7046 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزوميّ مولاهم المصريّ بالميم ونسبه لجدِّه، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ
ج 29 ص 335
المصريّ (عَنْ يُونُسَ) هو ابن يزيد الأيليّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريّ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتَّصغير (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) أي ابن مسعودٍ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) كذا لأكثر أصحاب الزُّهريّ، وتردَّد الزُّبيديّ هل هو عن ابن عبَّاس أو أبي هريرة رضي الله عنهم، واختلف على سفيان بن عيينة ومَعمر، فأخرجه مسلمٌ عن محمَّد بن رافع عن عبد الرَّزاق عن مَعْمَر عن الزُّهريّ عن عبيد الله عن ابن عبَّاس، أو أبي هريرة، قال عبد الرَّزاق كان معمر يقول أحيانًا عن أبي هريرة، وأحيانًا يقول عن ابن عبَّاس.
وذكر الحميديّ أنَّ سفيان بن عيينة كان لا يذكر فيه ابن عبَّاس قال فلمَّا كان في آخر زمانه أثبت فيه ابن عبَّاس أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» من طريق الحميديّ هكذا، وأخرج أبو داود وابن ماجه عن محمَّد بن يحيى الذُّهلي عن عبد الرَّزاق، فقال فيه عن ابن عبَّاس قال كان أبو هريرة يحدِّث، وهكذا أخرجه البزَّار عن سلمة بن شبيب عن عبد الرَّزاق، وقال لا نعلم أحدًا، قال عن عبيد الله عن ابن عبَّاس عن أبي هريرة إلَّا عبد الرَّزاق عن معمر ورواه غير واحدٍ فلم يذكروا أبا هريرة، انتهى.
(كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ العَسقلانيّ لم أقف على اسمه، ووقع عند مسلم زيادة في أوله من طريق سليمان بن أبي كثيرٍ عن الزُّهريّ ولفظه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ممَّا يقول لأصحابه (( من رأى منكم رؤيا فليقصَّها أعبّرها ) )، فجاء رجلٌ فقال .. إلى آخره.
قال القرطبيُّ فليقصَّها بالتَّذكير، ليذكر قصَّتها ويتتبع جزئياتها حتَّى لا يتركَ شيئًا، مِنْ قَصَصْتُ الأثر إذا اتّبعتَه، وأعبِّرها؛ أي أفسِّرها، ووقع بيان الوقت الَّذي وقع فيه ذلك في رواية سفيان بن عيينة عند مسلمٍ أيضًا، ولفظه جاء رجلٌ إلى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم مُنْصَرَفَه من أُحُدٍ، وعلى هذا فهو من مرسل [1] الصَّحابة سواء كان عن ابن عبَّاس، أو عن أبي هريرة، أو من رواية ابن عبَّاس عن أبي هريرة؛ لأنَّ كلًا منهما لم يكن في ذلك الزَّمان بالمدينة.
أمَّا ابن عبَّاس فكان صغيرًا مع أبويه بمكَّة فإنَّ مولده قبل الهجرة بثلاث سنين على الصَّحيح، وأُحُد كانت في شوَّال في السّنة الثَّالثة، وأمَّا أبو هريرة فإنَّما قدم المدينة زمن خيبر في أوائل سنة سبع.
(أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ) يا رسول الله (إِنِّي رَأَيْتُ) كذا في رواية الأكثر، وفي رواية ابن وهب
ج 29 ص 336
(( إنِّي أرى ) )كأنَّه لقوَّة تحقُّقه الرُّؤيا كانت ممثلة بين يديه [2] حتَّى كأنَّه يراها حينئذٍ (اللَّيْلَةَ) أي البارحة، كما في نسخة (فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً) بضمّ الظّاء المعجمة وتشديد اللّام؛ أي سحابة لها ظلَّة، وكلُّ ما أظلَّ من سقيفةٍ ونحوها يسمَّى ظلَّة، قاله الخطَّابيّ.
وقال ابن فارس الظُّلة أوَّل شيءٍ يظلّ، وزاد سليمان بن كثير في روايته عند الدَّارمي وأبي عَوَانة وكذا في رواية سفيان بن عُيينة عند ابن ماجه (( بين السَّماء والأرض ) ).
(تَنْطُفُ) بسكون النّون وضمّ الطّاء المهملة وكسرها؛ أي تقطر، من نطف الماء إذا سال، وقال ابن فارس ليلة تنطف أمطرت إلى الصُّبح (السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ) أي يأخذون بأكفُّهم (مِنْهَا) وفي رواية ابن وهب (( بأيديهم ) ).
قال الخليل تكفَّف بسط كفَّه ليأخذ، ووقع في رواية التِّرمذيّ من طريق مَعمر (( يستقون ) )بمهملة ومثنّاة وقاف؛ أي يأخذون في الأسقية، وقال القرطبيُّ يحتمل أن يكون معنى (( يتكفَّفون ) )يأخذون كفايتهم، وهو أليقُ بقوله بعد ذلك (( فالمستكثر والمستقلّ ) ). وتعقَّبه الحافظ العَسقلانيّ وقال وما أدري كيف جوز أخذ كَفَى مِنْ كفَّ، ولا حجَّة فيما احتجَّ به؟.
(فَالْمُسْتَكْثِرُ) أي فمنهم المستكثر في الأخذ (وَ) منهم (الْمُسْتَقِلُّ) فيه؛ أي منهم الآخذ كثيرًا والآخذ قليلًا. ووقع في رواية سليمان بن كثير بغير ألف ولام فيهما، وفي رواية سفيان بن حسين عند أحمد (( بين مستكثرٍ ومستقلٍّ وبين ذلك ) ) (وَإِذَا سَبَبٌ) أي حبل (وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ) وفي رواية ابن وهب (( وأرى سببًا وأصلًا من السَّماء إلى الأرض ) )، وفي رواية سليمان بن كثير (( ورأيت لها سببًا واصلًا ) )، وفي رواية سفيان بن حسين (( وكان سببًا دُلّيَ من السَّماء ) ).
قال العينيّ (( واصل ) )من الوصول، وقيل هو بمعنى الموصول، كقوله {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقة 21] ؛ أي مرضيَّة.
(فَأَرَاكَ) يا رسول الله (أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ) وفي رواية سليمان بن كثير (( فأعلاك الله ) ) (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) أي
ج 29 ص 337
بالسَّبب، وفي رواية ابن عساكر زاد ابن وهب في روايته (( من بعد ) )، وفي رواية ابن عيينة وابن حسين (( من بعدك ) )في الموضعين (رَجُلٌ آخَرُ فَعَلاَ بِهِ) زاد سليمان بن كثير (( فأعلاه الله ) )وهكذا في رواية سفيان وابن حسين (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) وفي رواية ابن عساكر أيضًا (رَجُلٌ آخَرُ فَعَلاَ بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) وفي رواية ابن عساكر أيضًا (رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ) زاد ابن وهب هنا (( به ) )، وفي رواية سفيان وابن حسين (( ثمَّ جاء رجلٌ من بعدكم فأخذ به فقطع ) ).
(ثُمَّ وُصِلَ) بضمّ الواو وكسر الصّاد، في رواية ابن وهب (( فوصل له ) )، وفي رواية سليمان (( فقطع به ثمَّ وصل له فاتَّصل ) )، وفي رواية سفيان وابن حسين (( ثمَّ وصل له ) ) (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (بِأَبِي أَنْتَ) مفدَّى، وفي رواية معمر (( بأبي وأمِّي ) ) (وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي) بفتح اللَّام للتَّأكيد، والدال والعين وكسر النُّون المشدَّدة لتتركنّي، وفي رواية سليمان (( ائذن لي ) ) (فَأَعْبُرَهَا) بضمِّ الموحَّدة وفتح الراء، وفي رواية ابن وهب (( فلأعبرنَّها ) )بزيادة التَّأكيد باللَّام والنُّون. ومثله في رواية التِّرمذيّ [3] ، وزاد سليمان في روايته (( وكان من أعبر النَّاس للرُّؤيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) له (اعْبُرْ) أمرٌ مِنْ عَبَر يَعْبُر، وفي رواية أبي ذرٍّ بالضّمير المنصوب، وفي رواية سفيان عند ابن ماجه (( عبِّرها ) )بالتّشديد، وفي رواية سفيان وابن حسين (( فأذن له ) ) (قَالَ) أبو بكرٍ رضي الله عنه (أَمَّا الظُّلَّةُ فَالإِسْلاَمُ) وفي رواية ابن وهب، وكذا لمعمر والزُّبيدي (( فظلَّة الإسلام ) )لأنَّ الظُّلة نعمةٌ من نعم الله على أهل الجنَّة، وكذلك كانت على بني إسرائيل، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم تظلِّله الغمامة قبل نبوَّته، وكذلك الإسلام نفى الأذى، وينعم به المؤمن في الدُّنيا والآخرة، كذا قال المهلَّب.
(وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنَ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالْقُرْآنُ، حَلاَوَتُهُ) ويروى (تَنْطُفُ) وفي رواية ابن وهب (( حلاوته ولينه ) )وكذا في رواية سفيان ومَعْمَر، وبيَّنه سليمان بن كثير في روايته فقال
ج 29 ص 338
(( وأمَّا العسل والسَّمن فالقرآن في حلاوة العسل ولين السَّمن ) ).
وقال المهلَّب وأمَّا العسل فإنَّ الله تعالى جعله شفاء للنَّاس، قال تعالى في حقِّ العسل {شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل 69] ، وفي القرآن {شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس 57] ولا ريب أنَّ تلاوة القرآن تحلو في الأسماع كحلاوة العسل في المذاق بل أحلى، وكذلك جاء في الحديث أنَّ في السَّمن شفاء.
(فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ) منه، وفي رواية سفيان (( فالآخذ من القرآن كثيرًا وقليلًا ) )، وفي رواية سليمان بن كثير (( فهم حملة القرآن ) ) (وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ) أي يرفعك به، وفي رواية سفيان (( وأمَّا السَّبب فما أنت عليه، تعلو فيعليك الله ) ) (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ) وفي نسخة .
(رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ) زاد سفيان (( على منهاجك ) ) (فَيَعْلُو بِهِ) فُسَّر بالصِّدِّيق رضي الله عنه؛ لأنَّه يقوم بالحقِّ بعده صلى الله عليه وسلم في أمته (ثُمَّ يَأْخُذ رَجُلٌ آخَرُ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره هو عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه، زاد ابن وهب (( من بعدكما ) ) (فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني، وفي رواية غيره (رَجُلٌ آخَرُ) هو عثمان بن عفَّان رضي الله عنه (فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو) زاد سفيان (( فيعليه الله ) )يعني أنَّ عثمان رضي الله عنه كان ينقطع عن اللَّحاق بصاحبيه بسبب ما وقع له من تلك القضايا الَّتي أنكروها، فعبَّر عنها بانقطاع الحبل، ثمَّ وقعت له الشَّهادة فاتَّصل فالتحقَ بهم. كذا قال الحافظ العَسقلانيّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا خلاف ما يقتضيه معنى قوله ثمَّ يوصل له فيعلو به، فافهم.
(فَأَخْبِرْنِي) بكسر الموحّدة وسكون الرّاء (يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ) مفدَّى (أَصَبْتُ) في هذا التَّعبير (أَمْ أَخْطَأْتُ؟) وفي رواية سفيان (( هل أصبتُ يا رسول الله أو أخطأتُ ) ) (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) له (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) قال المهلَّب الخطأ فيه حيث زاد (( له ) )والوصلُ لغيره، وكان ينبغي له أن يقفَ حيث وقفت الرُّؤيا، ويقول ثمَّ يوصل على نص الرُّؤيا، ولا يذكر الموصول له، فإنَّ المعنى أنَّ عثمان رضي الله عنه انقطعَ به الحبل ثمَّ وصل لغيره؛ أي وصلت الخلافة لغيره.
وقال القاضي عياض
ج 29 ص 339
قيل خطأه في قوله فيوصل (( له ) )، وليس في الرُّؤيا إلَّا أنَّه يوصل وليس فيها (( له ) )، ولذلك لم توصل لعثمان رضي الله عنه، وإنَّما وصلت الخلافة لعليٍّ رضي الله عنه، وقال الحافظ العَسقلاني لفظة (( له ) )ثابتةٌ في رواية ابن وهب وغيره كلُّهم عن يونس عند مسلمٍ وغيره. وقيل الخطأ هنا بمعنى التَّرك؛ أي تركت بعضًا لم تفسره، وقال الإسماعيليّ قيل السَّبب في قوله (( أخطأتَ بعضًا ) )أنَّ الرَّجل لمَّا قصَّ على النَّبيّ صلى الله عليه وسلم رؤياه، كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أحقَّ بتعبيرها من غيره، فلمَّا طلب تعبيرها كان ذلك خطأ، فقال أخطأت بعضًا لهذا المعنى.
والمراد بقوله قيل؛ ابن قتيبة، فإنَّه السَّابق لذلك، فقال إنَّما أخطأ في مبادرته تعبيرها قبل أن يأمره به، ووافقه على ذلك جماعةٌ، وتعقَّبه النَّوويّ تبعًا لغيره فقال هذا فاسدٌ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قد أذن له في ذلك، وقال اعبرها.
وقال الحافظ العَسقلانيّ مراد ابن قتيبة أنَّه لم يأذن له ابتداء بل بادرَ هو فسأل أن يأذنَ له في تعبيرها فأذن له، وقال أخطأت في مبادرتك للسُّؤال إلى أن تتولَّى تعبيرها لا أنَّه أرادَ أخطأت في تعبيرك، لكن في إطلاق الخطأ على ذلك نظرٌ؛ لأنَّه خلاف ما يتبادر للسَّمع من جواب قوله هل أصبت؟ فإن الظَّاهر أنَّه أراد الإصابة والخطأ في تعبيره، لا لكونه التمس التَّعبير.
ومن ثمَّة قال ابن التِّين ومن بعده الأشبه بظاهر الحديث أنَّ الخطأ في تأويل الرُّؤيا؛ أي أخطأتَ في بعض تأويلك، ويؤيِّده تبويب البخاريّ حيث قال من لم ير الرُّؤيا لأوّل عابرٍ إذا لم يُصِبْ.
ونقل ابن التِّين عن أبي محمَّد ابن أبي زيدٍ وأبي محمَّد الأَصيليّ والدَّاوديّ نحو ما نقله الإسماعيليّ ولفظهم أخطأ في سؤاله أن يعبّرها، وفي تعبيره لها بحضرة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال ابن هبيرة إنَّما كان الخطأ لكونه أقسم ليعبرنَّها بحضرة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ولو كان
ج 29 ص 340
في التَّعبير لم يقرّه عليه، وأمَّا قوله (( لا تقسم ) )فمعناه أنَّك إذا تفكَّرت فيما أخطأتَ به علمته.
قال والَّذي يظهرُ لي أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه أرادَ أن يعبرها، فيسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقوله، فيعرف أبو بكرٍ بذلك معرفة علم نفسه لتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن التِّين وقيل أخطأَ لكون المذكور شيئين العسل والسَّمن، ففسَّرهما بشيءٍ واحدٍ، وكان ينبغي أن يفسِّرهما بالقرآن والسُّنَّة، ذكر ذلك عن الطَّحاوي، وحكاه الخطيبُ عن أهل العلم بالتَّعبير. وجزم به ابنُ العربيّ فقال قالوا هنا وهم أبو بكر رضي الله عنه، فإنَّه جعل السَّمن والعسل بمعنى واحدٍ وهما معنيان القرآن والسُّنَّة، قال ويحتمل أن يكون السَّمن والعسل العلم والعمل، ويحتمل أن يكون الفهم والحفظ، وأيَّد ابن الجوزيّ ما نسب للطَّحاويّ بما أخرجه عن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما قال رأيت فيما يرى النَّائم لكأن في إحدى إصبعيّ سمنًا، وفي الأخرى عسلًا، فأنا ألعقهما، فلمَّا أصبحت ذكرت ذلك للنَّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال (( تقرأ الكتابين التَّوراة والقرآن [4] ) )فكان يقرأهما ففسَّر العسل بشيءٍ، والسَّمن بشيءٍ.
ويؤيِّده أيضًا أنَّهما بيانٌ للكتاب المنزّل عليه والسُّنَّة، وبهما تتمُّ الأحكام، كتمام اللَّذة بهما، وقيل وجه الخطأ أنَّ الصَّواب في التَّعبير أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم هو الظُّلة، والسَّمن والعسل القرآن والسُّنَّة. وقال في «المصابيح» لا يكاد ينقضِي العجب من هؤلاء الَّذين تعرَّضوا إلى تعيين الخطأ في هذه الواقعة مع سكوت النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وامتناعه منه بعد سؤال أبي بكرٍ رضي الله عنه له في ذلك حيث (قَالَ فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ) فيه، وثبت قوله في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ تُقْسِمْ) فكيف لا يَسَعُ هؤلاء من السُّكوت ما وسع النَّبيّ
ج 29 ص 341
صلى الله عليه وسلم، وماذا يترتَّب على ذلك من الفائدة، فالسُّكوت عن ذلك هو المتعيّن، انتهى.
وحكى ابن العربي أنَّ بعضهم سُئل عن بيان الوجه الَّذي أخطأ فيه أبو بكرٍ رضي الله عنه فقال من الَّذي يعرفه؟، ولئن كان تقدُّم أبي بكرٍ رضي الله عنه بين يدي النَّبيّ صلى الله عليه وسلم للتَّعبير خطأ، فالتَّقدم بين يدي أبي بكرٍ لتعيين خطأه أعظم، فالَّذي يقتضيه الدِّين الكفُّ عن ذلك.
وأجاب الكرمانيّ بأنَّهم إنَّما أقدموا على تعيين ذلك مع أنَّه صلى الله عليه وسلم سكت عنه؛ لأنَّ هذه الاحتمالات لا جزم فيها، أو كان يلزم في بيانه مفاسد للنَّاس، واليوم زال ذلك.
قال الحافظ العَسقلانيّ أثابه الله جميع ما ذُكر من لفظ الخطأ والوهم ونحوهما إنَّما أحكيه عن قائليه، ولست راضيًا بإطلاقهِ في حقِّ الصِّديق رضي الله عنه، انتهى.
وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تقسم بعد إقسام أبي بكرٍ رضي الله عنه ) )؛ أي لا تكرِّر يمينك فإنِّي لا أخبرك، وقيل معناه إنَّك إذا تفكَّرت فيما أخطأتَ به علمته، قال النَّوويّ قيل إنَّما لم يبرّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قَسَمَ أبي بكرٍ رضي الله عنه؛ لأنَّ إبرار القسم مخصوصٌ بما إذا لم يكن هناك مفسدةٌ ولا مشقَّة ظاهرة، فإن وجد ذلك فلا إبرار، ولعلَّ المفسدة في ذلك ما علمه من سبب انقطاع السَّبب بعثمان رضي الله عنه وهو قتله، وتلك الحروب والفتن المترتِّبة عليه، فكره ذكرها خوف شيوعها، ويحتمل أن يكون سبب ذلك أنَّه لو ذكر له للزم منه أن يوبِّخه بين النَّاس لمبادرته، ويحتمل أن يكون خطأه في ترك تعيين الرِّجال المذكورين، فلو أبرَّ قسمه للزم أن يعيّنهم، ولم يؤمر بذلك إذ لو عيّنهم لكان نصًّا على خلافتهم، وقد سبقتْ مشيئة الله أنَّ الخلافة تكون على هذا الوجه، فترك تعيينهم خشية أن يقعَ في ذلك مفسدة، وقيل هو علمُ غَيْبٍ، فجاز أن يختصَّ به ولا يجوز الاطِّلاع عليه؛ أي لكلِّ واحدٍ، فيحتمل أن يكون منعه ذلك لما سأله جهارًا، وأن يكون أعلمه بذلك سرًّا.
وفي «التَّوضيح» وكذا إذا أقسمَ على ما لا يجوز أن يقسمَ عليه، كشرب الخمر والمعاصي، ففَرْضٌ عليه أن لا يبرّه.
وفي الحديث أنَّه لا يستحبُّ إبرار القسم إذا كان فيه مفسدة، وفيه أنَّ من قال أقسم لا كفَّارة عليه؛ لأنَّ أبا بكرٍ لم يزد على قوله أقسمت، كذا قال القاضي عياض، وردّه
ج 29 ص 342
بأنَّ الَّذي في جميع النُّسخ [5] أنَّه قال (( فوالله يا رسول الله لتحدثني ) )، وهذا صريحُ يمين.
وفيه الحثُّ على علم الرُّؤيا وعلى تعبيرها، وترك إغفال السُّؤال عنه، وفضيلتها لما يشمل عليه من الاطِّلاع على بعض الغيب وإسرار الكائنات. قال ابن هبيرة وفي السُّؤال عن أبي بكرٍ أوّلًا وآخرًا، وجواب النَّبيّ صلى الله عليه وسلم دلالةٌ على انبساط أبي بكرٍ رضي الله عنه معه صلى الله عليه وسلم وإدلاله عليه.
وفيه أنَّ الرُّؤيا لا يعبّرها إلَّا عالمٌ ناصحٌ أمين حبيب.
وفيه أنَّ العابر قد يخطئُ وقد يصيب، وأنَّ للعالم بالتَّعبير أن يسكتَ عن تعبير الرُّؤيا أو بعضها عند رجحان الكتمان على الذِّكر. قال المهلَّب ومحلُّه إذا كان في ذلك عموم، فأمَّا لو كانت مخصوصةً لواحد مثلًا فلا بأس أن يخبر ليفيد الصَّبر، ويكون على أُهبة من نزول الحادثة.
وفيه جواز إظهار العالم ما يحسن من العلم إذا خلصت نيَّته، وأمن العجب.
وفيه جواز فتوى المفضول بحضرةِ الفاضل إذا كان مشارًا إليه بالعلم والإمامة إذا أذن له صريحًا أو دلالةً.
وفيه أنَّ للتِّلميذ أن يقسمَ على معلِّمه أن يفيده الحكم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من آخر الحديث، وقد أخرجه مسلمٌ في (( التَّعبير ) )، وأبو داود في (( الأيمان والنّذور ) )، والنَّسائيّ وابن ماجه في (( الرُّؤيا ) ).
[1] في هامش الأصل في نسخة صحيحة مراسيل.
[2] في هامش الأصل في نسخة عينيه.
[3] في هامش الأصل في نسخة صحيحة الزبيدي.
[4] في هامش الأصل في نسخة والفرقان.
[5] في هامش الأصل في نسخة صحيحة الذي في نسخ صحيح مسلم.