فهرس الكتاب

الصفحة 1331 من 11127

831 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ) بفتح اللام، هو أبو وائل، وفي رواية يحيى الآتية بعد باب (( عن الأعمش حدثني شقيق ) ) [خ¦835] (قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن مسعود رضي الله عنه.

ورجال هذا الإسناد ما بين حمصي ومدني، وقد أخرج متنه المؤلف في (( الصلاة ) )أيضًا [خ¦835] ، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه أيضًا في (( الصلاة ) ).

(كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) وفي رواية يحيى الآتية (( كنَّا إذا كنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصَّلاة ) ) [خ¦835] ، وفي رواية أبي داود عن مسدَّد شيخ البخاري عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال (( كنَّا إذا جلسنَا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصَّلاة ) )، ومثله للإسماعيليِّ من رواية محمد بن خلَّاد عن يحيى.

(قُلْنَا السَّلاَمُ عَلَى جِبْرِيلَ) وقع في هذه الرِّواية اختصار ثبت في رواية يحيى المذكورة (( قلنا السَّلام على الله من عباده ) )، وكذا وقع للبخاري فيها، وفي رواية أبي داود عن مسدَّد شيخ البخاري (( السَّلام على الله قبل عباده ) )، وكذا للمؤلف في (( الاستئذان ) ) [خ¦6230] من طريق حفصِ بن غياث عن الأعمش، وهو المشهور في أكثر الرِّوايات.

وبهذه الزِّيادة يتبيَّن موقع قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله هو السلام ) )، ولفظه في رواية يحيى (( لا تقولوا السلام على الله فإنَّ الله هو السلام ) ) [خ¦835] .

وفي جبرائيل سبع لغات الأولى على وزن تَغْشَلِيل. الثانية جَبْرَئِل بحذف الياء.

الثالثة

ج 4 ص 560

جَبْرِيل بحذف الهمزة. الرابعة على وزن قِنْدِيل، وقد قرئ بهذه الأربع.

الخامسة جَبْرَئلّ. السادسة جَبْرَائيل بوزن جَبْراعيل. السابعة جَبْرَائِل بوزن جَبْرَاعِل.

ومعناه عبد الله، ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة.

(وَمِيكَائِيلَ) فيه خمس لغات

الأولى مِيْكَال بوزن قِنْطَار.

الثانية مِيْكَائيل بوزن مِيْكَاعِيل.

الثالثة مِيْكَائِل بوزن مِيْكَاعِل، وقد قرئ بهذه الثلاث.

الرابعة مِيْكَئل بوزن مِيْكَعل.

الخامسة مِيْكَئيل بوزن مِيْكَعيل.

قال ابن جني العرب إذا نطقت بالأعجميِّ خلطت فيه.

(السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ) وفي رواية ابن ماجه (( عن عبد الله بن نُمير، عن الأعمش يعنون الملائكة ) )، وفي رواية الإسماعيلي (( عن علي بن مسهر فنعدُّ الملائكة ) )، وفي رواية السرَّاج (( عن محمد بن فضيل عن الأعمش فنعدُّ من الملائكة ما شاء الله ) ).

ثمَّ الأظهر ما قاله أبو عبد الله الأُبِّي إنَّ هذا استحسانًا منهم وأنَّه عليه الصلاة والسلام لم يسمعْه إلَّا حين أنكره عليهم، قال ووجهُ الإنكار عليهم عدم استقامة المعنى؛ لأنَّه عكس ما يجب أن يقال، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.

وقوله (( كنَّا ) )ليس من قبيل المرفوع حتَّى يكون منسوخًا بقوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله هو السَّلام ) )لأنَّ النسخ إنما يكون فيما يصحُّ معناه، وليس تكرر ذلك منهم مظنَّة سماعه له منهم؛ لأنَّه في التشهد وهو سرٌّ.

(فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ) ظاهره أنَّه كلَّمهم بذلك في أثناء الصَّلاة، وكذا وقع في رواية حصين عن أبي وائل _ وهو شقيق _ عند المؤلف في أواخر (( الصلاة ) ) [خ¦1202] بلفظ (( فسمعه النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال قولوا ) )لكن بيَّن حفصُ بن غياث في روايته المحلَّ الذي خاطبَهم بذلك فيه، وأنَّه بعد الفراغ من الصَّلاة، ولفظه (( فلمَّا انصرف النَّبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه ) ) [خ¦6230] ، وفي رواية عيسى بن يونس أيضًا (( فلمَّا انصرف من الصَّلاة قال ) ) (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ) وقد عرفت آنفًا وجه موقع هذا القول.

وقال البيضاويُّ ما حاصله أنَّه صلى الله عليه وسلم أنكر التَّسليم على الله، وبيَّن أنَّ ذلك عكس ما يجب أن يقال فإنَّ كلَّ سلامٍ ورحمةٍ له ومنه وهو مالكُهما ومعطيهما.

وقال التُّوْرِبشتي وجه النَّهي عن السلام على الله؛ لأنَّه المرجوع إليه بالمسائل المتعالي عن المعاني المذكورة، فكيف يدعى له وهو المدعوُّ على الحالات.

وقال الخطَّابي المراد أنَّ الله هو ذو السلام، فلا تقولوا السلام على الله، فإنَّ السلام منه بدأ وإليه يعود، ورجع الأمر في إضافته إليه أنَّه ذو السلام من كلِّ آفةٍ ونقصٍ وعيبٍ، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظِّ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك.

وقال النوويُّ معناه أنَّ السلام اسمٌ من أسماء

ج 4 ص 561

الله تعالى؛ يعني السَّالم من النَّقائض، ويقال المسلِّم أولياءَه، ويقال المسلِّم عليهم.

وقال ابن الأنباري أمرهم أن يصرفُوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السَّلامة، وغِناه سبحانه وتعالى عنها.

(فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ) بيَّن حفص في روايته محلَّ القول ولفظه (( فإذا جلسَ أحدُكم في الصَّلاة ) ) [خ¦6230] ، وفي رواية حصين (( إذا قعدَ أحدُكم في الصلاة ) ) [خ¦6328] .

وللنسائيِّ من طريق أبي الأحوص عن عبد الله (( كنَّا لا ندري ما نقول في كلِّ ركعتين وأنَّ محمدًا علَّم فواتح الخير وخواتمه، فقال إذا قعدتم في كلِّ ركعتين فقولوا ) ). وله من طريق الأسود عن عبد الله (( فقولوا في كلِّ جلسةٍ ) ).

ولابن خزيمة من وجه آخر عن الأسود عن عبد الله (( علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في وسط الصَّلاة وفي آخرها ) ). وزاد الطحاويُّ من هذا الوجه في أوله (( أخذت التشهُّد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقَّننيه كلمة كلمة ) ).

وفي رواية أخرى للمؤلف في (( الاستئذان ) )من طريق [أبي] معمر عن ابن مسعود رضي الله عنه (( علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهُّد وكفي بين كفَّيه كما يعلِّمني السورة من القرآن ) ) [خ¦6265] .

وقد استدلَّ بقوله (( فليقل ) )على الوجوب، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

(التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) جمع تحية ومعناها السَّلام، وقيل البقاء، وقيل العظمة، وقيل السَّلامة من الآفات والنقص، وقيل الملك.

وقال أبو سعيد الضَّرير ليست التحيَّة المَلِك نفسَهُ، لكنَّها الكلام الذي يُحيَّى به الملك.

وقال ابن قتيبة لم يكن يُحيَّى إلَّا الملك خاصَّةً، وكان لكلِّ ملك تحيَّة تخصُّه فلهذا جمعت، فكان المعنى التحيَّات التي كانوا يسلِّمون بها على الملوك كلِّها مستحقَّة لله تعالى.

وقال الخطابيُّ كلمات مخصوصة كانت العرب تُحييِّ بها الملوك نحو قولهم أبيت اللَّعن، وقولهم أنعم صباحًا، وقول العجم زِي دَه هزار سَال؛ أي عش عشرة آلاف سنة، ونحوه من عاداتهم في تحيَّة الملوك عند الملاقاة.

وهذه الألفاظُ لا يصلحُ شيءٌ منها للثَّناء على الله تعالى فتركتْ أعيان تلك الألفاظ وأبهمتْ، واستعمل منها معنى التَّعظيم، فقيل قولوا التحيَّات لله؛ أي أنواع التَّعظيم لله تعالى، كما يستحقُّه تعالى انتهى، وكذا قال البغوي.

وقال المحب الطبريُّ يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركًا بين المعاني المذكورة، وكونُها بمعنى السلام أنسب هنا، فليتأمل.

وروي عن أنس رضي الله عنه في أسماء الله السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبَّار الأحد الصَّمد، قال التحيات لله بهذه الأسماء ولا يُحيَّى بها غيره.

واللام في (( لله ) )للملك والتَّخصيص، وهي للأول أبلغ وللثَّاني أحسن.

(وَالصَّلَوَاتُ) هي الصَّلوات المعروفة الخمس، وغيرها من النَّوافل في كلِّ شريعةٍ،

ج 4 ص 562

وقال الأزهريُّ الصَّلوات العبادات.

وقال الشيخ تقيُّ الدِّين يحتمل أن يرادَ بها الصَّلوات المعهودة، ويكون التَّقدير أنَّها واجبةٌ لله ولا يجوز أن يقصدَ بها غيره، أو يكون ذلك إخبارًا عن قصد إخلاصنا الصَّلوات له؛ أي صلواتنا مخلصة له لا لغيره.

ويجوز أن يرادَ بالصَّلوات الرَّحمة ويكون معنى قوله (( لله ) )؛ أي المتفضِّل بها والمعطي هو الله تعالى؛ لأنَّ الرَّحمة التامَّة لله لا لغيره. وقيل المراد الدَّعوات لله؛ أي المستجيب لها هو الله تعالى.

(وَالطَّيِّبَاتُ) أي ما طاب من الكلام وحَسُنَ أن يُثنى به على الله تعالى دون ما لا يليقُ بصفاته ممَّا كان للملوك يُحيَّون به، وقيل (( الطَّيِّبات ) )ذكر الله، وقيل الأقوال الصَّالحة كالدُّعاء والثناء، وقيل الأعمال الصَّالحة وهو أعمُّ.

قال الشَّيخ تقي الدين قد فسِّرت (( الطيِّبات ) )بالأقوال الطَّيبات، ولعلَّ تفسيرها بما هو أعمُّ أولى أعني الطَّيبات من الأقوال والأفعال والأوصاف، وطِيْبُ الأوصاف كونها صفة الكمال وخلوصها عن شَوب النَّقص.

وقال الشيخ حافظ الدِّين النسفيُّ رحمه الله التحيَّات العبادات القوليَّة، والصَّلوات العبادات الفعلية، والطيِّبات العبادات المالية.

وقال القرطبيُّ قوله (( لله ) )فيه تنبيهٌ على الإخلاص في العبادة؛ أي أنَّ ذلك لا يُفعل إلَّا لله، ويحتمل أن يرادَ به الاعتراف بأنَّ مُلْكَ الملوكِ وغير ذلك ممَّا ذكر كله لله في الحقيقة.

وقال البيضاويُّ يحتمل أن تكون (( والصَّلوات والطَّيبات ) )معطوفين على التَّحيات، وأن تكون (( الصلوات ) )مبتدأ وخبره محذوف، والطَّيِّبات معطوفةٌ عليها فالواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثَّانية لعطف المفرد على المفرد.

وقال ابن مالك إن جعلت (( التحيَّات ) )مبتدأ ولم تكن صفة لموصوف محذوفٍ كان قولك والصَّلوات مبتدأ لئلَّا يعطف نعت على منعوته فيكون من باب عطف الجمل بعضِها على بعضٍ، وكلُّ جملة مستقلَّةٌ بفائدتها، وهذا المعنى لا يوجدُ عند إسقاط الواو، كما في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فإنَّه لم يذكر العاطف.

وقال العينيُّ كلُّ واحدٍ من الصَّلوات والطَّيبات مبتدأ حذف خبرُه؛ أي والصَّلوات لله والطَّيِّبات لله، فتكون هاتان الجملتان معطوفتين على الجملة الأولى وهي (( التحيَّات لله ) ).

(السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ) قال النوويُّ يجوز فيه وفيما بعده _ أي السلام _ حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات «الصحيحين» . قال الحافظ العسقلاني والعينيُّ لم يقع في شيءٍ من طرق حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه بحذف اللام، فإن كان مراده الجواز من جهة العربيَّة فله وجه، وإن كان من جهة الرِّواية فلا وجه له.

نعم اختلف في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما وهو

ج 4 ص 563

من أفراد مسلم.

وقال الطيبيُّ أصل (( سلام عليك ) )سلَّمت سلامًا عليك، ثمَّ حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدَّلالة على ثبوت المعنى واستقراره.

ثمَّ التعريف إمَّا للعهد التَّقديريِّ؛ أي ذلك السَّلام الذي وجِّه إلى الرسل والأنبياء عليهم السلام عليك أيُّها النَّبي، وكذلك السلام الذي وُجِّه إلى الأمم السَّالفة علينا وعلى إخواننا. وإمَّا للجنس والمعنى أنَّ حقيقة السلام الذي يعرفه كلُّ أحد وعمَّن يصدر وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجيِّ إشارة إلى قوله تعالى {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل 59] قال ولا شكَّ أنَّ هذه التَّقادير أولى من تقدير النَّكرة، انتهى.

وقال الشيخ حافظ الدين النَّسفي يعني السَّلام الذي سلَّمه الله عليك ليلة المعراج. وحكى صاحب «الإقليد» عن أبي حامدٍ أنَّ التَّنكير فيه للتَّعظيم وهو وجهٌ من وجوه الترجيح لا يقصر عن الوجوه المتقدِّمة.

وقال البيضاويُّ علَّمهم أن يفردوه صلى الله عليه وسلم بالذكر لشرفه ومزيد حقِّه عليهم، ثمَّ علَّمهم أن يخصِّصوا أنفسهم أوَّلًا؛ لأنَّ الاهتمام بها أهمُّ، ثمَّ أمرهم بتعميم السَّلام على الصَّالحين إعلامًا منه بأنَّ الدُّعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم.

وقال التُّوْرِبشتي السلام بمعنى السَّلامة كالمقام والمقامة [1] ، والسَّلام اسمٌ من أسماء الله تعالى، وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى أنَّه سالم من كلِّ عيبٍ وآفةٍ ونقصٍ وفسادٍ، ومعنى قولنا (( السلام عليك ) )الدعاء؛ أي سَلِمْتَ من المكاره. وقيل معناه اسم السَّلام عليك، كأنه تبرَّك عليه باسم الله تعالى، انتهى.

وحاصله التعوُّذ بالله، فكأنَّه قال الله عليك؛ أي حفيظٌ، كما يقال الله معك؛ أي بالحفظ، فإن قيل كيف شرع هذا اللَّفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيًّا عنه في الصلاة؟

فالجواب أنَّ ذلك من خصائصهِ صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله (( عليك أيُّها النبيُّ ) )مع أنَّ لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السِّياق كأن يقول السَّلام على النَّبي فينتقل من تحية الله إلى تحية النَّبيِّ، ثمَّ إلى تحيَّة النفس، ثمَّ إلى الصَّالحين؟

فالجواب ما قاله الطيبيُّ ومحصله نحن نتَّبع الرسول صلى الله عليه وسلم في لفظه بعينه الذي علَّمه للصَّحابة.

ويحتمل أن يقال على طريقة أهلِ العرفان إنَّ المصلِّين لمَّا استفتحوا باب الملكوت بالتحيَّات أذن لهم بالدُّخول في حريم الحيِّ الذي لا يموت فقرَّت أعيُنُهم بالمناجاة، فنُبِّهوا على أنَّ ذلك بواسطة نبي الرَّحمة وبركة متابعتهِ، فالتفتوا فإذا الحبيبُ في حرم الحبيبِ، فأقبلوا عليه قائلين السَّلام عليك أيُّها النَّبي ورحمة الله وبركاته، انتهى.

وقد ورد في بعضِ طُرق حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا ما يقتضى المغايرة بين زمانه صلى الله عليه وسلم فيقال بلفظ الخطاب، وأمَّا بعده

ج 4 ص 564

فيقال بلفظ الغيبة، ففي (( الاستئذان ) )من «صحيح البخاري» من طريق أبي مَعمر عن ابنِ مسعود رضي الله عنه بعد أن ساقَ حديث التَّشهد، قال وهو بين ظهرانَيْنا، فلمَّا قبض قلنا (( السَّلام؛ يعني على النَّبي ) ). كذا وقع في «صحيح البخاري» [خ¦6265] .

وأخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» والسرَّاج والجَوْزقيُّ وأبو نُعيم الأصبهاني والبيهقي من طرقٍ متعدِّدة إلى أبي نُعيم شيخ البخاري فيه بلفظ (( فلمَّا قبضَ قلنا السَّلام على النَّبيِّ ) ). بحذف لفظ (( يعني ) )، وكذلك رواه أبو بكر ابن أبي شيبة، عن أبي نُعيم.

قال السُّبكي في «شرح المنهاج» بعد أن ذكر هذه الرِّواية من عند أبي عَوانة وحدَه وإن صحَّ هذا عن الصَّحابة دلَّ على أنَّ الخطاب في السلام بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم غير واجبٍ فقال السَّلام على النَّبيِّ.

وقال الحافظ العسقلانيُّ قد صحَّ بلا ريبٍ وقد وجدتُ له متابعًا قويًّا، قال عبد الرَّزاق أنا ابن جُريج أخبرني عطاء أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون والنَّبي صلى الله عليه وسلم حيٌّ السَّلام عليك أيُّها النَّبي، فلمَّا مات قالوا السَّلام على النَّبيِّ. وهذا إسنادٌ صحيحٌ.

وأمَّا ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم علَّمهم التشهُّد فذكره قال فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنَّما كنَّا نقول السَّلام عليك أيُّها النَّبي إذ كان حيًّا، فقال ابن مسعود رضي الله عنه هكذا علَّمنا وهكذا نُعلِّم، فظاهره أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما قاله بحثًا، وأنَّ ابن مسعود رضي الله عنه لم يرجعْ إليه، لكن رواية أبي مَعمر أصحُّ؛ لأنَّ أبا عُبيدة لم يسمعْ من أبيه والإسناد إليه مع ذلك ضعيف.

فإن قيل لم عدل عن الوصف بالرَّسالة إلى الوصف بالنبوَّة مع أنَّ الوصف بالرِّسالة أعمُّ في حقِّ البشر؟

فالجواب أنَّ الحكمة في ذلك أن يجمعَ له الوصفين لكونه وصفه بالرسالة في آخر التشهُّد وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوَّة لكن التَّصريح بهما أبلغ، وقيل الحكمة في تقديم الوصف بالنبوَّة أنَّها كذلك وجدت في الخارج؛ لنزول قوله تعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق 1] قبل قوله {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ*قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر 1 - 2] والله أعلم.

(وَرَحْمَةُ اللَّهِ) الرَّحمة عبارة عن إنعامه عليه وهو المعنى الغائي؛ لأنَّ معناها اللُّغوي الحنو والعطف، فلا يجوز أن يوصفَ الله به (وَبَرَكَاتُهُ) جمع بركة، وهو الخيرُ الكثير من كلِّ شيءٍ، واشتقاقُه من البرك، وهو صدرُ البعير، وبرَك البعيرُ ألقى بركه، واعتبرَ فيه معنى اللُّزوم، وسمي مَحْبَس الماء بُركة للزوم الماء فيها.

وقال الطيبيُّ البَرَكة ثبوتُ الخير الإلهي في الشَّيء سمِّي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوتَ الماء في البركة والمبارك فيه ذلك الخير، قال

ج 4 ص 565

تعالى {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} [الأنبياء 50] تنبيهًا على ما يفيضُ من الخيرات الإلهيَّة ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحصى، قيل لكلِّ ما يُشاهَد فيه زيادةٌ غير محسوسة هو مُبارك وفيه بركة.

(السَّلاَمُ عَلَيْنَا) أراد به المصلِّي نفسه والحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة، واستُدلَّ به على استحباب البداءة بالنَّفس في الدُّعاء. وفي الترمذيِّ مصححًا من حديث أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسهِ. وأصله في مسلم، ومنه قول نوح وإبراهيم عليهما السلام كما في التَّنزيل.

(وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) الأشهر في تفسير الصَّالح أنَّه القائم بما عليه من حقوقِ الله وحقوق العباد، والصَّلاح هو استقامةُ الشَّيء على حالةِ كماله كما أنَّ الفساد ضدَّه، ولا يحصل الصَّلاح الحقيقيُّ إلَّا في الآخرة؛ لأنَّ الأحوال العاجلة وإن وصفتْ بالصَّلاح في بعض الأوقات لكن لا تخلو من شائبة فسادٍ وخللٍ، ولا يصفو ذلك إلَّا في الآخرة خصوصًا لزمرةِ الأنبياء عليهم السَّلام، لأنَّ الاستقامة التامَّة لا تكون إلَّا لمن فازَ بالقدح المعلَّى، ونال المقامَ الأسنى.

ومن ثمَّه كانت هذه المرتبة مطلوبة للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى في حقِّ الخليل {وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت 27] .

وحكي عن يوسف عليه السَّلام أنَّه دعا بقوله {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف 101] .

ومن هذا يعرف أنَّ درجات الصَّلاح مُتفاوتة، هذا وقال الترمذيُّ الحكيم من أراد أن يحظى بهذا السَّلام الذي يسلِّمه الخلقُ فليكنْ عبدًا صالحًا، وإلَّا حُرِم هذا الفضل.

وقال الفاكهانيُّ ينبغِي للمصلِّي أن يستحضرَ في هذا المحلِّ جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين؛ يعني ليتوافقْ لفظه مع قصده.

(فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا) أي هذه الكلمة، وهي قوله (( وعلى عباد الله الصالحين ) )وهو إلى قوله (( والأرض ) )جملة معترضة بين قوله (( وعلى عباد الله الصالحين ) )، وبين قوله (( أشهد…إلى آخره ) )، وفائدة هذه الجملة، ووجه تقديمها على الشَّهادة الاهتمام بها لكونه أنكر عليهم عدَّ الملائكة واحدًا واحدًا.

ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك فعلَّمهم لفظًا يشمل الجميع مع غير الملائكة من النَّبيين والمرسلين والصِّديقين وغيرهم بغير مشقَّةٍ، وهذا من جوامع الكلِم التي أوتيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وإلى ذلك الإشارة بقول ابن مسعودٍ رضي الله عنه وأنَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم علَّم فواتح الخير وخواتمه، كما تقدَّم.

وقد ورد في بعض طُرقه سياق التشهُّد متواليًا، وآخر هذا الكلام المذكور في آخره والظَّاهر أنَّه من تصرُّف الرواة على ما قالوا.

(أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ) استدلَّ به على أنَّ الجمع المحلَّى باللام يفيد الاستغراق؛ لقوله (( أصابت كل عبد ) )بعد قوله (( عباد الله الصالحين ) ). ولا يقال إنَّه جمع قلة فلا يزيد على العشرة؛ لأنَّ القلَّة والكثرة

ج 4 ص 566

إنَّما تعتبران في النكرة لا المعرفة، واستدلَّ به أيضًا على أنَّ العموم صيغة.

قال ابن دقيق العيد وهو مقطوعٌ به عندنا في لسان العرب وتصرُّفات ألفاظ الكتاب والسنة قال والاستدلال بهذا فردٌ من أفراد لا تحصى لا للاقتصار عليه.

(فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) وفي رواية مسدد عن يحيى (( أو بين السماء والأرض ) )والشَّكُّ فيه من مسدد، وإلَّا فقد رواه غيره عن يحيى بلفظ (( من أهل السماء والأرض ) )أخرجه الإسماعيليُّ وغيره.

فائدة قال القفَّال في «فتاواه» ترك الصَّلاة يضرُّ بجميع المؤمنين؛ لأنَّ المصلي يقول اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات ولا بدَّ أن يقول في التشهد السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون مقصرًا بخدمة الله وفي حقِّ رسوله وفي حقِّ نفسه وفي حقِّ كافة المسلمين ولذلك عظمت المعصية بتركها.

واستنبط منه السبكيُّ أنَّ في الصَّلاة حقًا للعباد مع حقِّ الله وأنَّ من تركها أخلَّ بحقِّ جميع المؤمنين مَن مضى ومَن يجيء إلى يوم القيامة؛ لوجوب قوله فيها (( السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) ).

(أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة عن أبيه (( وحده لا شريك له ) )وسنده ضعيفٌ لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في «الموطأ» ، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطنيِّ إلَّا أنَّ سنده ضعيف، وقد روى أبو داود من وجهٍ آخر صحيح عن ابن عمر في التشهُّد (( أشهد أن لا إله إلا الله ) ). قال ابن عمر زدتُ فيها (( وحده لا شريك له ) ). فهذا ظاهره الوقف.

(وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) قال أهل اللُّغة يقال رجل محمَّدٌ ومحمودٌ، إذا كثرت خصاله المحمودة. وقال ابنُ الفارس سمِّي نبيُّنا صلى الله عليه وسلم بذلك _ يعني محمَّدًا _ لعلمِ الله تعالى بكثرةِ خصاله المحمودة، والفرق بين محمَّد وأحمد أنَّ محمدًا مفعَّل للتَّكثير، وأحمد أفعل للتَّفضيل.

والمعنى إذا حمدَني أحدٌ فأنت أحمدُ منهم، وإذا حمدتُ أحدًا فأنت محمَّد صلى الله عليه وسلم.

والعبد الإنسان حرًّا كان أو رقًّا وكأنه يذهبُ فيه إلى أنَّه مربوبٌ لبارئه عزَّ وجلَّ، وجمعه أَعْبُد وعَبيد وعِبَاد وعُبُد وعِبْدان وعُبْدان. وأَعَابد جمع أعْبُد، والعِبِدَّى والمَعْبوداء والمَعْبَدة أسماء الجمع، وجعل بعضُهم (( العباد ) )لله، وغيره من الجمع لله وللمخلوقين، وخصَّ بعضهم بالعبديِّ العبيد الذين ولدوا في الملك والأنثى عَبْدة، والعَبْدل العَبْد، ولامه زائدةٌ.

ثمَّ إنَّه لم تختلف الطُّرق عن ابن مسعود رضي الله عنه في ذلك؛ يعني في قولنا (( وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله ) )، بتقديم عبده على رسوله. وكذا هو في حديث أبي موسى وابن عمر وعائشة وجابر وابن الزبير عند الطَّحاوي وغيره على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.

وروى عبد الرَّزَّاق عن ابن جريج عن عطاء قال بينا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعلِّم التشهُّد إذ قال رجلٌ وأشهد أنَّ محمدًا رسوله وعبده، فقال صلى الله عليه وسلم (( لقد كنت عبدًا قبل أن أكون رسولًا. قلْ عبدُه ورسولُه ) )ورجاله ثقاتٌ إلَّا أنَّه مرسل.

وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند مسلم وأصحاب «السنن» (( وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله ) )، ومنهم من حذف (( أشهدُ ) )، ورواه ابنُ ماجه

ج 4 ص 567

بلفظ ابنِ مسعود رضي الله عنه.

وأمَّا ما قاله صاحب «تعليقة الحاوي» لو قال أنَّ محمدًا رسوله بطلت صلاته؛ يعني لا بدَّ من قول رسول الله بالإضافة إلى الظَّاهر.

وهو الذي رجَّحه الشيخان الرَّافعي والنوويُّ، وأنَّ الإضافة إلى الضَّمير لا تكفي فهو سهوٌ منه إذ لا خلافَ في تأدِّي الفرض بكلٍّ من تشهَّدِ ابن عبَّاس وابن مسعود رضي الله عنهم.

وإنَّما الخلاف في الأفضل، ثمَّ اعلم أنَّ التشهُّد روي عن عدَّةٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم عن ابن مسعود وابن عبَّاس وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعائشة وعبد الله بن الزبير وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري ومعاوية وسلمان وسَمُرة وأبي حميد رضوان الله عليهم أجمعين.

أمَّا حديث ابن مسعود رضي الله عنه فقد رواه الستَّة عنه، ولفظ مسلم (( علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التَّشهُّد كفِّي بين كفَّيه كما يعلِّمني السُّورة من القرآن، فقال إذا قعدَ أحدُكم في الصَّلاة فليقلْ التَّحيات لله والصَّلوات والطَّيبات السَّلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين _فإذا قلتُموها أصابتْ كلَّ عبدٍ صالحٍ في السَّماء والأرض_ أشهدُ أن لا إله إلَّا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله ) )انتهى.

وزاد في رواية الترمذيِّ وابن ماجه (( وليتخيَّر أحدُكم من الدُّعاء أعجبه إليه فيدعو به ) ).

وأمَّا حديث ابن عباس رضي الله عنهما فأخرجه الجماعة إلَّا البخاري ولفظه كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا التشهُّد كما يعلِّمنا السورة من القرآن وكان يقول (( التحيَّات المباركات الصَّلوات الطَّيبات لله السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله ) ).

وأمَّا حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخرجه الطحاويُّ بسنده إلى عبد الرحمن بن القاري أنَّه سمع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يعلِّم الناس التشهُّد على المنبر، وهو يقول قولوا (( التحيَّات لله الزَّاكيات والصَّلوات لله السلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله ) ).

وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة وعبد الرَّزاق في «مصنفيهما» وهذا موقوفٌ نعم رواه ابن مَرْدويه في كتاب (( التشهُّد ) )مرفوعًا.

وأمَّا حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فأخرجه أبو داود بسندهِ إلى أبي بشر قال سمعتُ مجاهدًا يحدِّث عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التَّشهد (( التَّحيات الصَّلوات الطَّيبات لله السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلَّا الله _ قال ابن عمر زدت فيها وحده لا شريك له _ وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله ) ).

وأخرجه الدارقطنيُّ أيضًا وقال إسناده صحيحٌ، وأخرجه الطبراني أيضًا في «الكبير» ، وكذا أخرجه البزار.

وأمَّا حديث عائشة رضي الله عنها فأخرجه البيهقيُّ في «سننه» عن القاسم فيها قالت هذا

ج 4 ص 568

تشهُّد النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية عنها أنَّها كانت تقول في التشهُّد في الصلاة في وسطها وفي آخرها قولًا واحدًا باسم الله التحيات لله والصَّلوات لله الزَّاكيات لله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وأمَّا حديث عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما فرواه الطَّبراني في «الكبير» و «الأوسط» من حديث ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد سمعتُ أبا الورد سمعتُ عبد الله بن الزبير يقول إنَّ تشهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم بسم الله وبالله خير الأسماء التحيَّات لله والصَّلوات الطَّيبات أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله أرسله بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، وإنَّ السَّاعة آتيةٌ لا ريب فيها، وإنَّ الله يبعث من في القبور، السَّلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين اللَّهمَّ اغفرْ لي وأنقذني. هذا في الركعتين الأوليين.

قال الطَّبرانيُّ تفرَّد به ابن لهيعة وفيه مقالٌ على ما قيل.

وأمَّا حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه فأخرجه النسائيُّ وابن ماجه والترمذي في «العلل» والحاكم ولفظه (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا التشهُّد كما يعلِّمنا السورة من القرآن بسم الله وبالله، التحيَّات لله والصَّلوات والطيِّبات لله السلام عليك أيُّها النَّبي ورحمة الله وبركاته السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أسأل الله الجنَّةَ وأعوذ بالله من النَّار ) ).

وصحَّحه الحاكم. وقال النوويُّ في «الخلاصة» وهو مردودٌ فقد ضعَّفه جماعة من الحفَّاظ هم أجلُّ من الحاكم وأتقن، وممَّن ضعَّفه البخاريُّ والترمذي والنسائي والبيهقي، قال الترمذيُّ سألت البخاريَّ عنه فقال هو خطأ.

وأمَّا حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه فأخرجه الطحاويُّ من طريق أبي المتوكِّل عنه قال كنَّا نتعلَّم التشهُّد، كما نتعلَّم السورة من القرآن، ثمَّ ذكر مثل تشهُّد ابن مسعود رضي الله عنه.

وأما حديث أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه فأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنسائي والطبرانيُّ مطولًا وفيه (( فإذا كان عند القعدة فليكن من أوَّل قول أحدكُم أن يقول التحيَّات الطَّيبات لله السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله ) ).

وأخرجه أحمد ولم يقل (( وبركاته ) )، ولا قال (( وأشهد ) )قال (( وأنَّ محمدًا ) ).

وأمَّا حديث معاوية رضي الله عنه فأخرجه الطبرانيُّ عنه أنَّه كان يعلِّم النَّاس التشهُّد وهو على المنبر عن النبي صلى الله عليه وسلم (( التحيَّات لله والصلوات والطيبات. .. إلى آخره ) )مثل حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه.

وأمَّا حديث سلمان رضي الله عنه فأخرجه البزَّار في «مسنده» والطبرانيُّ في «معجمه»

ج 4 ص 569

بسندهما إلى أبي راشدٍ قال سألت سلمان الفارسيَّ رضي الله عنه عن التشهُّد فقال أعلمكم كما علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم (( التَّحيَّات لله والصَّلوات والطَّيبات لله. .. إلى آخره ) )، مثل حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه، لكن زاد بعد الطَّيبات (( لله ) ). وقال في آخره (( قلها في صلاتكَ ولا تزد فيها حرفًا ولا تنقصْ منها حرفًا ) ). وإسناده ضعيف.

وأمَّا حديث سمُرة بن جُندب رضي الله عنه فأخرجه أبو داود ولفظه قولوا (( التحيَّات لله الطَّيبات والصَّلوات والملك لله، ثمَّ سلِّموا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وسلِّموا على أنفسكم ) ). وإسناده ضعيف قاله بعضهم، ولكنَّه صحيحٌ على شرط ابن حبَّان.

وأمَّا حديث أبي حميد فأخرجه الطَّبراني مثل حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنهما، لكن زاد (( الزَّاكيات لله ) )، بعد (( الطَّيبات ) ). وأسقط واو الطيِّبات. وإسناده ضعيفٌ.

وفي الباب عن الحسين بن عليٍّ وطلحة بن عُبيد الله وأنس وأبي هريرة والفضل بن عباس وأمِّ سلمة وحذيفة والمطَّلب بن ربيعة وابن أبي أوفى رضي الله عنهم قالوا جملة من روي عنهم في التَّشهد أربعة وعشرون صحابيًّا رضي الله عنهم.

ثمَّ إنَّه اختار تشهُّد ابن مسعودٍ رضي الله عنه إمامنا الأعظم أبو حنيفة وأحمد والجمهور؛ لأنَّه أصحُّ ما في الباب، واتَّفق عليه الشيخان.

وقال الترمذيُّ أصحَّ حديثٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في التشهُّد حديث ابن مسعود رضي الله عنه والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصَّحابة ومن بعدهم، ثمَّ أخرج عن معمر عن خصيف قال رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت له إنَّ الناس قد اختلفوا في التَّشهد فقال عليك بتشهُّد ابن مسعود.

وأخرج الطبرانيُّ في «معجمه» عن بشيرِ بن المهاجر عن أبي بريدة عن أبيه قال ما سمعتُ في التشهُّد أحسنَ من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وذلك أنَّه رفعه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وقال الخطابيُّ أصحُّ الأحاديث وأشهرها رجالًا تشهُّد ابن مسعود رضي الله عنه.

وقال البزَّار لمَّا سُئل عن أصحِّ حديثٍ في التشهُّد؟ هو عندي حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه رُوِيَ من نيِّف وعشرين طريقًا، ثمَّ سرد أكثرها قال ولا أعلمُ في التشهُّد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالًا، انتهى.

وقال ابن المنذر وأبو عليٍّ الطُّوسي قد روي حديث ابن مسعود رضي الله عنه من غير وجهٍ وهو أصحُّ حديث روي في التشهُّد عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وقال أبو عمر بتشهُّد ابن مسعودٍ أخذ أكثر أهل العلم لثبوت نقله عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وقال علي بن المديني لم يصحَّ في التشهُّد إلَّا ما نقله أهل الكوفة عن ابن مسعودٍ وأهل البصرة

ج 4 ص 570

عن أبي موسى رضي الله عنهما، ونحوه قال ابن طاهر.

وقال النوويُّ أشدُّها صحةً باتِّفاق المحدِّثين حديث ابن مسعود رضي الله عنه ثمَّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

قال العينيُّ وهذا الطحاويُّ الجِهْبِذ أخرج حديث ابن مسعود في كتابه «معاني الآثار» من اثني عشر طريقًا، وسرد الجميع ثمَّ قال في آخر ما حاصله إنَّهم اتَّفقوا على أنَّ التشهُّد لا يكون إلَّا بألفاظٍ مخصوصةٍ ولا يكون بأيِّ لفظٍ كان، فإذا كان كذلك فالمتَّفق عليه أولى من المختلف فيه فصار كونه متفقًا عليه دون غيره من مرجَّحاته، لأنَّ الرواة عنه من الثِّقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره، وإن ابن مسعود رضي الله عنه تلقَّاه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم تلقينًا كما تقدَّم من طريق الأسود بن يزيد عنه قال أخذت التشهُّد من فِيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقَّننيه كلمةً كلمة.

وقد تقدَّم أيضًا في رواية أبي معمر عنه علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهُّد وكفِّي بين كفَّيه انتهى.

والحاصل أنَّه لا اختلاف بين أهل الحديث في تقدُّم حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وممَّن جزم بذلك البغوي في «شرح السنة» ، ومن المرجِّحات أيضًا ثبوت الواو في الصَّلوات والطَّيبات، وهي تقتضِي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كلُّ جملةٍ ثناء مستقلًا بخلاف ما إذا حذفت فإنَّها تكون صفةً لما قبلها، وتعدُّد الثناء في الأوَّل صريحٌ فيكون أولى، ولو قيل أنَّ الواو مقدرة في الثاني.

ومنها أيضًا أنَّه ورد بصيغة الأمر بخلاف غيره فإنَّه مجرَّد حكايةٍ، وفي رواية أحمد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم علَّمه التشهُّد وأمره أن يعلِّمه النَّاس، ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليلٌ على مزيَّته.

وقال برهان الدين صاحب «الهداية» الأخذُ بتشهُّد ابن مسعودٍ رضي الله عنه أولى؛ لأنَّ فيه الأمر وأقلُّه الاستحباب، وفيه الألف واللام وهما للاستغراق، وزيادة الواو؛ لتجديد الكلام وتأكيد التَّعليم.

وأمَّا الشافعيُّ فقد اختار تشهُّد ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وقال بعد أن أخرجَ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما رويت أحاديث في التشهُّد مختلفة، فكان هذا أحبَّ إليَّ؛ لأنَّه أكملها.

وقال في موضعٍ آخر وقد سُئل عن اختياره تشهُّد ابن عبَّاس رضي الله عنهما لما رأيته واسعًا وسمعته عن ابن عباس صحيحًا كان عندي أجمع وأكثر لفظًا من غيره، وأخذتُ به غير معنِّف لمن يأخذ بغيره ممَّا صحَّ.

ورجَّحه بعضهم بكونه مناسبًا للقرآن بزيادة لفظة (( المباركات ) )يعني قوله تعالى {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور 61] .

وفيه أنَّ هذه الزِّيادة مختلفٌ فيها، وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما من أفراد مسلم وأعلى درجة الصَّحيح عند الحفَّاظ ما اتَّفق عليه الشَّيخان ولو في أصله فكيف إذا اتَّفقا على لفظه، فلم يكن ما ذكره سببًا للترجيح.

على أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه قد أنكرَ على من زاد على ما رواهُ من لفظ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

ج 4 ص 571

وكونه موافقًا لما في القرآن وجهٌ من وجوه التَّرجيح، ولا يفضل بذلك على الذي له وجوه من التَّرجيح.

وأمَّا من رجَّحه بكون ابن عبَّاس رضي الله عنهما من أحداث الصحابة رضي الله عنهم فيكون أضبط لما رَوَى، أو بأنَّه أفقه من رواه، أو بكون إسناد حديثه حجازيًّا وإسناد ابن مسعود رضي الله عنه كوفيًّا، وهو ممَّا يرجَّح به فلا طائل فيه لمن أنصف، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ، فلله درُّه ما أنصفه مع كونه شافعيًّا.

نعم قال بعد ذلك نعم يمكن أن يقال إنَّ الزِّيادة التي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما وهي (( المباركات ) )، لا تنافي رواية ابن مسعود رضي الله عنه، ورجَّح الأخذ بها لكون أخذهِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان في الأخير، والله أعلم.

وأمَّا الإمام مالك وأصحابه رحمهم الله فقد اختاروا تشهُّد عمر رضي الله عنه لكونه علَّمه للنَّاس وهو على المنبر، ولم ينكروه فيكون إجماعًا لكنَّه موقوفٌ فلا ينازع المرفوع بالاتِّفاق، ولفظه نحو حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما إلَّا أنَّه قال (( الزاكيات ) )، بدل (( المباركات ) )، وكأنَّها بالمعنى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ لكن أورد زيادة (( بسم الله ) )في أوَّل التشهُّد، ووقع ذلك في حديث عمر المذكور، لكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه لا من طريق الزهريِّ عن عروة التي أخرجها مالك، أخرجه عبد الرَّزاق وسعيد بن منصور وغيرهما وصحَّحه الحاكم مع كونه موقوفًا.

وثبت في «الموطأ» أيضًا عن ابن عمر موقوفًا، ووقع أيضًا في حديث جابر المرفوع تفرَّد به أيمن بن نابل _ بالنون ثم الموحدة _ عن أبي الزُّبير عنه، وحكم الحفَّاظ البخاري وغيره على أنَّه أخطأ في إسناده، وأنَّ الصَّواب رواية أبي الزُّبير عن طاوس وغيره على ابن عباس، وفي الجملة لم تصحَّ هذه الزِّيادة.

وقد ترجم البيهقيُّ عليها من استحبَّ أو أباح التَّسمية قبل التحيَّة، وهو وجه لبعض الشافعيَّة وضُعِّف، ويدلُّ على عدم اعتبارها أنَّه ثبت في حديث أبي موسى المرفوع في التشهُّد وغيره (( فإذا قعد أحدُكم فليكن أوَّل قوله التحيات لله ) )الحديث، كذا رواه عبد الرَّزَّاق عن معمر عن قتادة بسنده.

وأخرج مسلمٌ من طريق عبد الرَّزاق هذه، وقد أنكر ابن مسعودٍ وابن عبَّاس وغيرهما رضي الله عنهم على من زادها.

قال ابن أبي شيبة في «مصنفه» نا وكيع عن إسحاق بن يحيى عن المسيَّب بن رافع سمع ابن مسعود رضي الله عنه رجلًا يقول في التشهُّد (( بسم الله ) )فقال إنَّما يقال هذا على الطَّعام.

وممَّا روي في إنكار الزِّيادة ما رواه الطبراني في «الأوسط» من حديث العلاء بن المسيَّب عن أبيه قال كان ابن مسعودٍ رضي الله عنه يعلِّم رجلًا التشهُّد فقال عبد الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال الرجل وحده لا شريك له، فقال عبد الله هو كذلك

ج 4 ص 572

ولكن ننتهي إلى ما عُلِّمنا.

وفي رواية البزار فقال عبد الله (( وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله ) )فقال الرَّجل وأنَّ محمدًا عبده ورسوله فأعادها عليه عبد الله مرارًا كلَّ ذلك يقول (( وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله ) )والرَّجل يقول وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، فقال عبد الله كذا علِّمنا.

ثمَّ إنَّ هذا الاختلاف بين الأئمَّة إنَّما هو في الأفضل والأولى، وكلام الشافعيِّ المتقدِّم يدلُّ على ذلك، ونقل جماعةٌ من العلماء الاتفاق على جواز التشهُّد بكلِّ ما ثبت، لكن كلام الطَّحاويِّ يشعر بأنَّ بعضَ العلماء يقول بوجوب التَّشهد المرويِّ عن عمر رضي الله عنه. وذهب جماعةٌ من محدِّثي الشَّافعيَّة كابن المنذر إلى اختيار تشهُّد ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وذهب بعضُهم كابن خُزيمة إلى عدم التَّرجيح.

ثمَّ إنَّه استدلَّ بقوله (( فليقل ) )في الحديث أنَّ قراءة التَّشهد واجبةٌ؛ لأنَّ الأمر للوجوب. وقال الشافعيُّ التشهُّد الأول سنة، والثاني واجبٌ، وأبو حنيفة ومالك هما سنَّتان ليسا بواجبين. وأحمد هما واجبان، وفي روايةٍ عنه الأوَّل واجبٌ، والثاني فرض، وقد وافق من لم يوجب التشهُّد على وجوب القعود بقدره في آخر الصَّلاة.

قال التيميُّ قال مالكٌ والكوفيون ليس أمره صلى الله عليه وسلم للوجوب لأنَّ التسبيح في الركوع والسجود ليس بواجبٍ، وقد أمر عليه السلام به حين نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة 74] اجعلوها في ركوعكم، وحين نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى 1] اجعلوها في سجودكم، وقد يأمر بالسُّنن كما يأمر بالفرائض.

فإن قيل الجلسةُ الأخيرة فريضة فكذا ذِكْرُها فرضٌ، فالجواب إنَّما هي للسَّلام لا للذَّكر، وتعقَّبه الكرمانيُّ بأنَّ الأمر حقيقة للوجوب فلا بدَّ من حمله عليه إلَّا إذا دلَّ دليلٌ على خلافه، كما في مسألة التَّسبيح فإنَّه لولا الإجماع على عدم وجوبه لحملناه على الوجوب، ثمَّ قولكم (( إنَّما هي للسَّلام ) )ممنوع كيف وقد أوجبتُم القعود بقدر قراءة التشهُّد، ولولا أنَّه لها لما احتيج إلى هذا القدر بل يكفي لحظةً واحدة.

قال صاحب «الهداية» القعدة الأخيرة مقدار التشهُّد فرضٌ، وأمَّا قراءة التَّشهد فيها والقعدة الأولى فواجبتان. وقال في موضعٍ آخر القعدتان والقراءة فيهما كلُّ ذلك واجبٌ، انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وفي دعوى هذا الإجماع نظرٌ، فإنَّ أحمد يقول بوجوبه، ويقول بوجوب التشهد الأوَّل، ورواية أبي الأحوص المتقدِّمة وغيرها تقوِّيه.

وقد جاء عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه التَّصريح بفرضيَّة التشهُّد، وذلك فيما رواه الدارقطنيُّ وغيره بإسنادٍ صحيحٍ من طريق

ج 4 ص 573

علقمة عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه كنَّا لا ندري ما نقول قبل أن يفرضَ علينا التشهُّد.

بقي أنَّ السنَّة في التشهُّد الإخفاء روى الترمذيُّ بإسناده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من السنَّة أن يخفي التشهُّد، وقال حسنٌ غريب.

وقال الحاكم عن عبد الله من السُّنَّة أن يخفيَ التَّشهد، وقال صحيحٌ على شرط مسلم.

وأخرج ابن خُزيمة في «صحيحه» عن عائشة رضي الله عنها نزلت هذه الآية في التَّشهد {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء 110] . وقال الحاكم صحيحٌ على شرط مسلم.

فائدة اعلم أنَّهم رضي الله عنهم كانوا يسلِّمون على الله أولًا، ثمَّ على أشخاصٍ معيَّنين، فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بكيفيَّة الثَّناء على الله، ثمَّ أعلمهم أنَّ الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم، وأمرهم بإفراد سلام الله عليه بالذِّكر لشرفه ومزيد حقِّه عليهم، وتخصيص أنفسهم فإنَّ الاهتمام بها أهم ثمَّ اتبعه بشهادة التَّوحيد لله والرِّسالة لنبيِّ الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها منبعُ الخيرات وأساسُ الكمالات، ثمَّ عقَّبه بالصَّلاة عليه ليجمع له الفضيلتين الصلاة والسلام.

تذييل قال الحافظ العسقلانيُّ ذكر خَلَفٌ في «الأطراف» أنَّ في بعض النسخ من «صحيح البخاري» عقب حديث الباب في التشهُّد عن أبي نُعيم حدثنا قَبيصة ثنا سفيان عن الأعمش ومنصور وحماد عن أبي وائل. وبذلك جزم أبو نُعيم في «مستخرجه» فأخرجه من طريق أبي نُعيم عن الأعمش، به. ومن طريق عبد الرزَّاق عن سفيان، به. ثمَّ أخرجه من طريق أبي نُعيم عن سيف بن سليمان وقال أخرجه البخاري عن أبي نُعيم فيما أرى، انتهى، وبذلك جزم المِزِّيُّ في «الأطراف» .

قال الحافظ العسقلاني ولم أره في شيءٍ من الروايات التي اتصلت لنا هنا لا عن قَبيصة ولا عن أبي نُعيمٍ عن سيف، نعم هو في (( الاستئذان ) ) [خ¦6265] عن أبي نُعيم بهذا الإسناد، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل ولو نظَّره بقولنا كاللذاذ واللذاذة لكان أولى كما لا يخفى. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت