2055 - (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة وبالصاد المهملة، هو ابنُ عقبة بن عامر السَّوائيُّ العامريُّ الكوفيُّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ طَلْحَةَ) هو ابنُ مصرِّف، بلفظ الفاعل من التصريف، اليامي _ بالمثناة التحتية _ الكوفي. كانوا يسمُّونه سيِّد القراء، مات سنة ثنتي عشرة ومائة.
(عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه) ورجال الإسناد كلُّهم كوفيُّون إلا الصَّحابي فإنَّه سكن البصرة وقد دخل الكوفة مرارًا، وقد صرَّح يحيى القطَّان بالتحديث بين منصور وسفيان، كما سيأتي في (( اللقطة ) )إن شاء الله تعالى [خ¦2431] .
(قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرَةٍ مَسْقَطَةٍ) على صيغة المفعول من الإسقاط، كذا في رواية كريمة. وفي رواية الأكثرين ،
ج 10 ص 29
والقياس ساقطة لكنَّه قد يجعل اللازم كالمتعدِّي بتأويل كقراءة من قرأ (( عُمُوا وصُمُّوا ) ) [المائدة 71] بلفظ المجهول، ومنه قوله تعالى {حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء 45] أي ساترًا، قاله ابن التِّين.
أقول ومنه قول الفقهاء المعتوق، والقياس العاتق، وقال التيميُّ هي كلمةٌ غريبةٌ؛ لأنَّ المشهور أنَّ سَقَطَ لازم على أنَّ العرب قد تذكر الفاعل بلفظ المفعول وبالعكس إذا كان المعنى مفهومًا، ويجوز أن يقال جاء سَقَطَ متعدِّيًا أيضًا بدليل قوله تعالى {سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} [الأعراف 149] ، وقال الخطَّابي يأتي المفعول بمعنى الفاعل كقوله تعالى {كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} [مريم 61] أي آتيًا.
(فَقَالَ لَوْلاَ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا) وهذا هو موضع الترجمة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم تنزَّه من أكل هذه التمرة الساقطة، لأجل الشُّبهة وهو احتمال كونها من الصَّدقة.
وقال المهلَّب إنما ترك النَّبي صلى الله عليه وسلم أكل هذه التمرة تنزُّهًا عنها لجواز أن تكون من تمر الصَّدقة، وليس على غيره بواجب أن يتبع الاحتمال؛ لأنَّ الأشياء مباحةٌ حتى يقوم الدَّليل على الحظر، فالتَّنزه عن الشُّبهات لا يكون إلَّا فيما أشكل أمره ولا يدري أحلالٌ هو أم حرامٌ.
واحتمل المعنيين ولا دليلَ على أحدهما ولا يجوز أن يحكم على من أخذ مثل ذلك أنَّه أخذ حرامًا، لاحتمال أن يكون حلالا غير أنَّا نستحبُّ من باب الورع أن نقتدي بسيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل في التَّمرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد رضي الله عنه (( البرُّ ما اطمأنَّت إليه نفسك والإثم ما حاك في الصِّدر ) ). وقال ابن عمر رضي الله عنهما لا يبلغ أحدٌ حقيقة التَّقوى حتى يدع ما حاك في الصَّدر.
وقيل وفي هذا الحديث تحريم قليل الصَّدقة وكثيرها على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنَّ أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمةٌ ويتشاح في مثله. وأمَّا التَّمرة واللبابة من الخبز أو التينة أو الزَّبيبة، وما أشبهها فقد أجمعوا على أخذهَا ورفعها من الأرض وإكرامها بالأكل دون تعريفها استدلالًا بقوله (( لأكلتها ) )وأنَّها مخالفةٌ لحكم اللُّقطة.
وقال الخطَّابي وفيه أنَّه لا يجب على آخذها التَّصدُّق بها؛ لأنَّه لو كان
ج 10 ص 30
سبيلها التصدُّق لم يقل (( لأكلتها ) ). وفي «المدوَّنة» يتصدَّق بالطَّعام تافهًا كان أو غير تافهٍ إذا خشي عليه الفساد بوطءٍ أو شبهه، وعن مطرف إذا أكله غرمه وإن كان تافهًا، وهذا الحديث حجَّةٌ عليه، قال وإن تصدَّق به فلا شيء عليه.
(وَقَالَ هَمَّامٌ) بالتشديد، هو ابنُ منبِّه بن كامل، يكنى أبا عقبة الأنباري الصنعاني، أخو وهب بن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ أَجِدُ) ذَكَرَه بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية (تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) وهذا التعليق وصله المؤلِّف رحمه الله في (( اللقطة ) ) [خ¦2432] ، عن محمد بن مقاتل أنبا عبد الله أنبا معمر، عن همَّام، عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه (( إنِّي لأنقلب إلى أهلي فأجد تمرةً ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثمَّ أخشى أن تكون صدقةً فألقيها ) ).
وذكره هنا لما فيه من يقين المحلِّ الذي رأى فيه التَّمرة وهو فراشه صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يأكلها، وذلك أبلغُ في الورع، قال المهلَّب لعلَّه صلى الله عليه وسلم كان يقسم الصَّدقة، ثمَّ يرجع إلى أهله فتعلَّق بثوبه من تمر الصَّدقة شيءٌ فيقعُ في فراشه، وإلَّا فما الفرق بين هذا وبين أكله من اللَّحم الذي تُصُدِّقَ به على بريرة رضي الله عنها.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ولم ينحصر وجود شيءٍ من تمر الصَّدقة في غير بيته حتَّى يحتاج إلى هذا التأويل، بل يحتمل أن يكون ذلك التَّمر حمل إلى بعض من يستحقُّ الصَّدقة ممَّن هو في بيته وتأخَّر تسليم ذلك إليه، أو حمل إلى بيته فقسمه فبقيت منه بقيَّة.
وقد روى أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال تضوَّر النَّبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقيل ما أسهرك؟ قال (( إنِّي وجدت تمرةً ساقطةً فأكلتها، ثمَّ ذكرت تمرًا كان عندنا من تمر الصَّدقة فما أدري أمن ذلك كانت التَّمرة أو من تمر أهلي، وذلك أسهرني ) ).
وهو محمولٌ على التَّعدُّد وأنَّه لما اتَّفق له أكل التَّمرة كما في الحديث وأقلقه ذلك صار بعد ذلك إذا وجد مثلها ممَّا يدخله التردُّد تركه احتياطًا، ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم في حال أكله إيَّاها كان في مقام التَّشريع، وفي حال تركه كان في خاصَّة نفسه والله أعلم.
وقال الكرمانيُّ فإن قلت
ج 10 ص 31
ما تعلُّقه بهذا الباب؟ قلت تمامُ الحديث غير مذكورٍ وهو (( لولا أن تكون صدقة لأكلتها ) )، ارتاب صلى الله عليه وسلم في تلك التَّمرة أهي من الصَّدقة التي تحرم عليه أم هي من ماله؟ فترك أكلها تنزُّهًا عن الشبهة.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يقف الكرماني على تمام الحديث في (( اللُّقطة ) ) [خ¦2432] ، ولو وقف لما احتاج إلى هذا التكلُّف، ولا ذكر بقيَّة الحديث على غير ما هي عليه في رواية البخاريِّ رحمه الله.