وقال الحافظ العسقلانيّ كأنَّه يشير إلى حديث أنسٍ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثًا فيه والرُّؤيا لأوّل عابرٍ، وهو حديثٌ ضعيفٌ فيه يزيد الرَّقاشيّ، ولكن له شاهدٌ أخرجه أبو داود والتِّرمذيّ وابن ماجه بسندٍ حسنٍ وصحَّحه الحاكم عن أبي رَزِين العقيليّ رفعه (( الرُّؤيا على رِجْلِ طائرٍ ما لم تُعبَّر، فإذا عُبِّرت وقعت ) )لفظ أبي داود. وفي رواية التِّرمذيّ (( سقطت ) )، وفي مرسل أبي قلابة عند عبد الرَّزاق (( الرُّؤيا تقع على ما تعبّر، مثل ذلك مثل رجلٍ رفع رجلَه فهو ينتظرُ متى يضعها ) ). وأخرجه الحاكم موصولًا بذكر أنسٍ، وعند سعيد بن منصور بسندٍ صحيحٍ عن عطاء كان يقال الرُّؤيا على ما أُوِّلت. وعند الدَّارميّ بسندٍ حسنٍ عن سليمان بن يسار
ج 29 ص 333
عن عائشة رضي الله عنها قالت كانت امرأةٌ من أهل المدينة لها زوجٌ تاجرٌ يختلف يعني في التِّجارة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إنَّ زوجي غائبٌ وتركني حاملًا، فرأيت في المنام أنَّ سارية بيتي انكسرت، وإنِّي ولدت غلامًا أعور، فقال (( خيرٌ يرجعُ زوجك إن شاء الله صالحًا، وتلدين غلامًا برًّا ) )فذكرت ذلك ثلاثًا [1] ، فجاءت ورسول الله صلى الله عليه وسلم غائبٌ فسألتُها، فأخبرتني بالمنام فقلت (( لئن صدقت رؤياك ليموتنَّ زوجُك، وتلدين غلامًا فاجرًا ) )فقعدت تبكي، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( مه يا عائشة، إذا عبّرتم للمسلم الرُّؤيا فاعبروها على خيرٍ، فإنَّ الرُّؤيا تكون على ما يعبّرها صاحبها ) ).
وعند سعيد بن منصور من مرسل عطاء بن أبي رباح قال جاءت امرأةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إنِّي رأيت كأنَّ جائز بيتي انكسر وكان زوجها غائبًا فقال (( ردَّ الله عليك زوجك ) )فرجع سالمًا الحديث، ولكن فيه أنَّ أبا بكر أو عمر الَّذي عبَّر لها الرُّؤيا الأخيرة، وليس فيه الخبر الأخير المرفوع.
فأشار البخاريُّ إلى تخصيصِ ذلك بما إذا كان العابر مصيبًا في تعبيره، وأخذه من قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ رضي الله عنه في حديث الباب [خ¦7046] (( أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا ) )، فإنَّه يؤخذُ منه أنَّ الَّذي أخطأ فيه لو بيّنه له لكان الَّذي بيّنه له هو التَّعبير الصَّحيح، ولا عبرة بالتَّعبير الأوَّل.
قال أبو عبيد وغيره معنى قوله (( الرُّؤيا لأوَّل عابرٍ ) )إذا كان العابر الأوَّل عالمًا، فعبر فأصاب وجه التَّعبير، وإلَّا فهي لمن أصابَ بعده، إذ ليس المدار إلَّا على إصابة الصَّواب في تعبير المنام ليتوصّل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسألَ غيره، وإن لم يصبْ فليسأل الثَّاني، وعليه أن يخبرَ بما عنده ويبين ما جهل الأوَّل.
وقال الحافظ العَسقلانيّ وهذا التَّأويل لا يساعده حديث أبي رزين (( أنَّ الرُّؤيا إذا عبّرت وقعت ) )إلَّا أن يدّعي تخصيصَ عبّرت
ج 29 ص 334
بأن يكون عابرها عالمًا مصيبًا، ويعكِّر عليه قوله في الرُّؤيا المكروهة، ولا يحدِّث بها أحدًا، فقيل في حكمة النَّهي أنَّه ربَّما فسَّرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهرها مع احتمالِ أن تكون محبوبةً في الباطن، فتقعُ على ما فسَّر.
ويمكن الجواب بأنَّ ذلك يتعلَّق بالرَّائي، فله إذا قصَّها على أحدٍ ففسَّرها له على المكروهِ أن يبادرَ فيسألَ غيره ممَّن يصيبُ، فلا يتحتَّم وقوع الأوَّل بل يقعُ تأويل من أصاب، فإن قصَّر الرَّائي فلم يسأل الثَّاني وقعتْ على ما فسر الأوَّل.
ومن أدب المعبّر ما أخرجه عبد الرَّزاق عن عمر رضي الله عنه أنَّه كتبَ إلى أبي موسى رضي الله عنه (( فإذا رأى أحدكُم رؤيا فقصَّها على أخيه، فليقل خيرٌ لنا وشرٌّ لأعدائنا ) )، ورجاله ثقاتٌ، ولكن سندهُ منقطعٌ.
وأخرج الطَّبرانيّ والبيهقيّ في «الدلائل» من حديث ابن زِمْل _ بكسر الزّاي وسكون الميم بعدها لام _ ولم يسمَّ في الرِّواية، وسمَّاه أبو عمر في «الاستيعاب» عبد الله الجهنيّ قال كان النَّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الصُّبح قال (( هل رأى أحدٌ منكم شيئًا؟ ) )قال ابن زِمْل فقلت أنا يا رسول الله، قال (( خيرًا تلقاه وشرًّا توقَّاه، وخيرٌ لنا وشرٌّ على أعدائنا، والحمد لله ربّ العالمين، اقصص رؤياك ) )الحديث، وسنده ضعيف جدًّا.
وذكر أئمَّة التَّعبير أنَّ من أدب الرَّائي أن يكون صادق اللَّهجة، وأن ينام على وضوءٍ على جنبه الأيمن، ويقرأ عند نومه والشَّمس واللّيل والتِّين، وسورتي الإخلاص والمعوذتين.
ويقول اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من سيّء الأحلامِ، وأستجيرُ بك من تلاعبِ الشَّيطان في اليقظة والمنام، اللهمَّ إنِّي أسألك رؤيا صالحةً صادقةً نافعةً حافظة غير منسيّةٍ، اللهمَّ أرني في منامي ما أحبّ.
ومن أدبه أن لا يقصَّها على امرأةٍ، ولا عدوٍّ، ولا جاهلٍ، ومن أدب العابر أن لا يعبرها عند طلوع الشَّمس ولا عند غروبها، ولا عند الزَّوال ولا في اللَّيل.
[1] في هامش الأصل في نسخة فرأت ذلك ثانيًا فجاءت.