9 - (باب) يذكر فيه قوله تعالى ( {وَحَرَامٌ} ) ولأبي ذرٍّ وأبي الوقت وابن عساكرَ < {وحِرْم} > بكسر الحاء وسكون الراء، وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بن عيَّاش، وهما لغتان كالحلِّ والحلال وزنًا، وضدُّه معنى، وجاء في الشَّواذِّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قراءة أخرى بفتح أوله وتثليث الراء، وبالضم [أشهر] ، وبضم أوله وتشديد الراء المكسورة.
قال الرَّاغب في قوله تعالى {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [القصص 12] هو تحريم تسخيرٍ، وحمل بعضهم عليه قوله {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ} [الأنبياء 95] ؛ أي وممتنع.
( {عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} ) وفي «الكشاف» استعير الحرام للممتنع وجوده، ومنه قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف 50] ؛ أي منعهما منهم، وأبى أن يكونا لهم، ومعنى أهلكناها عزمنا على إهلاكها، أو قدَّرنا إهلاكها، ومعنى الرُّجوع الرُّجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة، ومجاز الآية أنَّ قومًا عزم الله على إهلاكهم غير متصوَّرٍ أن يرجعوا ويُنيبوا إلى أن تقومَ القيامة فحينئذٍ يرجعون. انتهى.
والظَّاهر كما قاله بعضهم إنَّ المعنى وحرامٌ على قريةٍ أهلكناها عدم رجوعهم إلينا في القيامة، فتكون الآية واردةً في تقدير أمر البعث والتَّفخيم لشأنه، وهذا يتعيَّن المصير إليه لأوجهٍ
أحدها أنَّه ليس فيه مخالفة للأصول بخلاف غيره، فإنَّه يدَّعي فيه زيادةً «لا» ، وكونه في طائفة مخصوصة، وكون «حرام» بمعنى ممتنع، أو بمعنى واجب، كما قيل في قوله
~وَإنَّ حَرَامًَا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا عَلَى شَجْوِهِ إِلَّا بَكَيْتُ عَلَى عَمْرو
الثاني أنَّ سياق الآية قبلها وبعدها واردٌ في أمر البعث، وهو قوله {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء 93] ، وقوله {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ} [الأنبياء 96] .
الثالث أنَّ حملها على الرُّجوع إلى الدُّنيا لا كبير [1] فائدة فيه، فإنَّه معلومٌ عند المخاطبين من الموافقين والمخالفين، وحملها على الرُّجوع إلى القيامة أكثر فائدة، فإنَّ الكفَّار ينكرونه، فأكَّد وفخم تهديدًا لهم وزجرًا.
وقوله تعالى في سورة هود ( {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} ) إقناطٌ من إيمانهم، وأنَّه غير متوقَّع منهم، وقوله تعالى في سورة نوح ( {وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا} ) أي إلَّا من إذا بلغ فَجَر وكفر، كذا جمع بين كل بعض، بعض من الآيتين، وهما من سورتين إشارةً إلى ما ورد في تفسير ذلك.
وقد أخرج الطَّبري من طريق يزيد بن زُريع عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة قال ما قال نوح رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ
ج 27 ص 572
مِنَ الْكَافِرِينَ إلى قوله {كفارًا} [نوح 26 - 27] إلَّا بعد أن نزلَ عليه {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ} [هود 36] .
قال الحافظ العسقلاني ودخول ذلك في «أبواب القدر» ظاهرٌ، فإنَّه يقتضِي سبقَ علم الله عزَّ وجلَّ بما يقعُ من عبيده. وقال الكرمانيُّ الغرض من هذه الآيات أنَّ الإيمان والكفر بتقدير الله تعالى.
(وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ) هو اليَشْكُري _ بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وضم الكاف _ بصري سكن مرو ثمَّ بخارى، وما له في البخاريِّ سوى هذا الموضع، وفي حاشية الفرع كأصله صوابه منصور بن المعتمر، قال وفي حاشية أصل أبي ذرٍّ صوابه ، وكذا في أصل الأَصيلي وابن عساكر.
وقال الحافظ العسقلاني وقد زعم بعض المتأخِّرين أنَّ الصَّواب منصور بن المعتمر، والعلم عند الله تعالى.
(عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (وَحِرْمٌ) بكسر الحاء وسكون الراء (بِالْحَبَشِيَّةِ وَجَبَ) .
قال الحافظ العسقلاني لم أقف على هذا التعليق موصولًا، وقرأت بخط مغلطاي صاحب «التلويح» ، وتبعه شيخنا ابنُ الملقِّن صاحب «التوضيح» وغيره فقالوا أخرجه أبو جعفر عن ابنِ قَهزاد عن أبي عَوانة، ولم أقف على ذلك في «تفسير أبي جعفر الطَّبري» ، وإنَّما فيه، وفي «تفسير عبد بن حميد» ، وابن أبي حاتم جميعًا من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأنبياء 95] قال وجب.
ومن طريق سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال حرم عزم، ومن طريق عطاء عن عكرمة وحرم وجب بالحبشيَّة، وبالسَّند الأوَّل قال وقوله {أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} ؛ أي لا يتوب منهم تائبٌ.
قال الطَّبري معناه أنَّهم أُهلكوا بالطَّبع على قلوبهم فهم لا يرجعون عن الكفر، وقيل معناه يمتنعُ على الكفرة الهالكين أنَّهم لا يرجعون إلى عذاب الله، وقيل فيه أقوالٌ أخر، والأولى أقوى، وهو مراد المصنف بالتَّرجمة. والمطابق لِمَا ذُكر معه من الآثار والحديث. انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّ هذا مجرَّد تشنيعٍ، وعدم وقوفه على هذا لا يستلزمُ عدمُ وقوف غيره،
ج 27 ص 573
ونُسَخ الطَّبري كثيرة؛ فلا تخلو عن زيادةٍ ونقصان.
[1] في هامش الأصل في نسخة لا كثير.