فهرس الكتاب

الصفحة 10551 من 11127

7121 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن هرمز الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ) تقدَّم أنَّ المراد بهما علي ومن معه ومعاوية ومن معه، قاله الكرمانيّ.

وعن ابن مندهْ أخرجه ابن عساكر في ترجمة معاوية من طريقه، ثمَّ من طريق أبي القاسم ابن أخي أبي زُرعة الرَّازيّ قال جاء رجلٌ إلى عمِّي فقال له إنِّي أبغضُ معاوية قال لم؟ قال لأنَّه قاتل عليًّا بغير حقٍّ، فقال له أبو زُرعة ربُّ معاوية ربٌّ رحيم، وخصمُ معاوية خصمٌ كريمٌ، فما دخولك بينهما، وقيل الفئتان الخوارج وعلي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه.

(يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ) ذكر ابن أبي خيثمة أنَّ الَّذي قتل من الفريقين سبعون ألفًا وقيل أكثر (دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ) أي دينهما واحدٌ وهو الإسلام ويتأوَّل كلٌّ منهما أنَّها محقّة، فالكلُّ مسلمون يدّعون الإسلام عند الحرب، وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله.

ويؤخذ منه الرَّد على الخوارج ومن معهم في تكفيرهم كلًّا من الطَّائفتين، وكان سببُ تقاتل الطَّائفتين ما أخرجه يعقوبُ بن سفيان بسندٍ جيدٍ عن الزُّهريّ، قال لمَّا بلغَ معاوية غَلَبةُ عليّ على أهل الجَمَل دعا إلى الطَّلب بدمِ عثمان، فأجابه أهل الشَّام، فسارَ إليه عليّ، فالتقيا بصفّين.

وقد ذكر يحيى بن سليمان الجعفيّ أحد شيوخ البخاريّ في كتاب «صفّين» من تأليفه بسندٍ جيدٍ عن أبي مسلم الخولانيّ أنَّه قال لمعاوية أنت تنازع عليًّا في الخلافة أوَأنت مثله، قال لا وإنِّي لأعلم أنَّه أفضل منِّي وأحقُّ بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان قتل مظلومًا وأنا ابن عمِّه ووليّه أطلبُ بدمه، فأتوا عليًّا فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان، فأتوه فكلَّموه، فقال يدخل في البيعة ويحاكمهم إليّ.

فامتنع معاوية فسار عليٌّ في الجيوش من العراق حتَّى نزل بصفّين، وسار معاوية حتَّى نزلَ هناك وذلك في ذي الحجَّة سنة ستٍّ وثلاثين، فتراسلوا فلم يتمَّ لهم أمرٌ، فوقعَ القتال إلى أن قُتلَ من الفريقين نحو سبعين ألفًا، وقيل كانوا أكثر من ذلك، وكان يقال كان بينهم أكثر من سبعين زحفًا.

وعند ابن سعدٍ

ج 29 ص 464

أنَّهم التقيا بصفّين في العشر الأول من المحرم، وأوَّل ما اقتتلوا في غرّة صفر فلمَّا كاد أهل الشَّام أن يُغلَبوا رفعوا المصاحف بمشورة عَمرو بن العاص ودعوا إلى ما فيها، فآل الأمر إلى الحكمين فجرى ما جرى من اختلافهما واستبداد معاوية بملك الشَّام واشتغال عليّ بالخوارج.

(وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى يُبْعَثَ) أي يظهر (دَجَّالُونَ) بفتح الدّال، جمع دجّال، يقال دجل فلانٌ الحقَّ بباطله؛ أي غطَّاه، ومنه أُخذ الدَّجال، ودجله سحره، وقيل سمِّي الدَّجّال دجّالًا لتمويهه على النَّاس وتلبيسه، يقال دجل إذا موَّه ودلّس، والدَّجّال يطلق في اللُّغة على أوجهٍ كثيرة منها الكذَّاب، كما قال هنا دجّالون، والمراد بالبعث الإظهار، لا البعث بمعنى الرِّسالة، ويستفاد منه أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى، وأنَّ جميع الأمور بتقديره.

(كَذَّابُونَ) ولا يجمع ما كان على فَعّال جمع تكسير عند جماهير النُّحاة؛ لئلَّا يذهبَ بناء المبالغة منه، فلا يقال إلَّا دجَّالون، كما قال صلى الله عليه وسلم هنا، وإن كان قد جاء مكسّرًا، فهو شاذٌّ، كما قال مالك بن أنس ومحمَّد بن إسحاق إنَّما هو دجّالٌ من الدَّجاجلة، قال عبد الله بن إدريس الأوديّ وما علمت أنَّ دجَّالًا يجمع على دجاجلة حتَّى سمعتها من مالك بن أنسٍ.

ثمَّ الفرق بينهم وبين الدَّجّال الأكبر أنَّهم يدّعون النُّبوّة، وهو يدَّعي الإلهيَّة، لكن كلُّهم يشتركون في التَّمويه وادَّعاء الباطل العظيم، وقد وجد كثيرٌ منهم فضحهم الله وأهلكهم.

(قَرِيبٌ) مرفوع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي عددهم قريب، قال الكرماني أو منصوب مكتوب بلا ألف على اللغة الربعيَّة (مِنْ ثَلاَثِينَ) وقد وقع في حديث ثوبان بالجزم بأنَّهم ثلاثون وهو (( سيكون في أمَّتي كذَّابون ثلاثون كلُّهم يزعم أنَّه نبيٌّ وأنا خاتم النَّبييّن لا نبيَّ بعدي ) ). أخرجه أبو داود والتِّرمذيّ وصحَّحه ابن حبَّان، وروى أبو يعلى من حديث عبد الله بن عَمرو (( بين يدي السَّاعة ثلاثون دجّالًا كذّابًا ) )، وكذا رواه أحمد من حديث عليٍّ رضي الله عنه، والطَّبرانيّ من حديث ابن مسعود. وروى أحمد والطَّبرانيّ من حديث سَمُرة المصدّر بالكسوف، وفيه (( ولا تقوم السَّاعة حتَّى يخرج ثلاثون كذّابًا آخرهم الأعور الدَّجّال ) )، وروى الطَّبرانيّ من حديث عبد الله بن عَمرو (( لا تقوم السَّاعة حتَّى يخرج سبعون كذّابًا ) )، وسنده ضعيفٌ.

وكذا عند أبي يَعلى من حديث أنسٍ وهو أيضًا ضعيفٌ، وهو إن ثبت فهو محمولٌ على الكثرة لا على التَّحديد، وأمَّا التَّحرير ففيما أخرجه أحمد عن حذيفة

ج 29 ص 465

بسندٍ جيدٍ (( سيكون في أمَّتي كذَّابون دجّالون سبعة وعشرون ومنهم أربع نسوة وإنِّي خاتم النَّبيين لا نبيّ بعدي ) )، وهذا يدلُّ على أنَّ رواية الثَّلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر، ويؤيِّده قوله في حديث الباب قريبٌ من ثلاثين.

قال القسطلانيّ وقد ظهر ما في هذا الحديث فلو عدَّ من ادَّعى النُّبوّة من زمنه صلى الله عليه وسلم ممَّن اشتهر بذلك واتَّبعه جماعةٌ على الضَّلالة لوجد هذا العدد، ومن طالع كتب الأخبار والتَّواريخ وجد ذلك، وفي حديث ابن الزُّبير (( إنَّ بين يدي السَّاعة ثلاثين كذّابًا منهم الأسود العنسيّ صاحب صنعاء وصاحب اليمامة مسيلمة ) )وخرج في زمن أبي بكرٍ رضي الله عنه طُليحة _ بالتَّصغير _ ابن خويلد، وادَّعى النُّبوّة ثمَّ تاب ورجع إلى الإسلام، وتنبّأت أيضًا سَجَاح ثمَّ تزوّجها مسيلمة، ثمَّ رجعت بعده، والله تعالى أعلم.

(كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ) هذا ظاهرٌ في أنَّ كلًّا منهم يدَّعي النُّبوّة، وهذا السِّرّ في قوله في آخر الحديث الماضي (( وإنِّي خاتم النَّبييّن ) )، ويحتمل أن يكون الَّذين يدّعون النُّبوّة منهم ما ذكر من الثَّلاثين أو نحوها، وأنَّ من زاد على العدد المذكور يكون كذّابًا فقط لكن يدعو إلى الضَّلالة كغُلاة الرَّافضة والباطنيّة، وأهل الوَحْدة والحُلوليَّة وسائر الفرق الدُّعاة إلى ما يعلم بالضَّرورة أنَّه خلاف ما جاء به محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيِّده أنَّ في حديث علي عند أحمد فقال عليٌّ لعبد الله بن الكوّاء وإنَّك لمنهم، وابن الكوّاء لم يدّعِ النُّبوّة، وإنَّما كان يغلو في الرَّفض.

(وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ) بقبض العلماء، وقد وقعَ مثلُ ذلك فلم يبق إلَّا رسمه (وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ) وقد وقع في كثيرٍ من البلاد الشَّماليّة والشَّرقية والغربيَّة كثيرٌ من الزَّلازل، ولكن الَّذي يظهر أنَّ المرادَ بكثرتها شمولُها ودوامُها حتَّى قيل إنَّها استمرَّت في بلدةٍ من بلاد الرُّوم الَّتي للمسلمين ثلاثة عشر شهرًا، وفي حديث سلمة بن نُفيل عند أحمد (( وبين يدي السَّاعة سنوات الزَّلازل ) )، وله عن أبي سعيدٍ (( تكثر الصَّواعق عند اقتراب السَّاعة ) ).

(وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ) عند زمان المهديّ لوقوع الأمن في الأرض، فيستلذُّ العيش عند ذلك لانبساط عَدلهِ فيستقصر مدَّته؛ لأنَّهم يستقصرون مدَّة أيَّام الرَّخاء

ج 29 ص 466

وإن طالت، ويستطيلون أيَّام الشِّدة وإن قَصُرَت، أو المراد تقاربُ أهل الزَّمان في الجهل، فيكونون كلُّهم جهلاء، أو المراد الحقيقة بأن يعتدلَ اللَّيل والنَّهار دائمًا، بأن ينطبقَ منطقة البروج على معدل النَّهار.

(وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ) أي تكثر وتشتهرُ فلا تُكتم (وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ) بفتح الهاء وسكون الرّاء بعدها جيم (وَهُوَ الْقَتْلُ) وفي رواية ابن أبي شيبة (( قالوا يا رسول الله، وما الهرج؟ قال القتل ) )، وهو صريحٌ في أنَّ تفسير الهرج مرفوعٌ، ولا يعارضه كونه جاء موقوفًا في غير هذه الرِّواية، ولا كونه بلسان الحبشة (وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ) بالنَّصب عطفًا على سابقه من الفيضان، وهو أن يكثر حتَّى يسيل كالوادي (حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ) بضمّ الياء وكسر الهاء وتشديد الميم. قال ابن بطَّال (( ربّ ) )هو مفعوله و (( من يقبل ) )فاعله؛ أي يحزن ربّ المال الَّذي يقبل صدقته، وقال النَّوويّ بضم الياء وكسر الهاء، وبفتح الياء وضمّ الهاء وحينئذٍ يكون الربّ فاعلًا؛ أي يقصد من يقبله.

قال الكرمانيّ وعلى الأوَّل ظاهره أن يقال من لا يقبل، وقيل يريد به من شأنه أن يكون قابلًا له.

(وَحَتَّى يَعْرِضَهُ) قال الطِّيبيّ معطوف على مقدّر، والمعنى حتَّى يُهِمَّ طلبُ من يقبل الصَّدقة صاحب المال في طلبه حتَّى يجدَه وحتَّى يعرضَه (فَيَقُولَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحموي والمستملي (الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لاَ أَرَبَ لِي بِهِ) أي لا حاجة.

قال القرطبيّ في «تذكرته» هذا ممَّا لم يقع بل يكون فيما يأتي، وقال الحافظ العَسقلانيّ التَّقييد بقوله فيكم يشعر بأنَّه محمولٌ على زمن الصَّحابة فيكون إشارةً إلى ما وقع من الفتوح واقتسام أموال الفرس والرُّوم، ويكون قوله (( فيفيض حتَّى يُهِمَّ ... ) )إلى آخره إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز من أنَّ الرَّجل كان يَعرضُ ماله للصَّدقة فلا يجدُ من يقبلُ صدقته، ويكون قوله (( وحتَّى يعرضَه فيقول ... ) )إلى آخره إشارةً إلى ما سيقعُ في زمن عيسى عليه السَّلام، فيكون في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال

الأولى إلى كثرة المال فقط، وقد كان ذلك في زمن الصَّحابة ومن ثمَّة قيل فيه يكثر فيكم.

الثَّانية فيضه بحيث يكثرُ ويحصلُ استغناء كلّ أحدٍ عن أخذ مال غيره، ووقعَ ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز.

الثَّالثة كثرته وحصول

ج 29 ص 467

الاستغناء عنه حتَّى يُهِمّ صاحب المال لكونه لا يجد من يقبل صدقته ويزداد بأنَّه يعرضه على غيره، ولو كان ممَّن يستحقُّ الصَّدقة فيأبى أخذَه، وهذا في زمن عيسى عليه السَّلام، ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النَّار واشتغال النَّاس بأمر الحشر، فلا يلتفت أحدٌ حينئذٍ إلى المال بل يقصد أن يتخفّف ما استطاع.

(وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ) بأن كلًّا ممَّن يبني يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد المباهاة به في الزِّينة والزخرفة أو أعمَّ من ذلك، وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد (وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ) لما يرى من عظم البلاء ورياسة الجهلاء وخمولِ العلماء واستيلاء الباطل في الأحكام وعموم الظُّلم، واستحلال الحرام، والتَّحكم بغير حقٍّ في الأموال والأعراض والأبدان، كما في هذا الزَّمان، فقد علا الباطلُ على الحقِّ وتغلَّب العبيد على الأحرار من سادات الخلق فباعوا الأحكام ورضيَ بذلك منهم الحكَّام، فلا حول ولا قوّة إلَّا بالله، ولا ملجأَ من الله إلَّا إليه، قاله القسطلانيّ.

(وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ) وفي نسخة زيادة (آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ {لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام 158] ) وفي هذه الآية مباحث حسنة تتعلَّق بعلم العربيَّة، وعليها يبني مسائل من أصول الدِّين، وذلك أنَّ المعتزلي، يقول مجرَّد الإيمان الصَّحيح لا يكفي بل لا بدَّ من انضمام عملٍ يقترن به ويصدّقه، واستدلَّ بظاهر الآية، كما قال في «الكشاف» {لم تكن آمنت من قبل} صفة لقوله {نفسًا} وقوله {أو كسبت في إيمانها خيرًا} عطف على {آمنت} .

والمعنى أنَّ أشراط السَّاعة إذا جاءت وهي آياتٌ ملجئة مضطرة ذهبَ أوان التَّكليف عندها فلم ينفع الإيمان حينئذٍ نفسًا غير مقدّمة إيمانها قبل ظهورِ الآيات، أو مقدَّمة إيمانها غير كاسبة خيرًا في إيمانها فلم يفرق كما ترى بين النَّفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النَّفس الَّتي آمنت في وقتها ولم تكسب خيرًا ليعلم أنَّ قوله

ج 29 ص 468

{الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} جمع بين قرينتين لا ينبغي أن ينفكَّ أحدهما من الأخرى حتَّى يفوزَ صاحبهما ويسعد، وإلَّا فالشَّقاوة والهلاك، انتهى.

وقد أُجيب عن هذا الظَّاهر بأنَّ المعنى بالآية الكريمة أنَّه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفسًا كافرةً إيمانها الَّتي أوقعته إذ ذاك، ولا ينفعُ نفسًا سبق إيمانها وما كسبت فيه خيرًا فقد علق نفع [1] الإيمان بأحد وصفين، إمَّا نفي سبق الإيمان فقط، وإمَّا سبقه مع نفي كسب الخير، ومفهومه أنَّه ينفعُ الإيمان السَّابق وحدَه، أو السَّابق ومعه الخير، ومفهوم الصِّفة قويٌّ فيستدلُّ بالآية لمذهب أهل السُّنّة فقد قلبوا دليلهم عليهم.

وقال ابن المنيّر ناصر الدِّين هو يروم الاستدلال على أنَّ الكافر أو العاصي في الخلود سواء حيث سوّى في الآية بينهما في عدمِ الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات، ولا يتمُّ ذلك فإنَّ هذا الكلام في البلاغة يلقب باللَّف، وأصله يوم يأتي بعضُ آياتِ ربِّك لا ينفعُ نفسًا إيمانُها لم تكن مؤمنةً قبل إيمانها بعد، ولا نفسًا لم تكسب خيرًا قبل ما تكسبه من الخير بعد، فلفّ الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا إيجازًا وبلاغةً، ويظهر بذلك أنَّها لا تخالف مذهب الحقِّ فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير وإن نفع الإيمان المتقدِّم من الخلود فهي بالرَّد على مذهبه أولى من أن تدلَّ عليه.

وعند ابن مردويه عن عبد الله بن أبي أوفى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( ليأتينَّ على النَّاس ليلةٌ تعدلُ ثلاث ليالٍ من لياليكم هذه فإذا كان ذلك يعرفها المتنفّلون يقومُ أحدهم فيقرأ حزبَه ثمَّ ينام، ثمَّ يقوم فيقرأ حزبه ثمَّ ينام، فبينما هم كذلك صاح النَّاس بعضهم في بعضٍ فقالوا ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشَّمس قد طلعت من مغربها حتَّى إذا صارت في وسط السَّماء رجعت وطلعت من مطلعها، قال حينئذٍ لا ينفع نفسًا إيمانها ) ). قال ابن كثير هذا حديثٌ غريب من هذا الوجه وليس هو في شيءٍ من الكتب الستة.

(وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا) بغير تحتيّة بعد الموحّدة في ثوبهما ليتبايعانه (فَلاَ يَتَبَايَعَانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ) وعند الحاكم من حديث

ج 29 ص 469

عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( تطلعُ عليكم قبل السَّاعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل التّرس فما تزالُ ترتفع حتَّى تملأ السَّماء، ثمَّ ينادي منادٍ يا أيُّها النَّاس، ثلاثًا يقول في الثالثة أتى أمر الله قال والَّذي نفسي بيده إنَّ الرَّجلين لينشران الثَّوب بينهما فما يطويانه ) )الحديث.

ووقع عند مسلمٍ من رواية سفيان عن أبي الزِّناد (( ويتبايعان الثَّوب فلا يتبايعانه حتَّى تقوم ) ). وفي رواية البيهقي في «الشّعب» من طريق محمَّد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه (( ولتقومنَّ السَّاعة على رجلين قد نشرا بينهما ثوبًا يتبايعانه فلا يتبايعانه ولا يطويانه ) )، ونسبة الثَّوب إليهما في الرِّواية الأولى باعتبار الحقيقة في أحدهما، والمجاز في الآخر لأنَّ أحدهما مالك والآخر مُستام.

وقوله في الرِّواية الأخرى (( يتبايعانه ) )؛ أي يتساومان فيه، مالكُه والَّذي يريد شراءه، فلا يتمُّ بينهما ذلك من بغتة قيام السَّاعة، فلا يتبايعانه ولا يطويانه.

(وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ) بكسر اللّام وسكون القاف بعدها حاء مهملة، وهي اللّبون من النَّاقة، وقيل هي القريبةُ العهد بالولادة (فَلاَ يَطْعَمُهُ) أي فلا يشربه (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ) أي الرَّجل (يُلِيطُ) بضمّ التّحتيّة وكسر اللّام بعدها تحتيّة ساكنة فطاء مهملة؛ أي يُصلح بالطِّين (حَوْضَهُ) يقال لاطَ يليط ويلوط إذا طينه وأصلحه وألصقَه، ويقال لاطَ حبّه بقلبي يليط ويلوط ليطًا ولوطًا ولياطة. وقال الجوهريُّ لطت الحوض بالطِّين ألوطُه لوطًا؛ أي طيّنته، وقال الهرويّ كلُّ شيءٍ لصق بشيءٍ فقد لاطَ به يلوط لوطًا ويليط أيضًا.

(فَلاَ يَسْقِي مِنْهُ) أي تقوم السَّاعة قبل أن يسقَى منه، وفي حديث عبد الله بن عَمرو عند الحاكم، وأصله في مسلم (( ثمَّ يُنفخ في الصُّور فيكون أوَّل من سمعه رجلٌ يلوطُ حوضه فيصعق ) )، ففي هذا بيان السَّبب في كونه لا يسقى من حوضه شيئًا. ووقع عند مسلمٍ (( والرَّجل يليط في حوضه فما يصدر ) )؛ أي يفرغ أو ينفصل عنه حتَّى تقوم.

(وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ) أي الرَّجل (أُكْلَتَهُ) بضمّ الهمزة؛ أي لقمته (إِلَى فِيهِ) أي فمه (فَلاَ يَطْعَمُهَا) أي تقوم السَّاعة قبل أن يضعَ لقمته في فمه، أو قبل أن يمضغَها أو يبتلعَها. وعند البيهقيّ في «الشّعب» من طريق محمَّد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( تقوم السَّاعة على رجلٍ أكلته في فيهِ يلوكها فلا يسفّها ولا يلفظها ) )

ج 29 ص 470

وهذا كلُّه إشارةٌ إلى أنَّ السَّاعة تقومُ بغتة وأسرعها رفع اللُّقمة إلى الفم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، والحديث من أفراده.

[1] في هامش الأصل نفى نفع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت