فهرس الكتاب

الصفحة 1947 من 11127

1231 - (حدثنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، الزَّهراني (قَالَ حَدَّثَنَا هِشامُ بنُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتَوائِيُّ) بفتح الدال والمثناة الفوقية وبالهمز بعد الألف، وقد مرَّ ذكره في باب «زيادة الإيمان» [خ¦44] (عَنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) أي عن موضع الأذان (وَلَهُ) وفي رواية بدون الواو (ضُرَاطٌ، حَتَّى لاَ يَسْمَعَ الأَذَانَ) أي إلى غايةٍ لا يسمع فيها الأذان، ويحتمل أن تكون «حتَّى» ليست بغاية للإدبار، بل غاية للزيادة في الضراط؛ أي إنَّه يقصد بما يفعله من ذلك تصميم أذنه عن سماع صوت المؤذِّن، لكن يدلُّ على الأوَّل ما في «صحيح مسلم» عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ الشَّيطان إذا سمع النِّداء بالصَّلاة أدبر حتَّى يكون بالرَّوحاء ) ).

قال سليمان؛ يعني الأعمش، فسألته عن الرَّوحاء، فقال هي من المدينة ستَّة وثلاثون ميلًا.

(فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ) على البناء للمفعول، ويروى على البناء للفاعل؛ أي إذا قضى المؤذِّن الأذان؛ أي فرغ منه (أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا) بضم المثلثة على البناء للمفعول؛ أي أقيم بالصَّلاة (أَدْبَرَ) الشَّيطان.

(فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ) أي فرغ من الإقامة (أَقْبَلَ) الشَّيطان (حَتَّى يَخْطِرَ) أكثر الرُّواة على ضم الطاء، والمتقنون على أنَّه بالكسر؛ أي يدنو فيمر.

(بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي يوسوس ويذهله عمَّا فيه(يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا

ج 6 ص 136

وَكَذَا، مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ)قبل الشُّروع في الصَّلاة (حَتَّى يَظَلَّ) بفتح الظاء؛ أي يصير (الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي) بكسر الهمزة؛ لأنَّها نافية؛ أي ما يدري (كَمْ صَلَّى) .

قال المهلَّب وإنَّما يهرب الشَّيطان من سماع الأذان، ويجيء عند الصَّلاة لاتِّفاق الكلِّ على الإعلان بشهادة التَّوحيد، وإقامة الشَّريعة فييأس أن يردَّهم عمَّا أعلنوا به من التَّوحيد، ويوقن بالخيبة ممَّا تفضل الله تعالى به عليهم من ثواب ذلك، فيهرب لئلا يسمعه، ويذكر عصيانه لله تعالى ومضادته لأمره، فلا يملك الحدث لما حصل له من الخوف، انتهى.

وقيل لئلا يسمع الأذان فيضطَّر إلى أن يشهدَ له يوم القيامة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا يسمع صوت المؤذِّن جنٌّ ولا إنس ولا شيء إلَّا شهد له يوم القيامة ) ).

أو إبقاء لنفسه على مخالفة أمر الله تعالى، واستمرارًا على معصيتهِ، وعدم الانقياد له تعالى، فإذا دعا داعي الله فرَّ منه وأعرض عنه، فإذا حضرت الصَّلاة حضر مع المصلِّين غير مشارك لهم في الصَّلاة، بل ساعيًا في إبطالها عليهم، وهذا أبلغُ في المعصية ممَّا غاب عن الصَّلاة بالكليَّة فصار حضوره عند الصَّلاة من جنس هربه عند الأذان، كذا في «شرح التَّقريب» .

(فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ) ليس فيه تعيين محل السُّجود، وقد رواه الدَّارقطني من طريق عكرمة، عن حمَّاد، عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد مرفوعًا (( إذا سها أحدُكم فلم يدر أزادَ أو نقصَ فليسجدْ سجدتين وهو جالسٌ ثمَّ يسلم ) ).

وروى أبو داود من طريق ابن أخي الزُّهري عن عمِّه نحوه بلفظ (( وهو جالسٌ قبل التَّسليم ) )، وروي أيضًا من طريق ابن إسحاق قال حدَّثني الزُّهري بإسناده وقال فيه (( فليسجدْ سجدتين قبل أن يسلِّم ثمَّ يسلم ) ).

وقد مرَّ أنَّ روايات الفعل متعارضة، فنعمل برواية القول [خ¦1226] ، وهو حديث ثوبان رضي الله عنه «لكلِّ سهو سجدتان بعد ما يسلم» من غير فصل بين الزِّيادة والنُّقصان سالمًا من المعارض.

ثمَّ إنَّ العلماء رحمهم الله اختلفوا في المراد بهذا الحديث فقال الحسن البصري وطائفة من السَّلف بظاهر هذا الحديث، وقالوا إذا شكَّ المصلِّي فلم يدرِ أزاد أو نقصَ فليس عليه إلَّا سجدتان وهو جالس.

وقال الشَّعبي والأوزاعي وجماعة كثيرة من السَّلف إذا لم يدرِ كم صلَّى لزمه أن يعيدَ الصَّلاة مرَّة بعد أخرى حتَّى يستيقنَ. وقال بعضهم يعيدُ

ج 6 ص 137

ثلاث مرَّات، فإذا شكَّ في الرَّابعة فلا إعادة عليه.

وقال مالك والشَّافعي وأحمد وآخرون متَّى شكَّ في صلاته هل صلَّى ثلاثًا أو أربعًا لزمه البناء على اليقين، فيجب أن يأتيَ برابعة ويسجد للسَّهو عملًا بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه.

فلفظ مسلم قال أبو سعيد رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا شكَّ أحدُكم في صلاته فلم يدرِ كم صلَّى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشكَّ وليبن على ما استيقنَ، ثمَّ يسجد سجدتين قبل أن يسلِّمَ، فإن صلَّى خمسًا شفَّعتا له صلاته، وإن كان صلَّى إتمامًا لأربعٍ كانتا ترغيمًا للشَّيطان ) ).

ولفظ أبي داود (( إذا شكَّ أحدكم في صلاته فليلقِ الشكَّ وليبنِ على اليقين، فإذا استيقن التَّمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامَّة كانت الرَّكعة نافلة والسَّجدتين، وإن كانت ناقصة كانت الرَّكعة تمامًا للصَّلاة، وكانت السَّجدتان مرغمتين الشَّيطان ) )أي مغيِّظتين له ومذلَّتين له، مأخوذ من الرّغام وهو التُّراب، ومنه أرغم الله أنفه، وإنَّما يكون إرغامًا؛ لأنَّه يبغض السَّجدة؛ لأنَّه ما لعن إلا من إبائه عن سجود آدم عليه السَّلام.

قال الشَّافعية فحديث أبي سعيد رضي الله عنه هذا مفسِّر لحديث أبي هريرة المذكور، فيحمل حديث أبي هريرة رضي الله عنه عليه.

وقال أصحابنا الحنفيَّة إن كان الشكُّ عرض له أوَّل مرَّة يستقبل، وإن كان يعرض له كثيرًا بنى على أكبر رأيه؛ لما روى البخاري ومسلم (( إذا شكَّ أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصَّواب فليتم عليه ) ) [خ¦401] ، وإن لم يكن له رأيٌ بنى على اليقين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدرِ واحدة صلَّى أو اثنتين فليبنِ على واحدة، فإن لم يدرِ ثنتين صلَّى أو ثلاثًا فليبْنِ على اثنتين، فإن لم يدرِ ثلاثًا صلَّى أو أربعًا، فليبنِ على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلِّم ) ).

رواه التِّرمذي من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه قال سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( إذا سها أحدكم. .. ) )إلى آخره، وقال حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

ورواه ابن ماجه أيضًا ولفظه (( إذا سها أحدكم في صلاته لم يدرِ واحدة صلَّى أو اثنتين فليجعلهما واحدة، وإذا شكَّ في الثنتين والثَّلاث فليجعلهما ثنتين، وإذا شكَّ في الثَّلاث والأربع فليجعلهما ثلاثًا، ثمَّ ليتمَّ ما بقي من صلاته حتَّى يكون الوهم في الزِّيادة، ثمَّ يسجد

ج 6 ص 138

سجدتين وهو جالس قبل أن يسلِّم )) .

وأخرجه الحاكم في «المستدرك» أيضًا ولفظه (( فلم يدرِ أثلاثًا صلَّى أم أربعًا فليتم ) )قال «الزِّيادة خير من النُّقصان» ، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقال الذَّهبي في «مختصره» وفيه عمَّار بن مطر الرَّهاوي، وقد تركوه، وعمَّار ليس في السُّنن هذا، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا فيما إذا شكَّ ثمَّ تحرى الصَّواب، فإنَّه يبني على أكبر رأيه كما قلنا، وتبويب أبي داود يدلُّ على هذا حيث قال «باب من قال يتمُّ على أكبر ظنِّه» .

وذكر الطَّبري عن بعض أهل العلم أنَّه يأخذ بأيهما أحبَّ لعدم التَّاريخ قال ومنهم من رجَّح حديث أبي سعيد رضي الله عنه بالقياس؛ لأنَّ من شكَّ أنَّه فعل، والرَّكعة في ذمَّته بيقين لا يبرأ بالشكِّ.

وفي «التَّوضيح» قال أبو عبد الملك حديث أبي هريرة رضي الله عنه يحمل على ما يَجبُر به السَّاهي صلاته، ويرجع في بيان حكم المصلِّي فيما يشكُّ فيه، وفي موضع سجوده من صلاته إلى سائر الأحاديث المفسرة، وهو قول أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما والحسن وربيعة ومالك والثَّوري والشَّافعي وأبي ثور وإسحاق، وما حمله عليه أبو عبد الملك هو ما فسره اللَّيث بن سعد، وقاله مالك وابن القاسم. وعن مالك قول آخر لا يسجد له، حكاه ابن نافع عنه.

وقال ابنُ عبد الحكم لو سجد بعد السَّلام كان أحبَّ إليَّ. وقال آخرون إذا لم يدرِ كم صلَّى أعادها أبدًا حتَّى حفظ، روي هذا عن ابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهم، وعن الشَّعبي وشريح وعطاء وميمون بن مهران وسعيد بن جُبير.

وهنا قول آخر أنَّهم إذا شكُّوا في الصَّلاة أعادوها ثلاث مرَّات، فإذا كان الرَّابعة لم يعيدوها، والقولان مخالفان للآثار، ولا معنى لمن حدَّ ثلاث مرات.

وقال النَّووي قال أبو حنيفة رحمه الله إن حصلَ له الشَّك أوَّل مرَّة بطلت صلاته، وإن صار عادة له اجتهدَ وعمل بغالب ظنِّه، وإن لم يظنَّ شيئًا عمل بالأقل.

ثمَّ قال قال أبو حامد قال الشَّافعي في القديم ما رأيت قولًا أقبح من قول أبي حنيفة هذا، ولا أبعد من السنَّة، انتهى.

وقال العينيُّ النَّقل عن إمام بما ليس يقوله، والتَّشنيع عليه بغيرِ وجهٍ أقبحُ من هذا، فكيف رأى النَّووي نقل هذا التَّشنيع الباطل عن من فيه ميل إلى التعصُّب الفاحش عن مثل الإمام الشَّافعي الذي شهدَ لأبي حنيفة

ج 6 ص 139

رحمه الله بأنَّ النَّاس عيال له في الفقه.

وهذا الَّذي نقله عن أبي حنيفة رحمه الله ليس بصحيحٍ، ولا هو بموجود في أمَّهات كتب أصحابنا المشهورة، بل المشهور فيها أنَّهم قالوا يستقبل لتقع صلاته على وصف الصحَّة بيقين حتَّى قال أبو نصر البغدادي المشهور بالأقطع الاستئناف أولى؛ لأنَّه يسقط به الشَّك بيقين، ومع هذا فأبو حنيفة رحمه الله عمل في كلِّ واحدة من الأحوال الثَّلاث بحديث مع أنَّه قال ابن عمر رضي الله عنهما مثله.

فروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» من حديث ابن سيرين عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال أمَّا أنا فإذا لم أدرِ كم صلَّيت فإنِّي أُعيد. وروى من حديث سعيد بن جُبير عن ابن عمر رضي الله عنهما في الذي لا يدري ثلاثًا صلَّى أو أربعًا قال يعيد حتَّى يحفظ.

وعن جرير بن منصور قال سألت ابن جبير عن الشَّك في الصَّلاة؟ فقال أمَّا أنا فإذا كان في المكتوبة فإنِّي أُعيد.

وعن إسماعيل بن أبي خالد عن الشَّعبي قال يعيد، وكان شُريح يقول يعيد. وعن ليث عن طاوس قال إذا صلَّيت فلم تدرِ كم صلَّيت فأعدها مرَّة، فإن التبست عليك مرَّة أخرى فلا تعدها.

وقال عطاء يعيدها مرَّة، روي ذلك عن مالك، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت