فهرس الكتاب

الصفحة 3154 من 11127

قال ابن المنيِّر ويستفاد هذا التَّقييد من قوله التمسوها، بعد إخبارهم بأنَّها رفعت، ومن كون أن وقوع التَّلاحي في تلك اللَّيلة لا يستلزم وقوعه فيما بعد ذلك، ومن قوله (( فعسى أن يكون خيرًا ) )فإنَّ وجه الخيريَّة أنَّ خفاءها يستدعي قيام كل الشَّهر، أو العشر بخلاف ما لو بقيت معرفة تعيينها.

(لِتَلَاحِي النَّاسِ) بالحاء المهملة؛ أي لأجل مخاصمتهم، وسقطت هذه التَّرجمة مع الباب في رواية غير أبي ذرٍّ وأبي الوقت، وزاد أبو ذرٍّ وابن عساكر .

والتَّلاحي والملاحاة المخاصمة والمقاولة، يقال لحيت الرَّجل ألحاه لَحْيًا، إذا لمتَه وعذلتَه، ولاحيتُه ملاحاة ولِحاء، إذا نازعتَه.

2023 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) العنزي، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد أيضًا (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الهجيمي، قال (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) هو ابن حميد، واسم أبي حميد تِيْر _ بكسر المثناة الفوقية وسكون التحتية آخره راء _، ومعناه السَّهم، وقيل تيرويه، وقيل طرحان، وقيل مهران،

ج 9 ص 613

وهو مشهور بحميد الطَّويل، قيل كان قصيرًا طويل اليدين، وكان يقف عند الميِّت فتصل إحدى يديه إلى رأسه، والأخرى إلى رجليه.

وقال الأصمعي رأيته ولم يكن بذلك الطُّول، كان في جيرانه رجل يقال له حميد القصير، فقيل له حميد الطَّويل للتَّمييز بينهما، الخزاعي البصري.

قال (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالك، وفي نسخة (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) رضي الله عنه، وفي رواية ، كذا رواه أكثر أصحاب حميد عن أنس عن عبادة. ورواه مالك فقال عن حميد، عن أنس قال خرج علينا، الحديث. قال ابن عبد البرِّ والصَّواب إثبات عبادة، وأنَّ الحديث من مسنده.

(قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من حجرته الشَّريفة (لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) أي بتعيينها (فَتَلاَحَى) بفتح الحاء المهملة؛ أي تنازع وتخاصم (رَجُلاَنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ووقعت بينهما منازعة ومشاتمة، وفي رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد رضي الله عنه عند مسلم (( فجاء رجلان يختصمان معهما الشَّيطان ) )، ونحوه في حديث الفَلَتان عند أبي إسحاق وزاد (( أنَّه لقيهما عند سدَّة المسجد فحجز بينهما ) )، فقال صلى الله عليه وسلم (خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ) بنصب الفعل بتقدير (( أن ) )عد لام التعليل (بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) سدَّ مسدَّ المفعول الثَّاني والثَّالث، والتَّقدير لأن أخبركم بأن ليلة القدر هي اللَّيلة الفلانية (فَتَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ) في المسجدِ وشهرِ رمضان اللَّذين هما محلان لذكر الله تعالى لا للَّغو. قيل هما عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك، ذكره ابن دحية ولم يذكر له مستندًا.

(فَرُفِعَتْ) أي من قلبي فنسيت تعيينها للاشتغال بالمتخاصمين، كما وقع التَّصريح به في رواية مسلم. وقيل المعنى رفعت بركتها في تلك السَّنة، وقيل التاء في (( رفعت ) )للملائكة لا للَّيلة.

وقال الطِّيبي قال بعضهم رفعت؛ أي معرفتها، والحامل له على ذلك أنَّ رفعها مسبوق بوقوعها فإذا وقعت لم يكن لرفعها معنىً. قال ويمكن أن يقال المراد برفعها أنَّها شرعت أن تقع، فلمَّا تخاصما رفعت فنزل الشُّروع منزلة الوقوع. انتهى.

وفي الحديث بيان أنَّ سبب النِّسيان

ج 9 ص 614

هو ملاحاة الرَّجلين. وقد روى مسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( أُرِيتُ ليلة القدر ثمَّ أيقظني بعض أهلي فنسيتها ) ).

وهذا يدلُّ على أنَّ سبب النِّسيان هو الإيقاظ، فإمَّا أن يحمل على التعدُّد بأن تكون الرُّؤيا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه منامًا، فيكون سبب النِّسيان الإيقاظ، وأن تكون الرُّؤيا في حديث غيره في اليقظة فيكون سبب النِّسيان ما ذكر من المخاصمة. ويمكن أن يحمل على اتِّحاد القصَّة، ويكون النِّسيان وقع عن سببين. ويحتمل أن يكون المعنى أيقظني بعضُ أهلي فسمعتُ تلاحي الرَّجلين، فقمتُ لأحجز بينهما فنسيتُها للاشتغال بهما.

وقد روى عبد الرَّزَّاق من مرسل سعيد بن المسيَّب أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( ألا أخبركُم بليلة القدر؟ ) )قالوا بلى، فسكت ساعة، ثمَّ قال (( لقد قلت لكم وأنا أعلمها ثمَّ أنسيتها ) )فلم يذكر سبب النِّسيان.

وإذا تقرَّر أنَّ الذي ارتفع علم تعيينها في تلك السَّنة، فهل أعلم النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بتعيينها؟ فيه احتمال، وقد روي عن ابن عيينة أنَّه أعلم بعد ذلك، وما رواه محمَّد بن نصر من طريق واهب المغافري أنَّه سأل زينب بنت أمِّ سلمة رضي الله عنهما هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ليلة القدر؟ فقالت لا، لو علمها لما قام النَّاس غيرها.

فالظَّاهر أنَّها إنَّما قالته احتمالًا، وهذا لا ينافي علمه بذلك؛ لاحتمال أن يكون وقت التعبُّد بذلك أيضًا، ليحصل الاجتهاد في جميع العشر، بل في جميع الشَّهر، بل في جميع السَّنة، والله أعلم.

وشذَّ قوم [1] فقالوا إنَّها رفعت أصلًا وهو غلطٌ منهم، ولو كان كذلك لم يقل النَّبي صلى الله عليه وسلم (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) أي رفع تعيينها (خَيْرًا لَكُمْ) فإنَّ البحث عنها، والطَّلب لها تكثير العمل فهو خير من هذه الجهة، قاله ابن بطَّال.

وقال ابن التِّين يريد أنَّه لو أخبرهم بتعيينها لأقلُّوا من العمل في غيرها وأكثروه فيها، وإذا غيِّبت عنهم أكثروا العمل في سائر اللَّيالي أيضًا رجاء موافقتها. وقد استنبط منه الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكي الكبير في «الحلبيات» استحباب كتمان ليلة القدر لمن رآها. قال ووجه

ج 9 ص 615

الدَّلالة أنَّ الله تعالى قدَّر لنبيِّه أنَّه لم يخبر بها، والخير كلُّه فيما قدَّره له، ويستحبُّ اتباعه في ذلك.

وذكر في «شرح المنهاج» ذلك عن «الحاوي» قال والحكمة فيه أنَّها كرامة، والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلاف بين أهل الطَّريق من جهة رؤية النَّفس فلا يأمن السَّلب، ومن جهة ألَّا يأمن الرِّياء، ومن جهة الأدب فلا يتشاغل عن الشُّكر لله تعالى بالنَّظر إليها، وذكرها للنَّاس، ومن جهة أن لا يأمن الحسد فيوقع غيره في المحذور، ألا ترى إلى قول يعقوب عليه الصَّلاة والسَّلام {يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ} [يوسف 5] الآيةَ.

(فَالْتَمِسُوهَا) أي اطلبوا ليلة القدر (فِي) اللَّيلة (التَّاسِعَةِ) من العشر الأخير فتكون ليلة تسع وعشرين. ويحتمل أن يراد بها تاسع ليلة تبقى من الشَّهر، فتكون ليلة إحدى أو اثنتين وعشرين بحسب تمام الشَّهر ونقصانه، ويرجِّح الأوَّل قوله في رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد الماضية في كتاب الإيمان بلفظ (( التمسوها في التِّسع والسَّبع والخمس ) ) [خ¦49] أي في تسع وعشرين، وسبع وعشرين، وخمس وعشرين. وفي رواية لأحمد (( في تاسعة تبقى ) ).

(وَ) في اللَّيلة (السَّابِعَةِ) والعشرين (وَ) في اللَّيلة (الْخَامِسَةِ) والعشرين، وقد مضى الحديث في كتاب الإيمان في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر [خ¦49] .

تكميل قد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافًا كثيرًا، وتحصَّل من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولًا كما وقع نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشتركتا في إخفاء كلٍّ منهما ليقع الجدُّ في طلبهما

القول الأوَّل أنَّها رفعت أصلًا ورأسًا، حكاه المتولِّي في «التتمة» عن الرَّوافض، وحكى السُّروجي أنَّه قول الشِّيعة، وحكاه الفاكهاني في «شرح العمدة» عن الحنفيَّة وهو خطأ منه، فإنَّه غير صحيح لم يقل به أحد من الحنفيَّة، وقد أجمع من يعتدُّ بهم على وجودها ودوامها إلى آخر الدَّهر، وقوله صلى الله عليه وسلم (( فالتمسوها ) )يردُّ على من قال برفعها.

وقد روى عبد الرَّزَّاق من طريق داود بن أبي عاصم، عن عبد الله بن يحنس، قلت لأبي هريرة رضي الله عنه زعموا أنَّ ليلة القدر رفعت. قال كذب من قال ذلك. ومن طريق عبد الله بن شريك قال ذكر الحجَّاج ليلة القدر فكأنَّه أنكرها، فأراد زرُّ بن حبيش أن يحصبَه فمنعه قومه.

الثَّاني أنَّها خاصَّة بسنةٍ واحدة

ج 9 ص 616

وقعت في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، حكاه الفاكهاني أيضًا.

الثَّالث أنها خاصَّة بهذه الأمَّة، ولم يكن في الأمم قبلهم، جزم به ابن حبيب وغيره من المالكيَّة، ونقله عن الجمهور، وحكاه صاحب «العدَّة» من الشَّافعية ورجَّحه، ويردُّ عليهم ما رواه النَّسائي من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه حيث قال فيه قلت يا رسول الله! أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قال (( بل هي باقية ) ).

وعمدتهم في ذلك قول مالك في «الموطأ» بلغني أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمَّته عن أعمار الأمم الماضية فأعطاه الله ليلة القدر. وهذا محتمل التَّأويل فلا يدفع الصَّريح في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه. قاله الحافظ العسقلاني في «فتح الباري» ، والحافظ ابن كثير في «تفسيره» .

الرَّابع أنَّها ممكنة في جميع السَّنة غير مخصوصة بشهر من الشُّهور، وهو قول مشهور عن الحنفيَّة، حكاه أبو بكر الرَّازي منهم، وفي «فتاوى قاضي خان» المشهور عن أبي حنيفة رحمه الله أنَّها تدور في السَّنة كلها، قد تكون في رمضان وقد تكون في غيره. وصحَّ ذلك عن ابن مسعود، وابن عبَّاس، وعكرمة وغيرهم. وزيَّف المهلَّب هذا القول، وقال لعلَّ صاحبه بناه على دوران الزَّمان لنقصان الأهلة، وهو فاسد؛ لأنَّ ذلك لم يعتبر في صيام رمضان فلا يعتبر في غيره حتَّى تنتقل ليلة القدر عن رمضان. انتهى.

وأنت خبير بأنَّ تزييفه هذا القول يرجع في نفس الأمر إلى تزييف قول ابن مسعود، وابن عبَّاس رضي الله عنهم. وهذا جراءة عظيمة منه، ومع هذا مأخذ ابن مسعود رضي الله عنه كما ثبت في «صحيح مسلم» عن أبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنَّه أراد ألَّا يتَّكل النَّاس.

روي عن زرِّ بن حبيش قال سألت أبيَّ بن كعب رضي الله عنه فقلت إنَّ أخاك ابن مسعود يقول من يقيم الحول يصيب ليلة القدر، فقال رحمه الله أراد أن لا يتَّكل النَّاس، أما إنَّه علم أنَّها في رمضان، وأنَّها في العشر الأواخر، وأنَّها ليلة سبع وعشرين.

الخامس أنَّها مختصَّة برمضان ممكنة في جميع لياليه، وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عنه، وروي عنه مرفوعًا، أخرجه أبو داود، وقال به ابن المنذر، والمحاملي، وبعض الشَّافعيَّة. ورجَّحه السُّبكي في «شرح المنهاج» . وحكاه ابن الحاجب رواية.

وقال السُّروجي في «شرح الهداية» قول أبي حنيفة أنَّها تنتقل في جميع رمضان، وقول صاحبيه أنَّها في ليلة معيَّنة منه مبهمة. وقيل هي عندهما في النِّصف الأخير من رمضان.

وقال الإمام نجم الدِّين أبو حفص عمر النَّسفي في «منظومته»

~وَليلَة القَدْرِ بكُلِّ الشَّهْرِ دَائرَةٌ وعَيَّنَاهَا فَادْرِ

وهذا القول حكاه ابن العربي عن قوم.

السَّادس أنَّها أوَّل ليلة من رمضان، حكي ذلك عن أبي رزين العقيلي الصَّحابي رضي الله عنه. وروى ابن أبي عاصم من حديث أنس رضي الله عنه قال (( ليلة القدر أوَّل ليلة من رمضان ) ). قال ابن أبي عاصم لا نعلم أحدًا قال ذلك غيره.

السَّابع أنَّها ليلة النِّصف من رمضان، حكاه سراج الدِّين ابن الملقِّن في «شرح العمدة» .

وفي «المفهم»

ج 9 ص 617

للقرطبي حكاية قول إنَّها ليلة النِّصف من شعبان. وكذا نقله السُّروجي عن صاحب «الطراز» . فإن كان محفوظًا فهو قول آخر. ونقل السُّروجي عن «المحيط» أنَّها في النِّصف الأخير.

الثَّامن أنَّها ليلة سبع عشرة من رمضان، روى ابن أبي شيبة والطَّبراني من حديث زيد بن أرقم، قال ما أشكُّ ولا أمتري أنَّها ليلة سبع عشرة من رمضان؛ ليلة أنزل القرآن. وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه أيضًا. وعزاه الطَّبري لعثمان بن أبي العاص، والحسن البصري، وبه قال بعض الشَّافعيَّة، وإليه ذهب أيضًا ابن الزُّبير.

التَّاسع أنَّها مبهمة في العشر الوسط، حكاه النَّووي.

العاشر أنَّها ليلة ثمان عشرة، ذكره القطب الحلبي في «شرحه» وذكره ابن الجوزي في «مشكله» .

الحادي عشر أنَّها ليلة تسع عشرة، رواه عبد الرَّزَّاق عن عليٍّ، وعزاه الطَّبريُّ لزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله عنهم. ووصله الطَّحاوي عن ابن مسعود رضي الله عنه.

الثَّاني عشر أنَّها أوَّل ليلة من العشر الأخير. وحكي ذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقد مرَّ حديثه [خ¦2018] ، وإليه مال الشَّافعي، وعبارة الشَّافعي في «الأم» كما نقله البيهقي في «المعرفة» وتطلب ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، قال وكأنِّي رأيت _والله أعلم_ أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى وعشرين. وجزم به جماعة من الشَّافعية.

ولكن قال السُّبكي إنَّه ليس مجزومًا به عندهم؛ لاتِّفاقهم على عدم حنث من علَّق يوم العشرين عتق عبده في ليلة القدر أنَّه لا يعتق تلك اللَّيلة، بل بانقضاء الشَّهر على الصَّحيح بناء على أنَّها في العشر الأخير. وقيل بانقضاء السَّنة بناء على أنَّها لا تختصُّ بالعشر الأخير، بل هي في رمضان.

الثَّالث عشر مثل الذي قبله إلَّا أنَّه إن كان الشَّهر تامًّا فهي ليلة العشرين، وإن كان ناقصًا فهي ليلة إحدى وعشرين، وهكذا في جميع العشر، وهو قول ابن حزم، وزعم أنَّه يجمع بين الأخبار بذلك. ويدلُّ له ما روى أحمد والطَّحاوي من حديث عبد الله بن أنيس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( التمسوها اللَّيلة ) )، وكانت تلك اللَّيلة ليلة ثلاث وعشرين، فقال رجل هذه أولى ثمان يبقين،

ج 9 ص 618

فقال (( بل أولى سبع يبقين، فإنَّ هذا الشَّهر لا يتمُّ ) ).

الرَّابع عشر أنَّها ليلة اثنين وعشرين، وسيأتي حكايته بعد. وروى أحمد من حديث عبد الله بن أنيس أنَّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، وذلك صبيحة إحدى وعشرين، فقال (( كم اللَّيلة؟ ) )قلت ليلة اثنين وعشرين، فقال (( هي اللَّيلة أو القابلة ) ).

الخامس عشر أنَّها ليلة ثلاث وعشرين، رواه مسلم عن عبد الله بن أنيس مرفوعًا (( أُريت ليلة القدر، ثمَّ أُنسيتها، وأُراني في صبيحتها أسجد في ماء وطين ) )قال فمطرت ليلة ثلاث وعشرين. فذكر مثل حديث أبي سعيد رضي الله عنه لكن قال فيه (( ليلة ثلاث وعشرين ) )بدل (( إحدى وعشرين ) ). وعنه قال قلت يا رسول الله! إنَّ لي باديةً أكون فيها فمرني بليلة. قال (( انزل ليلة ثلاث وعشرين ) ).

وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن معاوية رضي الله عنه قال (( ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين ) ). ورواه إسحاق في «مسنده» من طريق أبي حازم، عن رجل من بني بياضة، له صحبة، مرفوعًا.

وروى عبد الرَّزَّاق عن معمر، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( من كان متحرِّيها فليتحرَّها ليلة سابعة ) )قال فكان أيُّوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين، ويمسُّ الطيب. وعن ابن جريج، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين.

وروى عبد الرَّزَّاق من طريق يونس بن سيف سمع سعيد بن المسيَّب يقول استقام قول القوم على أنَّها ليلة ثلاث وعشرين. ومن طريق إبراهيم عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها. ومن طريق مكحول أنَّه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين.

السَّادس عشر أنَّها ليلة أربع وعشرين كما تقدَّم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما [خ¦2022] . وروى الطَّيالسي من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا (( ليلة القدر ليلة أربع وعشرين ) ). وروي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه والشَّعبي، والحسن، وقتادة، وحجَّتهم حديث واثلة (( إنَّ القرآن نزل لأربع وعشرين من رمضان ) ).

وروى أحمد من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصَّنابحي، عن بلال رضي الله عنه مرفوعًا (( التمسوا ليلةَ القدر ليلةَ أربعٍ وعشرين ) ).

ج 9 ص 619

وقد أخطأ ابن لهيعة في رفعه، فقد رواه عمرو بن الحارث عن يزيد بهذا الإسناد موقوفًا بغير لفظه كما سيأتي في آخر المغازي بلفظ [خ¦4470] (( ليلة القدر أوَّل السَّبع من العشر الأواخر ) )لكن لفظها بنحوه.

السَّابع عشر أنَّها ليلة خمس وعشرين، حكاه ابن العربي في «العارضة» ، وعزاه ابن الجوزي في «المشكل» لأبي بكرة.

الثَّامن عشر أنَّها ليلة ستٍّ وعشرين. قال الحافظ العسقلاني وهو قولٌ لم أره صريحًا، إلَّا أنَّ القاضي عياض قال ما من ليلة من ليالي العشر الأخير إلَّا وقد قيل إنَّها فيها.

التَّاسع عشر أنَّها ليلة سبع وعشرين، وهو الجادة من مذهب الإمام أحمد، قالت الحنابلة وأرجى الأوتار ليلة سبع وعشرين، وهو رواية عن أبي حنيفة، وبه جزم أبيُّ بن كعب رضي الله عنه، وحلف عليه كما عند مسلم أنَّه كان يحلف على ذلك ويقول بالآية والعلامة التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الشَّمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها ) ).

وروى مسلم أيضًا من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال تذاكرنا ليلة القدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أيُّكم يذكرُ حين طلع القمر كأنَّه شِقُّ جفنة؟ ) ). قال أبو الحسين الفارسي هي ليلة سبع وعشرين، فإنَّ القمر يطلعُ فيها بتلك الصِّفة.

وروى الطَّبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، فقال (( أيُّكم يذكر ليلة الصَّهباء؟ ) )قلت أنا، وذلك ليلة سبع وعشرين. ورواه ابنُ أبي شيبة عن عمر، وحذيفة، وناس من الصَّحابة رضي الله عنهم.

وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما عند مسلم (( رأى رجل ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ) ). ولأحمد من حديثه مرفوعًا (( ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ) ). ولابن المنذر (( من كان متحرِّيها فليتحرَّها ليلة سبع وعشرين ) ). وعن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه نحوه، أخرجه أبو داود. وحكاه الشَّاشي من الشَّافعية [2] في «الحلية» عن أكثر العلماء. وقد تقدَّم استنباط ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند عمر رضي الله عنه واستحسانه إيَّاه [خ¦2022] .

وقال ابن قدامة إنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما استنبط ذلك من عدد كلمات السُّورة، وقد وافق أنَّ قوله فيها (هِيَ) سابع كلمة بعد العشرين. واستنبطه بعضهم من وجه آخر، فقال ليلة القدر تسعة أحرف، وقد أعيدت في السُّورة

ج 9 ص 620

ثلاث مرات، وذلك سبع وعشرون.

وقال صاحب «الكافي» من الحنفيَّة، وكذا «المحيط» من قال لزوجته أنتِ طالق ليلة القدر طلقت ليلة سبع وعشرين؛ لأنَّ العامَّة تعتقد أنَّها ليلة القدر.

العشرون أنَّها ليلة ثمان وعشرين، وقد تقدَّم وجهه قبلُ بقول.

الحادي والعشرون أنَّها ليلة تسع وعشرين، حكاه ابن العربي.

الثَّاني والعشرون أنَّها ليلة الثَّلاثين، حكاه القاضي عياض، والسَّروجي في «شرح الهداية» . ورواه محمَّد بن نصر، والطَّبري عن معاوية رضي الله عنه، ورواه أحمد من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

الثَّالث والعشرون أنَّها في أوتار العشر الأخير، وعليه يدلُّ حديث عائشة رضي الله عنها وغيرها في الباب السَّابق [خ¦2017] ، وهو أرجح الأقوال، وصار إليه أبو ثور، والمُزنيِّ، وابن خزيمة، وجماعة من علماء المذاهب، وحكاه القاضي عياض وغيره. وقالت الحنابلة وتطلب في ليالي العشر الأخير، وليالي الوتر آكد.

قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن تيمية الوتر يكون باعتبار الماضي، فتطلب ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين وهكذا، ويكون باعتبار الباقي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( لتاسعة تبقى ) ) [خ¦2021] .

فإن كان الشَّهر ثلاثين تكون في ليالي الأشفاع، فاللَّيلة الثَّانية تاسعة تبقى، واللَّيلة الرَّابعة سابعة تبقى كما فسَّره أبو سعيد. وإن كان الشَّهر ناقصًا كان التَّاريخ بالباقي كالتَّاريخ بالماضي. انتهى.

الرَّابع والعشرون مثله بزيادة اللَّيلة الأخيرة، رواه التِّرمذي من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وأحمد من حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه.

الخامس والعشرون أنَّها تنتقل في العشر الأخير كلِّه، قاله أبو قلابة ونصره عليه مالك والثَّوري وأحمد وإسحاق. وزعم الماوردي أنَّه متَّفقٌ عليه، وكأنَّه أخذه من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم اتَّفقوا على أنَّها في العشر الأخير، ثمَّ اختلفوا في تعيينها منه كما تقدَّم، ويؤيِّد كونها في العشر الأخير حديث أبي سعيد رضي الله عنه الصَّحيح أنَّ جبريل عليه السَّلام

ج 9 ص 621

قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لمَّا اعتكف العشر الأوسط (( إنَّ الذي تطلب أمامك ) ) [خ¦813] . وقد تقدَّم ذكره قريبًا [خ¦2016] [خ¦2018] .

وقد تقدَّم أيضًا ذكرُ اعتكافه صلى الله عليه وسلم العشر الأخير في طلب ليلة القدر [خ¦2017 قبل] . واختلف القائلون به فمنهم من قال هي فيه محتملة على حدٍّ سواء، نقله الرَّافعي عن مالك، وضعَّفه ابن الحاجب. ومنهم من قال بعض لياليه أرجى من بعض؛ فقال الشَّافعي أرجاهُ ليلة إحدى وعشرين. وقال بعضهم ليلة سبع وعشرين كمَّا تقدَّم، وقيل ليلة ثلاث وعشرين.

السَّادس والعشرون أنَّها تنتقل في السَّبع الأواخر، وقد تقدَّم بيان المراد منه في حديث ابن عمر رضي الله عنهما [خ¦2015] من أنَّ المراد اللَّيالي السَّبع من أواخر الشَّهر، أو آخر سبعة تعدُّ من الشَّهر.

السَّابع والعشرون أنَّها تنتقل في النِّصف الأخير من رمضان، ذكره صاحب «المحيط» عن أبي يوسف ومحمَّد، وحكاه إمام الحرمين عن صاحب «التقريب» .

الثَّامن والعشرون أنَّها ليلة ستَّ عشرة أو سبع عشرة، رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث عبد الله بن الزُّبير.

التَّاسع والعشرون أنَّها ليلة سبع عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين رواه سعيد بن منصور من حديث أنس رضي الله عنه بإسنادٍ ضعيفٍ.

الثَّلاثون أنَّها أوَّل ليلة، أو تاسع ليلة، أو سابع عشرة، أو إحدى وعشرين، أو آخر ليلة، رواه ابن مردويه في «تفسيره» عن أنسٍ رضي الله عنه بإسنادٍ ضعيفٍ.

الحادي والثَّلاثون أنَّها ليلة تسع عشرة، أو إحدى عشرة، أو ثلاث وعشرين، رواه أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بإسنادٍ فيه مقال. وعبد الرَّزَّاق من حديث عليٍّ رضي الله عنه بإسنادٍ منقطع. وسعيد بن منصور من حديث عائشة رضي الله عنها بسندٍ منقطعٍ أيضًا.

الثَّاني والثَّلاثون ليلة ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين، وهو مأخوذ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما حيث قال (( سبع يبقين، أو سبع يمضين ) ) [خ¦2022] . ولأحمد من حديث النُّعمان بن بشير رضي الله عنه (( سابعة تمضي، أو سابعة تبقى ) ).

قال النُّعمان فنحن نقول ليلة سبع وعشرين، وأنتم تقولون ليلة ثلاث وعشرين.

الثَّالث والثَّلاثون ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين كما في حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه [خ¦2023] . ولأبي داود من حديثه بلفظ (( تاسعة تبقى، سابعة تبقى، خامسة تبقى ) ).

قال مالك في «المدونة» قوله (( تاسعة تبقى ) )ليلة إحدى وعشرين، إلى آخره.

الرَّابع والثَّلاثون

ج 9 ص 622

أنَّها منحصرة في السَّبع الأواخر من رمضان؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما [خ¦2015] . قال الإمام القسطلاني لا نعرف قائلًا بهذا القول، والله أعلم.

الخامس والثَّلاثون أنَّها ليلة اثنين وعشرين، أو ثلاث وعشرين، لحديث عبد الله بن أنيس عند أحمد.

السَّادس والثَّلاثون أنَّها في أشفاع العشر الأوسط والعشر الأخير. قال الحافظ العسقلاني قرأته بخطِّ مغلطاي.

السَّابع والثَّلاثون أنَّها اللَّيلة الثَّالثة من العشر الأخير، أو الخامسة منه، رواه أحمد من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه. والفرق بينه وبين ما تقدَّم أنَّ الثَّالثة يحتمل ليلة ثلاث وعشرين، ويحتمل ليلة سبع وعشرين فتنحل إلى أنَّها ليلة ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، وبهذا يتغاير هذا القول ممَّا مضى.

الثَّامن والثَّلاثون أنَّها في سبع أو ثمان من أوَّل النِّصف الثَّاني، روى الطَّحاوي من طريق عطيَّة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه رضي الله عنه أنَّه سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، فقال (( تحرَّها في النِّصف الأخير ) )ثمَّ أعاد فسأله، فقال (( إلى ثلاث وعشرين ) ). قال فكان عبد الله رضي الله عنه يحيي ليلة ستَّ عشرة إلى ليلة ثلاث وعشرين، ثمَّ يقصر.

وقد تداخل في هذه الأقوال سبعةُ أقوال، فكان المجموع خمسةً وأربعين قولًا، ويمكن ردُّ بعضها إلى بعض بحيث تقرب إلى خمسةٍ وعشرين قولًا. وجميع هذه الأقوال التي ذكرت بعد الثَّالث فهلمَّ جرَّا متَّفقةٌ على إمكان حصولها والحثِّ على التماسها.

وقال ابنُ العربي إنَّها لا تعلم، وهذا يصلح أن يكون قولًا آخر، وأنكره النَّووي، فقال قد تظاهرت الأحاديث بإمكان العلم بها، وقد أخبر بها جماعة من الصَّالحين، فلا معنى لإنكار ذلك.

ونقل الطَّحاوي عن أبي يوسف قولًا جوَّز منه أنَّه يرى أنَّها ليلة أربع وعشرين، أو سبع وعشرين، فإن ثبت ذلك عنه فهو قولٌ آخر.

ثمَّ إنَّ مفهوم العدد لا اعتبار له، فلا منافاة بين هذه الأقوال، وعن الشَّافعي رحمه الله والذي عندي أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يجيبُ على نحو ما يسأل عنه، يقال له نلتمسها في ليلة كذا، فيقول (( التمسوها في ليلة كذا ) )وقيل إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحدِّث بميقاتها جزمًا، فذهب كلُّ واحدٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم بما سمعه.

وأرجح الأقوال كلِّها أنَّها في وترٍ من العشر الأخير، وأنَّها تنتقل كما يفهم من الأحاديث المذكورة في الباب السَّابق [خ¦2017] [خ¦2022] .

ج 9 ص 623

وأرجى أوتار العشر عند الشَّافعية ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين على ما في حديثي أبي سعيد، وعبد الله بن أنيس رضي الله عنهما. وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين. وقد تقدَّمت أدلَّة ذلك، والله أعلم.

قال العلماء الحكمة في إخفاء ليلة القدر أن يحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عيِّنت لها ليلة كما تقدَّم [خ¦2023] ، وهذه الحكمة مطَّردة عند من يقول إنَّها في جميع السَّنة، أو في جميع رمضان، أو في جميع العشر الأخير، أو في أوتاره خاصَّة.

واختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وافقت له؟ فقيل يرى كل شيءٍ ساجدًا. وقيل ترى الأنوار في كلِّ مكانٍ ساطعة حتَّى في المواضع المظلمة. وقيل يسمع سلامًا أو خطابًا من الملائكة. وقيل علامتها استجابة دعاء من وفِّقت له.

وفي كتاب «فضائل رمضان» لسلمة بن شبيب عن فرقد أنَّ ناسًا من الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا في المسجد فسمعوا كلامًا من السَّماء، ورأوا أنوارًا من السَّماء، وبابًا من السَّماء، وذلك في شهر رمضان، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رأوا، فزعم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال (( أمَّا النُّور فنورُ ربِّ العزَّة تعالى، وأمَّا الباب فباب السَّماء، والكلام كلام الأنبياء ) )وهذا مرسلٌ ضعيف.

واختار الطَّبري أنَّ جميع ذلك غير لازمٍ، وأنَّه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه، ولا يلزم من تخلُّف العلامة عدمها، فربَّ قائم فيها لم يحصل منها إلَّا على العبادة ولم ير شيئًا من كرامة علامتها، وهو عند الله أفضل ممَّن رآها. وأيُّ كرامة أفضل من الاستقامة التي هي عبارة عن اتِّباع الكتاب والسَّنة وإخلاص النيَّة. وفَّقنا الله تعالى لذلك، وأوصلنا بفضله إلى ما هنالك بحرمة نبيِّه صلى الله عليه وسلم.

ومن قبيل ذلك ما قالوا إنَّ الوليَّ الذي لا يشاهد شيئًا من خوارق العادة هو أفضل ممَّن يشاهد، والله أعلم.

ثمَّ إنَّهم اختلفوا هل يحصل الثَّواب المرتَّب عليها لمن اتَّفق أنَّه قامها وإن لم يظهر له شيء، أو يتوقَّف ذلك على كشفها له؟ وإلى الأوَّل ذهب الطَّبريُّ والمهلَّب وابن العربي وجماعة كثيرة. وإلى الثَّاني ذهب بعضهم، ويدلُّ له ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( من يقمْ ليلة القدر فيوافقها ) ). وفي حديث عبادة عند أحمد (( مَن قامها إيمانًا واحتسابًا ثمَّ وفِّقت له ) ).

قال النَّووي معنى يوافقها؛

ج 9 ص 624

أي يعلم أنَّها ليلة القدر، ويحتمل أن يكون المراد يوافقها في نفس الأمر وإن لم يعلم. وفي حديث زرِّ بن حُبَيش عن ابن مسعود رضي الله عنه قال (( منْ يقم الحولَ يُصبْ ليلةَ القدر ) )وهو محتمِلٌ للقولين.

وقال النَّووي أيضًا في حديث (( من قام رمضان ) )، وفي حديث (( من قام ليلةَ القدر ) )معناه من قامه ولو لم يوافق ليلة القدر حصل له ذلك، ومن قامَ ليلة القدر فوافقها حصل له. وهو جارٍ على ما اختاره من تفسير الموافقة بالعلم بها. وقد تقدَّم ذلك أيضًا [خ¦2014] .

وقال الطَّبريُّ في إخفاء ليلة القدر دليلٌ على كذب من زعم أنَّه يظهر في تلك اللَّيلة للعيون ما لا يظهر في السَّنة، فضلًا عن ليالي رمضان.

وتعقَّبهُ ابن المنيِّر في «الحاشية» بأنَّه لا ينبغي إطلاق القول بالتَّكذيب لذلك، بل يجوز أن يكون ذلك على سبيل الكرامة لمن شاء الله من عباده فيختصُّ بها قوم دون قوم، والنَّبي صلى الله عليه وسلم لم يحصر العلامة ولم ينف الكرامة.

وقد كانت العلامة في السَّنة التي حكاها أبو سعيد [خ¦2016] رضي الله عنه نزول المطر، ونحن نرى كثيرًا من السِّنين ينقضي رمضان دون مطر مع اعتقادنا أنَّه لا يخلو رمضان من ليلة القدر. قال ومع ذلك فلا نعتقد أنَّ ليلةَ القدر لا ينالها إلَّا من رأى الخوارق، بل فضل الله واسع، بل العبرة إنَّما هي بالاستقامة فإنَّها تستحيل أن تكون إلَّا كرامة، بخلاف الخارق فقد يقع كرامة وقد يقع فتنة، والله تعالى أعلم.

ثمَّ في الأحاديث المذكورة ردٌّ لقول أبي الحسن الحربي المغربي أنَّه اعتبر ليلة القدر فلم تفته في طول عمره، وأنَّها تكون دائمًا ليلة الأحد، فإن كان أوَّل الشَّهر ليلة الأحد كانت ليلة تسع وعشرين وهلمَّ جرًّا. ولزم من ذلك أن تكون في ليلتين من العشر الوسط لضرورة أنَّ أوتار العشر خمسة. وعارضه بعض من تأخَّر عنه، فقال إنَّها تكون دائمًا ليلة الجمعة. وكلاهما لا أصل له، بل هو مخالف للإجماع الصَّحابيِّ في عهد عمر رضي الله عنه كما تقدَّم. وهذا كاف في الردِّ، وبالله التَّوفيق.

[1] في هامش الأصل (هم الروافض) . منه.

[2] (( من الشَّافعية ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت