فهرس الكتاب

الصفحة 10279 من 11127

6930 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة وتخفيف التحتية وبعد الألف مثلثة، قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، قال (حَدَّثَنَا خَيْثَمَةُ) بفتح الخاء المعجمة والمثلثة بينهما تحتية ساكنة، هو ابنُ عبد الرَّحمن بن أبي سَبْرة _ بفتح المهملة وسكون الموحّدة _ الجعفيّ، من كبار التَّابعين، لأبيه وجدِّه صحبةٌ ولم يصرِّح بالتَّحديث فيه إلَّا حفصُ بن غياث، فقد أخرجه مسلمٌ من رواية وكيع وعيسى بن يونس والثَّوريّ وجرير وأبي معاوية.

وتقدَّم في علامات النُّبوة [خ¦3611] ، وفضائل القرآن [خ¦5057] من رواية سفيان الثَّوري، وهو عند أبي داود والنَّسائي من رواية الثَّوري أيضًا، وعند أبي عَوَانة من رواية يعلى بن عُبيد، وعند الطَّبرانيّ أيضًا من رواية يحيى بن عيسى الرَّمليّ وعليّ بن هاشم، كلُّهم عن الأعمش بالعنعنة، وذكر الإسماعيليّ أنَّ عيسى بن يونس زاد به رجلًا فقال عن الأعمش حدَّثني عَمرو بن مرَّة عن خيثمة.

قال الحافظ العَسقلاني ولم أر في رواية عيسى عند مسلمٍ ذكر عَمرو بن مرَّة، وهو من المزيد في متَّصل الأسانيد؛ لأنَّ أبا معاوية هو الميزان في حديث الأعمش.

(حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ) بفتح الغين المعجمة والفاء واللام، الجعفيّ،

ج 29 ص 39

من كبار التَّابعين ومن المخضرمين، عاش مائة وثلاثين سنةً، وقيل إنَّ له صحبةً (قَالَ عَلِيٌّ) أي ابن أبي طالب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفيه لفظ (قال) آخر مقدّر، تقديره قال قال عليّ؛ أي قال سويد بن غفلة قال عليّ، وقد مضى في أواخر (( فضائل القرآن ) ) [خ¦5057] من رواية الثَّوري عن الأعمش بهذا السَّند قال قال عليٌّ، وعند النَّسائي من هذا الوجه عن عليٍّ.

قال الدَّارقطني لم يصحَّ لسويد بن غفلة عن عليٍّ مرفوع إلَّا هذا، وقيل وما له عنه في الكتب السِّتّة ولا عند أحمد وغيرِه، وله في «المستدرك» من طريق الشَّعبيّ عنه قال (( خطب علي بنت أبي جهل ) )، أخرجه من طريق أحمد عن يحيى بن أبي زائدة عن زكريّا عن الشَّعبيّ، وسنده جيِّدٌ، لكنَّه مرسلٌ لم يقل فيه عن علي.

(إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَخِرَّ) بفتح الهمزة وكسر الخاء والرَّاء المشدَّدة؛ أي أَسقط (مِنَ السَّمَاءِ) أي إلى الأرض، كما هو في رواية أبي معاوية والثَّوري عن أحمد (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية يحيى بن عيسى سبب هذا الكلام، فأوَّل الحديث عنده عن سويد بن غفلة قال (( كان عليٌّ يمرُّ بالنَّهر أو بالسَّاقية فيقول صدق الله ورسوله، فقلنا يا أمير المؤمنين، ما تزال تقول هذا؟ قال إذا حدثتكم ... إلى آخره ) ).

وكأنَّ عليًّا رضي الله عنه كان في حال المحاربة يقول هذا إذا وقع له أمرٌ يوهم أنَّ عنده في ذلك أثرٌ، فخشي في هذه القصَّة أن يَظنُّوا أنَّ ذلك من ذلك القَبيل، فأوضح أنَّ عنده في هذه القصَّة نصًّا صريحًا، وبيَّن لهم أنَّه إذا حَدّث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يَكني ولا يُعَرّض ولا يُوَرّي، وإذا لم يحدّث عنه فعل ذلك، ليخدع بذلك من يحاربه، ولذلك استدلَّ بقوله إنَّ الحرب خَدْعةٌ، فقال (وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ) بتثليث الخاء المعجمة، يعني أنَّه يجوز فيه التَّورية والكناية والتَّعريض؛ بخلاف التَّحديث عنه صلى الله عليه وسلم. وفي رواية يحيى بن عيسى (( فإنَّما الحرب خدعةٌ ) )، وقد تقدَّم في كتاب الجهاد [خ¦3029] (( إنَّ هذا _ أعني الحرب _ خدعةٌ ) )حديثٌ مرفوعٌ.

(وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) كذا وقع في هذه الرِّواية، وفي حديث أبي برزة عند النَّسائي (( يخرج في آخر الزَّمان قومٌ ) ).

قال الحافظ العَسقلاني وهذا يخالفُ حديث أبي سعيدٍ المذكور في الباب بعده، فإنَّ مقتضاه أنّهم خرجوا في خلافة عليٍّ رضي الله عنه، وكذا أكثر الأحاديث الواردة في أمرهم.

وأجاب ابن التِّين السَّفاقسيّ بأنَّ المراد زمان الصَّحابة رضي الله عنهم، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ آخر زمان الصَّحابة كان على رأس المائة وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنةً، ويمكن الجمع بأنَّ المراد بآخر الزَّمان آخر

ج 29 ص 40

زمان خلافة النُّبوّة، فإنَّ في آخر حديث سفينة المخرج في «السُّنن» و «صحيح ابن حبَّان» وغيره مرفوعًا (( الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمَّ تصير ملكًا ) )، وكانت قصَّة الخوارج وقتلهم بالنَّهروان في أواخر خلافة عليٍّ رضي الله عنه سنة ثمانٍ وثلاثين بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم بدون الثَّلاثين بنحو سنتين. انتهى.

وقال العينيُّ يسقط السُّؤال من الأول إن قلنا بتعدُّد خروجهم، وقد وقع خروجهم مرارًا.

(حُدَّاثُ الأَسْنَانِ) بضم الحاء المهملة وتشديد الدّال المهملة وبعد الألف مثلثة، هكذا في رواية المستملي والسَّرخسيّ. قال في «المطالع» معناه شباب، جَمْعُ حديث السِّن، وفي أكثر الرِّوايات جمع حَدَث _ بفتحتين _ وهو الصَّغير السِّن، وقال ابنُ الأثير حداثة السِّنِّ كناية عن الشَّباب وأوّل العمر.

وقال ابن التِّين حُدّاث _ بالضم _ جمع حديث مثل كُرّام جمع كريم، وكُبّار جمع كبير، والحديث الجديد من كلِّ شيءٍ، ويطلق على الصَّغير بهذا الاعتبار.

وتقدَّم في (( علامات النُّبوة ) )بلفظ (( حُدثاء ) ) [خ¦3611] بوزن سفهاء، وهو جمع حديث، والأسنان جمع سن وهو العُمر، المراد أنَّهم شباب صغار السِّنِّ.

(سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ) جمع حِلم _ بكسر الحاء المهملة _ والمراد به العقل، وكأنَّه من الحلم بمعنى الأناة والتَّثبت في الأمور، وذلك من شعار العقلاء، وأمَّا بالضم فعبارة عمَّا يراه النَّائم؛ يعني أنَّ عقولهم رديئةٌ ضعيفة. قال النَّووي ويستفاد منه أنَّ التَّثبت وقوَّة البصيرة يكون عند كمال السِّنِّ وكثرة التَّجارب وقوَّة العقل، قال الحافظ العَسقلاني ولم يظهر لي وجه الأخذ منه، فإنَّ هذا معلومٌ بالعادة لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصِّفة، فافهم.

(يَقُولُونَ خَيْرَ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ) بتشديد التحتية، النَّاس قيل إنَّه مقلوبٌ، والمراد من قول خير البريَّة؛ أي النَّبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن، وقال الكرماني أي خير أقوال النَّاس، أو خير من قول البرية؛ يعني القرآن. قال العينيُّ فعلى هذا ليس بمقلوبٍ، وقال الحافظ العَسقلاني ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد القول الحسن في الظَّاهر وباطنه

ج 29 ص 41

على خلاف ذلك، كقولهم لا حكم إلَّا لله، وجواب علي كما سيأتي، وقد وقع في رواية طارق بن زياد عند الطَّبري قال (( خرجنا مع عليٍّ رضي الله عنه ) )فذكر الحديث وفيه (( يخرج قومٌ يتكلَّمون كلمة الحقِّ لا يجوز حلوقهم ) ). وفي حديث أنسٍ عن أبي سعيدٍ عند أبي داود والطَّبراني (( يحسنون القول ويسيؤون الفعل ) )، وفي حديث مسلمٍ عن عليٍّ رضي الله عنه (( يقولون الحقَّ لا يجاوز هذا ) )وأشار إلى حلقهِ (لاَ يُجَاوِزُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني .

(إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ) بالحاء المهملة في أوله وبالنون والجيم، جَمْعُ حَنْجَرة، بوزن قَسْوَرَة، وهي الحلقوم والبلعوم، وكلُّه يطلقُ على مجرى النَّفس، وهو طرف المري ممَّا يلي الفم؛ أي يؤمنون بالنُّطق لا بالقلب. وفي رواية مسلمٍ من رواية زيد بن وهبٍ عن عليٍّ رضي الله عنه (( يقولون الحقَّ بألسنتهم لا يجاوز صلاتهم تراقيهم ) )وكان أطلق الصَّلاة على الإيمان، وفي حديث أبي ذرٍّ (( لا يجاوز إيمانهم حلاقيهم ) ).

(يَمْرُقُونَ) أي يخرجون، من المروق، وهو الخروج (مِنَ الدِّينِ) يقال مرق من الدِّين مروقًا خرج ببدعته أو ضلالهِ، ومرق السَّهم من الغرض إذا أصابه ثمَّ نفذه، ومنه قيل للمرق مرق لخروجه من اللَّحم. وفي رواية أبي إسحاق عن سويد بن غَفَلة عند النَّسائيّ والطَّبريّ (( يمرقونَ من الإسلام ) )، وكذا عند المؤلِّف في باب من راءى بالقرآن من طريق سفيان الثَّوريّ عن الأعمش [خ¦5057] ، وعند النَّسائيّ من رواية طارق بن زياد عن عليٍّ رضي الله عنه (( يمرقون من الحقِّ ) ).

(كَمَا يَمْرُقُ) أي يخرج (السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتيّة؛ أي الشَّيء الَّذي يُرمى، ويطلق على الطَّريدة من الوحش.

وقال العينيُّ الرَّميّة فعيلةٌ من الرَّمي؛ يعني المرميَّة؛ أي الصَّيد مثلًا، فإن قلت الفعيل بمعنى المفعول يستوي فيه المذكّر والمؤنّث فلم أدخل التَّاء فيه؟ قلت هي لنقلهِ من الوصفيَّة إلى الاسميَّة، وقيل ذلك الاستواء إذا كان الموصوف مذكورًا معه، وقيل ذلك الدُّخول غالبًا للذي لم يقع بعد

ج 29 ص 42

يقال خذْ ذبيحتك، للشَّاة الَّتي لم تذبح بعد، يعني إنَّ دخولهم في الإسلام ثمَّ خروجهم منه، ولم يتمسَّكوا منه بشيءٍ كالسَّهم الَّذي دخل في الرميَّة ثمَّ يخرج سهمًا ولم يعلق به شيءٌ منها.

(فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية زيد بن وهب (( لو يعلم الجيش الَّذين يصيبونهم ما قضَى الله لهم على لسان نبيِّهم لَنَكَلُوا على العمل ) )، ولمسلم في رواية عبيدة بن عَمرو عن عليٍّ رضي الله عنه (( لولا أن تبطروا لحدَّثتكم بما وعدَ الله الَّذين يقتلونهم على لسان محمَّد صلى الله عليه وسلم ) ).

قال عبيدة (( قلت لعليٍّ أنت سمعته؟ قال إي وربِّ الكعبة ثلاثًا ) )، وله في رواية زيد بن وهب في قصَّة قتل الخوارج (( إنَّ عليًّا لمَّا قتلهم قال صدقَ الله، وبلّغ رسوله، فقام إليه عبيدة فقال يا أمير المؤمنين! اللهِ الَّذي لا إله إلَّا هو لقد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال إي والله الَّذي لا إله إلَّا هو، حتَّى استحلفه ثلاثًا ) ).

قال النَّووي إنَّما استحلفه لتوكيد الأمر عند السَّامعين وليظهر معجزة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّ عليًّا ومن معه على الحقِّ، قال الحافظ العَسقلاني وليطمئنَّ قلب المستحلف لإزالة توهُّم ما أشار إليه على أنَّ الحرب خَدْعة، فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئًا منصوصًا، وإلى ذلك يشير قول عائشة رضي الله عنها لعبد الله بن شدَّاد في روايته حيث قالت له (( ما قال عليٌّ حينئذٍ؟ قال سمعته يقول صدق الله ورسوله، قالت رحم الله عليًّا إنَّه كان لا يرى شيئًا يعجبه إلَّا قال صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدونه ) ). فمن هذا أراد عبيدة من عليٍّ التَّثبت في هذه القصَّة بخصوصها، وأنَّ فيها نقلًا منصوصًا مرفوعًا، وأخرج أحمد نحو هذا الحديث عن عليٍّ رضي الله عنه وزاد في آخره (( قتالهم حقٌّ على كلِّ مسلمٍ ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ القوم المذكورين فيه هم الخوارج، وقد مضى الحديث في (( علامات النُّبوة ) ) [خ¦3611] ، وكذا مضى بهذا السَّند في (( فضائل القرآن ) ) [خ¦5057] .

ج 29 ص 43

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت