وقال ابن التِّين منحر النَّبي صلى الله عليه وسلم هو عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، وأخرج الفاكهي عن ابن جريج، عن طاوس قال (( كان منزلُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمنى عن يسار المصلِّي ) ).
وقال غير طاوس وأَمَرَ بنسائه أن يَنْزِلن حيث الدَّارُ بمنى، وأمر الأنصار أن ينزلوا الشِّعب وراء الدَّار. انتهى. والشِّعب هو عند الجمرة الأولى.
قال ابن التِّين وللنَّحر في منحر النَّبي صلى الله عليه وسلم فضيلة على غيره. اهـ، وذلك لما روى مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجَمْع كلها موقف ) ).
وقال النَّووي في هذه الألفاظ بيان رِفْق النَّبي صلى الله عليه وسلم بأمَّته وشفقته عليهم في تنبيههم على مصالح دينهم ودنياهم، فإنَّه صلى الله عليه وسلم ذكر لهم الأكمل
ج 8 ص 245
والجائز، فالأكمل موضع نحره ووقوفه، والجائز كل جزء من أجزاء منى للنَّحر، ومن أجزاء عرفات والمزدلفة للوقوف.
وقال في «شرح المهذَّب» قال الشَّافعي وأصحابنا يجوز نحر الهدي ودماء الجُبْرَانات في جميع الحرم، لكن الأفضل في حقِّ الحاج النَّحر بمنى، وأفضل موضع في منى للنَّحر موضع نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قاربه، والأفضل في حقِّ المعتمر أن ينحر في المَرْوة؛ لأنَّها موضع تحليله كما أنَّ منى موضعُ تحليل الحاج.
وحكى ابن بطَّال قولَ مالك في النَّحر بمنى للحاج، والنَّحر بمكَّة للمعتمر، وأطال في تقرير ذلك وترجيحه، ولا خلاف في الجواز، وإن اختلف في الأفضل، وقوله (فانحروا في رحالكم) ؛ أي في منازلكم.
قال أهل اللُّغة رَحْلُ الرَّجل منزلُه سواء كان من حَجَر أو مَدَر أو شَعر أو وَبَر. ومعنى الحديث منى كلها يجوز النَّحر فيها فلا تتكلَّفوا النَّحر في موضع نحري، بل يجوز لكم النَّحر في منازلكم من منى.
هذا، وقال الحافظ العسقلاني وظاهر الحديث أنَّ نحره صلى الله عليه وسلم بذلك المكان وقع عن اتِّفاق لا بشيء يتعلَّق بالنسك، ولكن ابن عمر رضي الله عنهما كان شديد الاتباع فكان ينحر في مَنْحره صلى الله عليه وسلم، كما في حديث الباب.