الآية؛ لأنَّها تدلُّ على أنَّ الله لا يؤاخذ عبيده حتَّى يبيِّن لهم ما يأتون وما يذرون، وهكذا فسَّرها الضَّحاك.
وقال مقاتل والكلبيّ لمَّا أنزلَ الله
ج 29 ص 37
الفرائض فعمل بها النَّاس جاء ما نسخها من القرآن، وقد مات ناسٌ وهم كانوا يعملون الأمر الأوَّل من القِبلة والخمر وأشباه ذلك، فسألوا عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا} [التوبة 115] الآية، يعني وما كان الله ليبطل عمل قومٍ عملوا بالمنسوخِ حتَّى يبيِّن لهم النَّاسخ.
وقال الثَّعلبي أي ما كان الله ليحُكم عليهم بالضَّلال بعد استغفارهِم للمشركين قبل أن يُقدّمَ إليهم بالنَّهي؛ أي ما كان الله ليوقع الضَّلالة في قلوبهم بعد الهدى حتَّى يبيِّن لهم ما يتَّقون؛ أي ما يخافونه ويتركونه.
وقال الزُّمخشري المراد بما يتَّقون ما يجب اتِّقاؤه للنَّهي، وقال وفي هذه الآية شديدةٌ ما ينبغي أن يُغْفَلَ عنها، وهي أنَّ المهديَّ للإسلام إذا أقدمَ على بعض محظوراتِ الله داخلٌ في حكم الإضلال.
قال الطِّيبيّ وفي هذه شديدةٌ؛ أي خصلة أو بليَّة أو قارعة أو داهية، حذف الموصوف لشدَّة الأمر وفظاعته؛ يعني في الآية تهديدٌ عظيمٌ للعلماء الَّذين يقدمونَ على المناكيرِ على سبيلِ الإدماج [1] ، وتسميتهم ضلالًا من بابِ التَّغليظ.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يَرَاهُمْ) أي الخوارج (شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ) أي المسلمين؛ لأنَّ الكفَّار لا يؤولون كتاب الله (وَقَالَ إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ، فَجَعَلُوهَا) أي أوَّلوها وصيَّروها (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) وصله الطَّبريّ في مسنده من (( تهذيب الآثار ) )من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنَّه سأل نافعًا كيف كان رأي ابن عمر رضي الله عنهما في الحرورية؟ قال كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفَّار فجعلوها في المؤمنين. وسنده صحيحٌ.
وقد ثبت في الحديث الصَّحيح المرفوع عند مسلمٍ من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه في وصف الخوارج هم شرُّ الخلق والخليقة. وعند أحمد بسندٍ جيِّدٍ عن أنس مرفوعًا مثله. وعند البزَّار من طريق الشَّعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 29 ص 38
الخوارج فقال (( هم شرارُ أمَّتي يقتلهم خيارُ أمَّتي ) ). وفي حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه عند أحمد (( هم شرُّ البريَّة ) )، وفي حديث عبد الله بن أبي رافع عن عليٍّ رضي الله عنه عند مسلم (( من أبغض خلقَ الله إليه ) )، وفي حديث عبد الله بن خبَّاب؛ يعني عن أبيه _ عند الطَّبراني _ (( شرُّ خلقٍ أظلَّتهم السَّماء وأقلَّتهم الأرض ) ).
وفي «التَّوضيح» عن كتاب الإسفرائينيّ كان عبد الله بن عمر وابن عبَّاس وابن أبي أوفى وجابر وأنس بن مالك وأبو هريرة وعقبة بن عامر وأقرانهم رضي الله عنهم يوصون إلى أخلافهم بأن لا يسلموا على القدريَّة ولا يعودوهُم ولا يُصلّوا خلفهم، ولا يُصلّوا عليهم إذا ماتوا، انتهى.
يعني أنَّهم كانوا يكرهون القدريَّة ويرونهم من الشِّرار.
[1] الإدماج أن يدمج المتكلم غرضًا له ضمن معنى قد نحاه من جملة المعاني ليوهم السامع أنه لم يقصده.