فهرس الكتاب

الصفحة 7027 من 11127

(((36 ) )) (سُورَةُ {يَس} ) وقال أبو العبَّاس هي مكيَّة بلا خلاف، نزلت قبل سورة الفرقان، وبعد سورة الجنِّ، وهي ثلاث وثمانون آية، وسبعمائة وتسع وعشرون كلمة، وثلاثة آلاف حرف، وسقط هذا لأبي ذرٍّ هنا، والصَّواب إثباتُه.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ {فَعَزَّزْنَا} شَدَّدْنَا) بتشديد الدال الأولى وإسكان الثانية؛ أي قال مجاهد في قوله تعالى {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس 14] أي شدَّدنا، والمفعول محذوف؛ أي فشددناهما بثالثٍ، وقد وصله الفريابيُّ من طريق مجاهد، وسقطَ هذا في رواية أبي ذرٍّ، ورواه أبو محمَّد بن أبي حاتم عن حجَّاج بن حمزة نا شبابة

ج 20 ص 535

نا ورقاء، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهد ولفظه في «تفسير» عبد بن حميد شددنا بثالث، وكانت رسل عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام الذين أرسلهم إلى صاحب أنطاكية ثلاثة صادق وصدوق وشلوم، والثَّالث هو شلوم، وقيل الثَّالث شمعون.

( {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} كَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ) أشار به إلى قوله تعالى {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس 30] وفسَّر الحسرة بقوله «استهزاؤهم بالرُّسل» في الدُّنيا، وصله الفريابيُّ كذلك. وقال أبو العالية لما عاينوا العذاب قالوا؛ أي الرُّسل الثَّلاثة {يا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ} حين لم ينفعهم الإيمان، وقد أخرج سعيد بنُ منصور، عن سفيان، عن عَمرو بن دينار، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما

ج 20 ص 536

أنَّه قرأ (( يا حَسْرَةَ العِبَاد ) )بالإضافة، والمعنى على تفسير مجاهد أنَّهم أحقَّاء بأن يتحسَّر عليهم المتحسِّرون، أو يتلهَّف عليهم المتلهِّفون، أو يتحسَّر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين.

ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى على سبيل الاستعارة تعظيمًا للأمر وتهويلًا له، فيكون كالواردِ في حقِّ الله تعالى من الضَّحك والسُّخرية. ونصب {يا حسرة} مع أنها منادى غير مضاف لطولها بالجار المتعلِّق لها، ويحتمل أن يكون على المصدر والمنادى محذوف؛ أي يا هؤلاء تحسُّروا حسرةً، وقيل معناه يقال يوم القيامة يا حسرة وندامةً على الكفَّار حيث لم يؤمنوا برسلهم؛ أي احضري فهذا وقتك، وقيل يقولُ الكفَّار يا حسرتنا وشدَّة ندامتنا حيث لم نؤمن.

( {أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} ) أشار به إلى قوله تعالى {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس 40] وفسَّر (( أن تدركَ القمر ) )بقوله (لاَ يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ) أي ستر أحدهما الآخر؛ لأنَّ لكلٍّ منهما حدًا لا يعدوهُ ولا يقصر دونه إلى قيام السَّاعة، فإذا اجتمعا وأدرك كلُّ واحدٍ صاحبه قامت القيامة، وذلك قوله تعالى {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة 9] وقال عبد الرَّزَّاق أخبرنا مَعمر عن الحسن في قوله تعالى {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} قال ذلك ليلة الهلال.

( {سَابِقُ النَّهَارِ} ) أي (( ولا اللَّيل سابق النَّهار ) ) [يس 40] (يَتَطَالَبَانِ) أي الشَّمس والقمر كل منهما يطلبُ صاحبه (حَثِيثَيْنِ) أي حال كونهما حثيثين؛ أي مجدين في الطَّلب لا فترة بينهما، بل كلٌّ منهما يعقبُ الآخر بلا مهلة ولا تراخٍ؛ لأنهما مسخَّران يتطالبان طلبًا حثيثًا فلا يجتمعان إلَّا في الوقت الذي حدَّه الله تعالى لهما، وهو يوم قيام السَّاعة.

( {نَسْلَخُ} نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أشار به إلى قوله تعالى {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس 37] وفسَّر قوله {نَسْلَخ} بقوله «نُخرج أحدهما من الآخر» .

قال في «اللُّباب» نسلخُ استعارة بديعة شبَّه انكشافَ ظلمة اللَّيل بكشطِ الجلد من الشَّاة.

وقوله «ويَجْري كلُّ واحد منهما» _ أي لمستقر _ إلى أبعد مغربهِ فلا يتجاوزه، ثمَّ يرجعُ، أو المراد بالمستقرِّ يوم القيامة، فالجريان في الدُّنيا غير منقطع. وفي التَّفسير ينزعُ ويخرج

ج 20 ص 537

منه النَّهار، وهذا وما قبله من قوله {أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} لم يثبت في رواية أبي ذرٍّ.

( {مِنْ مِثْلِهِ} مِنَ الأَنْعَامِ) أشار به إلى قوله تعالى {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [يس 42] أي من مثل الفلك من الأنعام ما يركبون كالإبل، فإنَّها سفائنُ البر، هذا قول مجاهد، وصله الفريابيُّ عنه. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال المراد بالمثل هنا السُّفن، ورُجِّح لقوله بعد {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ} [يس 43] إذ الغرق لا يكون في الأنعامِ، وعن أبي مالك هي السُّفن الصِّغار.

(((فَكِهُونَ ) )مُعْجَبُونَ) أشار به إلى قوله تعالى {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} [يس 55] وفسَّره بقوله «معجَبون» _ بفتح الجيم _، وفي روايةِ غير أبي ذرٍّ < {فاكهون} > يعني بالألف، وهي القراءةُ المشهورة، وقد وصله الفريابيُّ من طريق مجاهد بلفظ {فاكهون} ، قيل معجبون، وقال أبو عبيدة من قرأها {فاكهون} جعله كثير الفاكهة. وقال الكسائيُّ الفاكه ذو الفاكهة مثل تامر ولابن، قال الحُطيئة

~ وَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ لَابِنٌ فِي الصَّيْفِ تَامِرْ

أي عندك لبنٌ كثيرٌ وتمر كثير، وأمَّا فهي قراءة أبي جعفر وشيبة وهو بوزن فرحون، ومعناه مأخوذٌ من الفكاهة، وهي التلذُّذ والتنعُّم، وقد روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنها فرحون، وعن السُّدي ناعمون، وقيل بينهما فرق بالمبالغة وعدمها.

( {جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} عِنْدَ الْحِسَابِ) أشار به إلى قوله تعالى {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} [يس 75] يعني الكفَّار، والجند الشِّيعة والأعوان، محضرون كلُّهم عند الحساب، فلا يدفع بعضُهم عن بعض. قال ابنُ كثير يريد أنَّ هذه الأصنام محشورة مجموعةٌ يوم القيامة محضرة عند حساب عابديها؛ ليكون ذلك أبلغ في خزيهم، وأدلُّ في إقامة الحجَّة عليهم، وقد وصله الفريابيُّ من طريق مجاهد كذلك، ولم يثبت هذا في رواية أبي ذرٍّ.

(وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما ( {الْمَشْحُونِ} الْمُوقَرُ) أي ويذكرُ عن عكرمة في قوله تعالى {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس 41] أنَّ معناه المُوْقَر _ بضم الميم وسكون الواو وبعد القاف المفتوحة راء _، وفي التفسير {المَشْحُون} الموقر المملوء،

ج 20 ص 538

وهي سفينة نوح عليه السَّلام حملَ الآباء في السَّفينة والأبناء في الأصلابِ، وهذا أيضًا لم يثبت في رواية أبي ذرٍّ، وقد تقدَّم في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3412 قبل] ، وجاءَ مثله عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وصله الطَّبري من طريق سعيد بن جُبير عنه بإسنادٍ حسنٍ.

كذا في رواية أبي ذرٍّ هنا، وسقط في رواية غيره (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {طَائِرُكُمْ} مَصَائِبُكُمْ) أشار به إلى قوله تعالى {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} [يس 19] وفسَّره بقوله «مصائبكم» ، وقد تقدَّم في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3430 قبل] ، وللطَّبري من وجه آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال {طَائِرُكُمْ} أعمالكم، وعن قتادة مثله، وقال الحسنُ والأعرج طيركم، وقال أبو عبيدة {طائركم} ؛ أي حظَّكم من الخير والشرِّ.

( {يَنْسِلُونَ} يَخْرُجُونَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} [يس 51] وفسَّره بقوله «يخرجون» ، وصله ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

( {مَرْقَدِنَا} مَخْرَجِنَا) أشار به إلى قوله تعالى {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس 52] وفسَّر المرقد بالمخْرَجِ، وفي التفسير أي من منامنا، وقال ابنُ كثير يعنون قبورهُم التي كانوا يعتقدون في الدُّنيا أنَّهم لا يُبعثون منها، فلمَّا عاينوا ما كذَّبوه في محشرهم، قالوا {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس 52] انتهى.

وعن ابن عبَّاس وأبيِّ بن كعب وقتادة إنَّما يقولون هذا؛ لأنَّ الله تعالى يرفعُ عنهم العذابَ فيما بين النَّفختين فيرقدون، فإذا بُعثوا بعد النَّفخة الأخيرةِ وعاينوا القيامة دعوا بالويلِ، وقيل إنَّ الكفَّار لما عاينوا جهنَّم وأنواع عذابها صار ما عذبوا به في القبورِ في جنبها كالنَّوم، فقالوا {يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} .

( {أَحْصَيْنَاهُ} حَفِظْنَاهُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس 12] وفسَّر (( أحْصَيْنَاه ) )بقوله (( حفظناهُ ) )، وفي التفسير أي علمناه وعددناهُ وأثبتناه في إمام مبين؛ أي في اللَّوح المحفوظ. ( {مَكَانَتِهِمْ} وَمَكَانِهِمْ وَاحِدٌ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} [يس 67] وقال إنَّ المكانة والمكان واحد؛ أي بمعنى واحد، روى الطَّبري

ج 20 ص 539

من طريق العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} أيضًا لأهلكناهُم في مساكنهم، ويقال المعنى لو نشاء جعلناهُم قردةً وخنازيرَ في منازلهم أو حجارةً وهم قعود في منازلهم لا روح لهم، وقد سقط من قوله < {أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} إلى آخر قوله واحد> في رواية أبي ذرٍّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت