6612 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية، أبو أحمد المروزي الحافظ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أي ابن همام، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيه) طاوس بن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ) بفتحتين، وهو مقارفة صغار الذُّنوب. وقال الرَّاغب اللَّمم مقارفة المعصية، ويُعبَّر به عن الصَّغيرة، وأصله. ما يلمُّ به الشَّخص من شهوات النَّفس، وقيل أصله ما قلَّ وصغر.
ومنه اللَّمم وهو المسُّ من الجنون، وألمَّ بالمكان قلَّ لُبثه فيه، وألمَّ بالطَّعام قلَّ أكله منه.
وقال أبو العبَّاس أصل اللَّمم أن يلمَّ بالشَّيء من غير أن يرتكبَه، يقال ألمَّ بكذا إذا قاربه ولم يخالطه. وقال جرير
~بِنَفْسِي مَنْ تَجَنُّبُهُ عَزِيزٌ عَلَيَّ وَمَنْ زِيَارَتُهُ لِمَامُ
وقال آخر
~مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا
(مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه قال (إِنَّ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (كَتَبَ) أي قدَّر (عَلَى ابْنِ آدَمَ) وأمر الملَك بكتابة (حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا) بالقصر؛ أي نصيبه منه، و «من» بيانيَّة (أَدْرَكَ) أي أصاب (ذَلِكَ) المكتوب المقدَّر (لاَ مَحَالَةَ) بفتح الميم والحاء المهملة؛ أي لا بدَّ له من عملِ ذلك ولا تَحَوُّلَ له عنه.
قال ابن بطَّال كلُّ ما كتبَه الله على الآدميِّ فهو قد سبقَ في علم الله تعالى، ولا بدَّ أن يدركه المكتوب عليه، وأنَّ الإنسان لا يستطيعُ دفع ذلك عن نفسه إلَّا أنَّه يُلام إذا واقع ما نُهيَ عنه؛ لتمكُّنه من التَّمسُّك بالطَّاعة، فبذلك [يندفع قول] القدريَّة والمجبِّرة، ويحتمل أن يراد به أثبت؛ أي أثبت فيه الشَّهوة، والميل إلى النِّساء، وخلق فيه العينين والأذنين والقلب، وهي الَّتي تجد لذَّة الزِّنا.
(فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ) إلى ما لا يحلُّ النَّظر إليه(وَزِنَا اللِّسَانِ
ج 27 ص 574
الْمَنْطِقُ)بميم مفتوحة فنون ساكنة فطاء مهملة مكسورة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بلا ميم وضم النون وسكون الطاء. وقال ابن مسعود رضي الله عنه العينان تزنيان بالنَّظر، والشَّفتان تزنيان وزناهما التَّقبيل، واليدان تزنيان وزناهما اللَّمس، والرِّجلان تزنيان وزناهما المشي.
(وَالنَّفْسُ تَمَنَّى) فعل مضارع أصله تتمنى، حذفت منه إحدى التاءين (وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ) النَّظر والتَّمنِّي، بأن يقعَ في الزِّنا بالوطء (وَيُكَذِّبُهُ) بأن يمتنعَ من ذلك خوفًا من ربِّه تعالى، وفي رواية أبي ذرٍّ وإن امتنعَ وخاف ربَّه يكتب له حسنة، وسُمِّي ما ذكر من نظرَ العين وغيره زنا؛ لأنَّها من دواعيهِ ومقدِّماته، مؤذنةٌ بوقوعه فهو من إطلاق اسم السَّبب على المسبِّب مجازًا، ونسب التَّصديق الَّذي هو الحكمُ بمطابقة الخبر للواقع، والتَّكذيب الَّذي هو عكسه للفرج؛ لأنَّه منشأه ومكانه، فكان الفرج هو المُوقع فيكون تشبيهًا، ويحتمل أن يريد أنَّ الاتِّباع مستلزمٌ للحكم بها عادةً فيكون كنايةً.
وقال الطِّيبي شبَّه صورة حال الإنسان من إرسال الطَّرف الَّذي هو رائدُ القلب إلى النَّظر إلى المحارم، وإصغائه بالأذن إلى السَّماع، ثمَّ انبعاث القلب إلى الاشتهاء والتَّمنِّي، ثمَّ استدعائه منه، فصار ما يتمنَّى ويشتهي باستعمال الرِّجلين في المشي، واليدين في البطش، والفرج في تحقيق مشتهاه، فإذا مضى الإنسان على ما استدعاه القلب حقق متمنَّاه، فإذا امتنع عن ذلك خيَّبه فيه بحالة رجلٍ يخبره صاحبه بما يزينه له، ويُغويه عليه، فهو إمَّا يصدِّقه ويمضي على ما أرادَه منه، أو يكذِّبه، ثمَّ استعمل في حال المشبه ما كان مستعملًا في جانبِ المشبه به من التَّصديق والتَّكذيب؛ ليكون قرينةً للتَّمثيل.
هذا والمفهوم من كلام ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ اللَّمم هو النَّظر والمنطق.
وقال الخطَّابي المراد باللَّمم ما ذكره الله تعالى في قوله عزَّ وجلَّ {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم 32]
ج 27 ص 575
وهو المعفوُّ عنه. وقال في الآية الأخرى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء 31] ، فيُؤخذ من الآيتين أنَّ اللَّمم من الصِّغائر، وأنَّه يكفَّر باجتناب الكبائر.
وقد تقدَّم بيان ذلك في الكلامِ على حديث (( من همَّ بحسنةٍ ومن همَّ بسيئة ) )وسط «كتاب الرِّقاق» [خ¦6491] . وقال ابن بطَّال تفضَّل الله عزَّ وجلَّ على عباده بغفران اللَّمم إذا لم يكن للفرج تصديقٌ بها، فإذا صدَّقها الفرج كان كبيرة. ونقل الفرَّاء أنَّ بعضَهم زعم أنَّ «إلَّا» في قوله (( {إلَّا اللَّمم} ) )بمعنى الواو، وأنكره وقال إلَّا صغائر الذُّنوب فإنَّها تكفَّر باجتنابِ الكبائر.
وفي قوله (( والنفس تشتهي والفرج يصدِّق أو يكذِّب ) )ما يستدلُّ به على أنَّ العبدَ لا يخلق شيئًا من أفعال نفسه؛ لأنَّه قد يريد الزِّنا مثلًا ويشتهيهِ ولا يطاوعه العضو الَّذي يريد أن يزنى به، وتُعجزه الحيلة فيه، ولا يدري لذلك سببًا، ولو كان خالقًا لفعله لَمَا عجز عن فعل ما يريدُه مع وجود الطَّواعية، واستحكام الشَّهوة، فدلَّ على أنَّ ذلك فعلٌ مقدَّر يقدِّرها إذا شاء، ويعطِّلها إذا شاء.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ الزِّنا ودواعيه كلُّ ذلك مكتوبٌ مقدَّرٌ على العبد غير خارجٍ من سابق قدره، كما أنَّ الآيات المذكورة تدلُّ على أنَّ كلَّ شيءٍ غير خارجٍ عن سابق قدره.
(وَقَالَ شَبَابَةُ) بفتح الشين المعجمة وتخفيف الباء الموحدة الأولى، هو ابنُ سَوَّار _ بفتح المهملة والواو المشددة _ الفزاري، روى عنه محمود (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو والقاف بينهما راء ساكنة آخره قاف ممدودة، مؤنَّث الأورق، ابن عمر، أبو بشر الحافظ الخَوَارزمي، سكن المدينة (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال الحافظُ العسقلاني كان طاوسًا سمعَ القصَّة من ابن عبَّاس عن أبي هريرة، وكان سمعَ الحديث من أبي هريرة، أو سمعَه من أبي هريرة بعد أن سمعَه من ابن عبَّاس.
ووصل هذا التَّعليق صاحب «التلويح» فقال روِّيناه في «معجم الطَّبراني الأوسط» فقال حدثنا عمر بن عثمان أخبرنا ابنُ المنادى عنه،
ج 27 ص 576
فذكره، وتبعَه في ذلك صاحب «التوضيح» .
وقال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على رواية شبابة هذه موصولة، وكنت قرأت بخطِّ مغلطاي وتبعه شيخنا ابنُ الملقِّن أنَّ الطَّبراني وصلها في «المعجم الأوسط» فلم أجدهَا.
وتعقَّبه العيني بأنَّ صاحب «التلويح» صرَّح بأنَّه رواهُ، وتبعه أيضًا صاحب «التوضيح» الذي هو شيخُ هذا القائل مع علمهِ بأنَّ المثبت مقدَّمٌ على النَّافي، ولكن عرق العصبيَّة ينبضُ، فيؤدِّي صاحبها إلى حطِّ من هو أكبرُ منه في العلم والسِّنِّ والقدم، فليتأمَّل [1] .
[1] رحم الله تعالى الشيوخ وغفر للعيني نقمته على الحافط ابن حجر وسامح الله تعالى الجميع ورزقهم جنات وأنهارًا.