4 - (باب قَولِهِ) وسقط في بعض النُّسخ لفظ ( {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} ) الاستثناء متصل أو منقطع، ورجَّحه أبو حيَّان بأنَّ المستثنى منه محكوم عليه بأن يضاعف له العذاب فيصير التَّقدير إلا من تاب فلا يضاعف له التَّعذيب، ولا يلزم من انتفاء التَّضعيف انتفاء العذاب غير المضعَّف، فالأولى عندي أن يكون استثناء منقطعًا؛ أي لكن من تاب وآمن، وإن كان كذلك فلا يلقى عذابًا البتَّة.
وتعقَّبه تلميذُه السَّمين فقال الظَّاهر قول الجمهور أنَّه متَّصل، وأمَّا ما قاله فلا يلزم إذ المقصود الإخبار بأنَّه من فعل كذا، فإنَّه يحلُّ به ما ذكر إلَّا أن يتوب، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها فلا تعرض له في الآية.
( {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} ) {سَيِّئَاتِهِمْ} مفعول ثان للتبديل، وهو المقيَّد بحرف الجر وحذف لفهم المعنى، و (( حسنات ) )هو الأوَّل وهو المأخوذ، والمجرور بالياء هو المتروكُ، وقد صرَّح بهذا في قوله تعالى {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} [سبأ 16] ومعنى تبديل السِّيئات حسنات أنَّه يمحوها بالتَّوبة، ويثبت مكانها الحسنات.
وقال محيي السنَّة ذهبَ جماعة إلى أنَّ هذا في الدُّنيا، وقال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما وغيره يبدلهم الله بقبائحِ أعمالهم في الشِّرك محاسن الأعمال في الإسلام فيُبدِّلهم بالشِّرك إيمانًا، وبقتلِ المؤمن قتل المشرك، وبالزنا عفَّة وإحصانًا. وقال ابنُ المسيَّب فيه يبدِّل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة، وقال ابنُ كثير تنقلب السَّيئات الماضية
ج 20 ص 413
بنفس التَّوبة النَّصوح حسنات؛ لأنَّه كلما تذكرها ندمَ واسترجع واستغفرَ، فينقلب الذَّنب طاعة يوم القيامة، وإن وجدها مكتوبة عليه لكنَّها لا تضرُّه بل تنقلب حسنة في صحيفته؛ كما يدلُّ له حديث أبي ذرٍّ المروي في «صحيح مسلم» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنِّي لأعرف آخر أهل النَّار خروجًا من النَّار، وآخر أهل الجنَّة دخولًا في الجنَّة، فيقول اعرضوا عليه كبار ذنوبَهُ وسلوهُ عن صغارها [1] قال فيُقال له عملت يوم كذا كذَا وكذا؟ فيقول نعم، لا يستطيع أن يُنكر من ذلك شيئًا، فيُقال فإنَّ لك بكلِّ سيئة حسنة، فيقول يا رب عملتُ أشياء لا أراها هاهنا قال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى بدتْ نواجذه ) ).
وقال الزَّجَّاج السَّيئة بعينها لا تصيرُ حسنة، فالتَّأويل أنَّ السيئة تُمحى بالتَّوبة، وتكتب الحسنة مع التَّوبة.
( {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا} ) حيث حطَّ عنهم بالتَّوبة والإيمان مضاعفة العذاب، والخلود في النَّار والإهانة ( {رَحِيمًا} ) حيث بدل سيئاتهم بالثَّواب الدائم، والكرامة في الجنَّة، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله ... إلى آخره.
[1] كذا في إرشاد الساري، وفي صحيح مسلم (اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال. .. ) .