فهرس الكتاب

الصفحة 2684 من 11127

1709 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زرارة الأنصارية، وفي رواية سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، كما سيأتي بعد سبعة أبواب (( حدَّثتني عَمْرة ) ) [خ¦1720] (قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) سنة عشر من الهجرة.

(لِخَمْسٍ بَقِينَ) الظَّاهر أنَّها رضي الله عنها قالت بعد انقضاء الشَّهر، ولو قالته قبله لقالت إن بقين؛ لأنَّه لا يُدْرِى الشَّهر كامل أو ناقص (مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ) بفتح القاف وكسرها سمي بذلك؛ لأنَّهم كانوا يقعدون فيه عن القتال (لاَ نُرَى) بضم النون وفتح الراء؛ أي لا نظن (إِلاَّ الْحَجَّ) وهذا يحتمل أن تريد حين خروجهم من المدينة قبل الإهلال، ويحتمل أن تريد أن إحرامَ من أَحْرَم منهم بالعمرة لا يحل حتَّى يردف الحج، فيكون العمل بهما جميعًا والإحلال منهما، ولا يصحُّ أن كلهم أحرم بالحج لحديثها الآخر في رواية عروة عنها (( فمنَّا من أهلَّ بالحجِّ، ومنَّا من أهلَّ بعمرة، ومنَّا من أهلَّ بهما ) ). وقيل معنى لا نرى إلَّا الحج؛ أي لم يقع في نفوسهم إلا ذلك؛ لأنَّهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج.

وقال الدَّاودي وفيه دليل أنَّهم أهلُّوا منتظرين، وتَرُدُّ عليه رواية (( لا نَذْكُرُ إلَّا الحج ) ).

(فَلَمَّا دَنَوْنَا) أي قربنا (مِنْ مَكَّةَ) أي بسَرِف، كما جاء في رواية عنها رضي الله عنها (( أو بعد طوافهم بالبيت، وسعيهم ) )كما في رواية جابر رضي الله عنه، ويحتمل تكريرُه الأمر بذلك مرَّتين في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إِذَا طَافَ) بالبيت (وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ) بفتح المثناة التحتية وكسر الحاء؛ أي يصير حلالًا بأن يتمتَّع، وأمَّا من معه الهدي فلا يتحلَّل حتَّى يبلغ

ج 8 ص 242

الهدي محله (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها

(فَدُخِلَ) بضم الدال على البناء للمفعول (عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ) أي في يوم النَّحر (بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالَ نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أَزْوَاجِهِ) عبَّر في التَّرجمة بلفظ الذَّبح، وفي الحديث بلفظ النَّحر إشارة إلى رواية سليمان بن بلال الآتية إن شاء الله تعالى في باب ما يؤكل من البدن وما يتصدَّق [خ¦1720] ولفظه (( فدخل علينا يوم النَّحر بلحم بقر فقلت ما هذا؟ فقيل ذبح النَّبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه ) )، قيل يجوز أن يكون الرَّاوي لما استوى الأمران عنده عبَّر مرَّة بالنَّحر، ومرَّة بالذَّبح، وفي رواية .

ونَحْرُ البقر جائز عند العلماء إلَّا أنَّ الذَّبح مستحبٌّ عندهم لقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة 67] .

وقال القدوري المستحبُّ في الإبل النَّحر، فإن ذبحها جاز ويكره، وإنَّما يكره فِعْلُه لا المذبوحُ. وقال مالك إن ذبح الجزور من غير ضرورة، أو نحر الشَّاة من غير ضرورة لم يؤكل. وكان مجاهد يستحبُّ نحر البقر، وكذا الحسن بن صالح، والذَّبْح هو قَطْعُ العُرُوق التي في أعلى العنق تحت اللَّحيين، والنَّحر يكون في اللبَّة، كما أن الذَّبح يكون في الحلق.

وفي استفهام عائشة رضي الله عنها دلالة على التَّرجمة، وذلك لأنَّه لو كان الذَّبح بعِلْمِها لم تحتج إلى الاستفهام، لكن ذلك ليس دافعًا لاحتمال أن يكون تقدَّم عِلْمُها بذلك، فيكون وقع استئذانهن في ذلك لكن لما أدخل اللَّحم عليها احتمل أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غير ذلك، فاستفهمت عنه لذلك، كذا قال الحافظ العسقلاني.

وقال النَّووي هذا محمول على أنَّه استأذنهن؛ لأنَّ التَّضحية عن الغير لا يجوز إلا بإذنه. انتهى.

أقول نعم لا بدَّ فيها من النيَّة، لكن عند الشِّراء، لا عند الذَّبح، فلو اشتراها بنيَّة الأضحية فذبحها غيرُه بلا إذن، فإن أخذها مَذْبوحةً ولم يُضَمِّنْه أجزَأَتْه وإن ضمَّنه لا تجزئه كما في أضحية الذَّخيرة، وهذا إذا ذبحها عن نفسه، أمَّا إذا ذبحها عن مالكها فلا ضمان عليه، وهل تتعين الأضحية بالنيَّة؟

قالوا إن كان فقيرًا وقد اشتراها بِنِيَّتِها تعيَّنت فليس له بيعها، وإن كان غنيًا لم تتعين، والصَّحيح أنَّها تتعين مطلقًا فيتصدَّق بها الغني بعد أيَّامها حيَّة، ولكن له أن يقيم غيرها مقامها كما في «البدائع» من الأضحية قالوا والهدايا كالضَّحايا.

وقال البرماوي وكأنَّ البخاري عمل بأنَّ الأصل عدم الاستئذان. واحتجَّ جماعة من العلماء بهذا الحديث في جواز الاشتراك في هدي التمتُّع والقران، ومنعه مالك.

وقال ابن بطَّال ولا حجَّة لمن خالفه في هذا الحديث؛ لأنَّ قوله (نحر عن أزواجه البقر) ، يحتمل أن يكون نحر عن كلِّ واحدة منهنَّ بقرة قال وهذا غير مَدْفُوع.

وردَّ بأنَّه يدفعه رواية عروة، عن عائشة رضي الله عنها (( ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّن اعتمر من نسائه بقرة ) )، ذكره ابن عبد البر من حديث الأوزاعي، عن الزُّهري، عن عروة.

وفي «الصَّحيحين» من حديث جابر رضي الله عنه (( ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة يوم النَّحر ) )، وفي رواية (( بقرة في حجَّته ) )، وفي رواية (( ذبحها عن نسائه ) ).

وفي «صحيح الحاكم» على شرط الشَّيخين

ج 8 ص 243

من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( ذَبَحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّن اعتمر من نسائه في حجَّة الوداع بقرة بَيْنَهُنَّ ) )، وهو شاهد قوي لرواية الزُّهري.

وقال ابن بطَّال فإن قيل إنَّما نحر البقرة عنهن على حسب ما أتى عنه في الحديبية أنَّه نحر البقرة عن سبعة، والبدنة عن سبعة. قيل هذه دعوى لا دليل عليها؛ لأنَّ نحره في الحديبية كان عندنا تطوُّعًا، والاشتراكُ في هدي التطوُّع جائزٌ على رواية ابن عبد الحكم، عن مالك، والهدي في حديث عائشة رضي الله عنها واجب، والاشتراك ممتنعٌ في الهدي الواجب عنده، فالحديثان مستعملان عندنا، على هذا التَّأويل.

وقال القاضي إسماعيل وأمَّا رواية يونس، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها (( أنَّه صلى الله عليه وسلم نحر عن أزواجه بقرة واحدة ) )، فإن يونس انفرد به وحده. وخالفه مالك وغيره، فإنَّه رواه أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها (( أنَّه صلى الله عليه وسلم نحر عن أزواجه البقر ) )، وكذا رواه القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى، عن عمرة عنها. وكذا عن سفيان، عن يحيى، عن عمرة عنها.

هذا، وقال الحافظ العسقلاني وروايةُ يونس أخرجها النَّسائي وأبو داود وغيرهما، ويونس ثقة حافظ. وقد تابعه معمر عند النَّسائي أيضًا ولفظُه أصرح من لفظ يونس قال ما ذُبِحَ عن آل محمَّد في حجَّة الوداع إلا بقرةٌ واحدة، ثمَّ إنَّ الشَّاة لا تجزئ إلا عن واحد، وأنَّها أقل ما يجب.

وذكر بعض شراح «الهداية» أنَّه إجماع، وقال الكاكي وقال مالك وأحمد واللَّيث والأوزاعي تجوز الشَّاة عن أهل بيت واحد، وكذا بقرة أو بدنة. والبدنة تجزئ عن سبعة إذا كانوا يريدون بها وجه الله تعالى، وكذا البقرة، وإن كان أحدهم يريد الأكل لم يجز عن الكلِّ. وكذا لو كان نصيب أحدهم أقل من السَّبع.

ويستوي الجواب إذا كان الكل من جنس واحد أو من أجناس مختلفة أحدهم يريد جزاء الصَّيد، والآخر هدي المتعة، والآخر الأضحية بعد أن يكون الكل لوجه الله تعالى، وهذا استحسان، والقياس أن لا يجوز، وبه قال زفر رحمه الله.

وفي الحديث أيضًا ما قاله الدَّاودي من أنَّ الإنسان يدركه ما عَمِلَه عنه غيرُه بغيرِ أمْرِه، وأنَّ معنى قوله تعالى {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم 39] أي لا يكون له ما سعاه غيره لنفسه، وقد قال تعالى {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة 237] مع قوله تعالى لَا تَأْكُلُوا

ج 8 ص 244

أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [1] إِلَّا أَنْ تَكُونَ [2] تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء 29] [3] ، فخرج هذا عُمُومًا يُرَادُ به الخصوص، ثمَّ بيَّنه بقوله تعالى {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة 237] ، وبقوله تعالى {إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزاب 6] ، وبقوله تعالى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء 12] فليس للإنسان إلا ما سَعى أو سُعِي له، والله أعلم.

وأنت قد عرفت فيما سبق أنَّه يحتمل الاستئذان، فلا دلالة فيه على ما قاله. وفي الحديث جواز الأكل من الهدي والأضحية. وسيأتي نقل الخلاف فيه إن شاء الله تعالى بعد سبعة أبواب.

(قَالَ يَحْيَى) هو ابن سعيد الأنصاري بالسَّند المذكور إليه (فَذَكَرْتُهُ) أي هذا الحديث (لِلْقَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم (فَقَالَ أَتَتْكَ) عمرة (بِالْحَدِيثِ) الذي حدَّثته (عَلَى وَجْهِهِ) يعني ساقته لك سياقًا تامًّا، ولم تختصر منه شيئًا، ولا غيَّرته بتأويل ولا غيره، فذكرت ابتداء الإحرام وانتهائه حتَّى وصلوا إلى مكَّة، وفيه تصديق لعمرة وإخبار عن حفظها وضبطها.

ورجال إسناد الحديث مدنيُّون ما خلا شيخ البخاري فإنَّه تِنِّيسي وهو من أفراده. والحديث أخرجه المؤلِّف في الجهاد أيضًا [خ¦2952] ، وأخرجه مسلم والنَّسائي في الحج.

[1] في هامش الأصل أي بما لم يبحه الشرع كالغصب والربا والقمار. منه.

[2] في هامش الأصل استثناء منقطع أي ولكن كون تجارة عن تراض غير منهي عنه، أو اقصدوا كون تجارة، وعن تراض صفة تجارة؛ أي تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين، وتخصيص التجارة من الوجوه التي يحل بها تناول مال الغير؛ لأنها أغلب وأرفق لذوي المروات، ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقًا، وقيل المقصود بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى، وبالتجارة صرفه فيما يرضاه. منه.

[3] في هامش الأصل والمراد بفعل المعروف التوصية. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت