26 - (باب ذِكْرِ الدَّجَّالِ) بتشديد الجيم، فعَّال من أبنية المبالغة؛ أي يَكثر منه الكذب والتَّلبيس وتغطية الحقِّ بالباطل وهو الَّذي يظهر في آخر الزَّمان يدَّعي الإلهيَّة، ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مخلوقاتهِ، كإحياء الميِّت الَّذي يقتله، وإمطار السَّماء، وإنبات الأرض بأمره، ثمَّ يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على شيءٍ، ثمَّ يقتله عيسى عليه السَّلام وفتنته فتنةٌ عظيمةٌ جدًّا تدهش العقول وتحيّر الألباب.
واختلف في أنَّه هل هو ابن صيَّاد أو غيره وعلى الثَّاني هل كان موجودًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا، ومقتضى حديث تميم الدَّاريّ عند مسلم أنَّه كان موجودًا في العهد النَّبويّ وأنَّه محبوسٌ في بعضِ الجزائر، وأنَّه يخرج عند فتحِ المسلمين القسطنطينيَّة، وأنَّه يخرج من قبل المشرق جزمًا، ثمَّ جاء في رواية (( يخرج من خراسان ) )أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه، وفي روايةٍ أخرى (( أنَّه يخرج من أصبهان ) )أخرجه مسلم، وأنَّه يخرج أوَّلًا فيدعي الإيمان والصَّلاح ثمَّ يدَّعي النُّبوّة ثمَّ يدَّعي الإلهيّة، كما أخرج الطَّبرانيّ من طريق سليمان بن شهابٍ قال إنَّه نزل على عبد الرَّحمن بن المعتمر وكان صحابيًّا فحدَّثني عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( الدَّجَّال ليس به خفاء، يجيء من قبل المشرق فيدعوا إلى الدِّين فيتبع ويظهر فلا يزال حتَّى يقدمَ الكوفة فيظهر الدِّين ويعمل به فيتَّبع ويحثُّ على ذلك، ثمَّ يدَّعي أنَّه نبيٌّ فيفزع من ذلك كلُّ ذي لبٍّ، ويفارقُه فيمكث بعد ذلك، ثمَّ يقول أنا الله فتغشى عينه وتقطعَ أذنهُ ويكتبَ بين عينيه كافرٌ فلا يخفى على كلِّ مسلمٍ فيفارقه كلُّ أحدٍ من الخلق في قلبه مثقال حبَّةٍ من خردلٍ من إيمان ) )وسنده ضعيفٌ.
وقد اشتهر السُّؤال عن الحكمة في عدم التَّصريح بذكر الدَّجَّال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشَّرِّ وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه والأمر بالاستعاذة منه حتَّى في الصَّلاة. وأجيب
ج 29 ص 471
بأجوبةٍ
أحدها أنَّه ذكر في قوله تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} [الأنعام 158] فقد أخرج التِّرمذيّ وصحَّحه عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( ثلاث إذا خرجنَ لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل الدَّجَّال والدَّابة وطلوع الشَّمس من مغربها ) ).
الثَّاني أنَّه قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى بن مريم عليهما السَّلام في قوله تعالى {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء 159] وفي قوله {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف 61] . وصحَّ أنَّه الَّذي يقتل الدَّجال فاكتفى بذكر الضِّدَّين عن الآخر، ولكونه يلقَّب المسيح كعيسى عليه السَّلام لكنَّ الدَّجَّال شيخ الضَّلالة وعيسى عليه السَّلام شيخ الهدى.
الثَّالث أنَّه تُرك ذكرُه احتقارًا له، وتعقَّب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدَّجال، وتعقِّب بأنَّ السُّؤال باقٍ وهو ما الحكمة في ترك التَّنصيص عليه.
وأجاب الإمام البلقينيُّ بأنَّه اعتبر كلَّ من ذكر في القرآن من المفسدين فوجد كلَّ من ذُكر إنَّما هم ممَّن مضى وانقضى أمرُه، وأمَّا من لم يجيء بعد فلم يُذكر منهم أحدٌ، انتهى.
وينتقض هذا بيأجوج ومأجوج، وقد وقع في «تفسير البغوي» أنَّ الدَّجال مذكورٌ في القرآن في قوله تعالى {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر 57] وأنَّ المراد بالنَّاس هنا الدَّجال من إطلاق الكلِّ على البعض، وهذا إن ثبت أحسنُ الأجوبة فيكون من جملة ما تكفَّل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ببيانه، والعلم عند الله تعالى.
وأمَّا متى يهلكُ، ومن يقتله فإنَّه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلِّها إلَّا مكَّة المكرمة والمدينة، ثمَّ يقصد بيت المقدس فينزل عيسى عليه السَّلام فيقتله، أخرجه مسلم. وفي حديث هشام بن عامر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( ما بين خلقِ آدم عليه السَّلام إلى قيام السَّاعة فتنةٌ أعظمُ من الدَّجَّال ) ). أخرجه الحاكم. وعند الحاكم من طريق قتادة عن أبي الطُّفيل عن حُذيفة بن أسيدٍ رفعه (( أنَّه يخرج _ يعني الدَّجّال _ في خفَّةٍ من الدِّين، فيَرِدُ كلَّ منهلٍ، وتُطوى له الأرض ) ).
ج 29 ص 472
وأخرج نُعيم بن حمادٍ في كتاب «الفتن» من طريق كعب الأحبار قال (( يتوجَّه الدَّجَّال فينزلُ عند باب دمشق الشَّرقيّ ثمَّ يلتمس فلا يقدر عليه ثمَّ يرى عند المياه الَّتي عند نهر الكسوة، ثمَّ يطلبُ فلا يدري أين توجَّه، ثمَّ يظهر بالمشرق فيعطى الخلافة، ثمَّ يظهر السِّحر ثمَّ يدّعي النُّبوّة فيتفرَّق النَّاس عنه فيأتي النَّهر فيأمره أن يسيلَ إليه فيسيل، ثمَّ يأمره أن يرجعَ فيرجع، ثمَّ يأمره أن ييبسَ فييبس، ويأمرُ جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحان، ويأمر الرِّيح أن تثيرَ سحابًا من البحر فيمطر الأرض ويخوض البحر في يومٍ ثلاث خوضاتٍ لا يبلغ حقويه وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمدُّ الطَّويلة في البحر، فتبلغ قعره فيخرجُ من الحيتان ما يريد ) ).
وأخرج أبو نعيمٍ في ترجمة حسَّان بن عطيَّة أحد ثقات التَّابعين من «الحلية» بسندٍ صحيح إليه قال (( لا ينجو من الفتنة إلَّا اثنا عشر رجلًا، وسبعة آلاف امرأة ) )وهذا لا يقال من قبل الرَّأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذَه عن بعضِ أهل الكتابِ.
هذا وقال الكرمانيُّ هو شخصٌ ابتلى الله عبادهُ به وأقدره على أشياء من مقدوراتِ الله تعالى من إحياء الميِّت، واتِّباع كنوزِ الأرض، وإمطار السَّماء، وإنبات الأرض بأمرهِ، ثمَّ يعجزه الله عزَّ وجلَّ بعد ذلك فلا يقدرُ على شيءٍ من ذلك، وهو يكون مدَّعيًا للإلهيَّة، وهو في نفسِ دعواه مكذِّب لها بصورة حاله من انتقاصه بالعَوَر وعجزه عن إزالته عن نفسهِ، وعن إزالة الشَّاهد بكفره المكتوب بين عينيه.
فإن قيل إظهار المعجز على يد الكاذبِ ليس بممكنٍ. أُجيب بأنَّه يدَّعي الإلهيَّة، واستحالته ظاهرةٌ، فلا محذور فيه، بخلاف مدِّعي النَّبوّة فإنَّه ممكنٌ، فلو أتى الكاذب فيها بمعجزةٍ لالتبس النَّبيّ بالمتنبّئ، وفائدة تمكينه من هذه الخوارق امتحانُ العباد.