5987 - (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ بالإفراد (بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، هو أبو محمد السَّختياني المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، قال (أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء المشددة وبالدال المهملة، واسم أبي مُزَرِّدٍ عبد الرَّحمن مولى هاشم المدني، وله حديثٌ آخر، وهو ثالث أحاديث الباب عن عائشة رضي الله عنها [خ¦5989] ، وحديثٌ آخر مرَّ في «الزَّكاة» [خ¦1442] (قَالَ سَمِعْتُ عَمِّي سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين المدني، أبو الحُباب _ بضم الحاء المهملة وموحدتين بينهما ألف _، مولى شقران، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات سنة تسعَ عشرة ومائة، وقيل اختلف في ولائه لمن هو (يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (خَلَقَ الْخَلْقَ) يحتمل بأن يكون المراد خلق جميع المخلوقات، ويحتمل أن يكون المراد به المكلَّفين، ويحتمل أن يكون بعد خلق السَّموات والأرض وإبرازها في الموجود، ويحتمل أن يكون بعد خلقها كتبَها [1] في اللَّوح المحفوظ، ولم يُبرز بعد إلَّا اللَّوح المحفوظ والقلم، ويحتمل أن يكون بعد انتهاء خلق أرواح بني آدم عند قوله {أَلَسْتُ بِرَبِّكُم} [الأعراف 17] لمَّا أخرجهم من صُلبِ آدم مثل الذَّر.
(حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ) أي قضاه وأتمَّه ونحو ذلك ممَّا يشهد بأنَّه مجازٌ، فإنَّ الله تعالى لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ. وقال الزَّجاج الفراغ في اللُّغة على ضربين الفراغ من شغلٍ، والآخر القصد لشيءٍ. تقول فرغتُ ممَّا كنت فيه؛ أي قد زالَ شغلي به، وتقول سأتفرَّغ لفلانٍ؛ أي سأجعله قصدي.
قال الطِّيبي
ج 25 ص 371
في «حاشيته على الكشاف» فهو محمولٌ على مجرَّد القصد فهو كنايةٌ عن التَّوفر على الكناية، ثمَّ استعير هذه العبارة للخالق جلَّ جلاله، وعزَّ شأنه لذلك المعنى، وإليه الإشارة بقوله {سَنَفْرُغُ} [الرحمن 31] مستعارٌ من قول الرَّجل لمن يتهدَّده سأفرغُ لك.
والوجه الآخر منزَّلٌ على الفراغ من الشُّغل، لكن على سبيل التَّمثيل، شبه تدبيره تعالى أمر الآخرة من الأخذِ في الجزاء، وإيصال الثَّواب والعقاب إلى المكلَّفين بعد تدبيره تعالى لأمر الدُّنيا بالأمر والنَّهي، والإماتة والإحياء، والمنع والإعطاء، وأنَّه سبحانه وتعالى لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ بحال من إذا كان في شغلٍ يشغله عن شغلٍ آخر إذا فرغ من ذلك الشُّغل شرع في آخر.
وقد ألمَّ به صاحب «المفتاح» حيث قال الفراغ والخلاص عن المهامِ، والله تعالى لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ وقع مستعارًا للأخذ في الجزاء وحده، وهو المراد بقوله وقع ذلك فراغًا على طريق المثلِ.
(قَالَتِ الرَّحِمُ) ويُروى (هَذَا) أي قيامي هذا (مَقَامُ الْعَائِذِ) أي قيام المستجير (بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ) قال ابنُ أبي جمرةَ يحتمل أن يكون بلسان الحال، ويحتمل أن يكون بلسانِ المقال قولان مشهوران، والثَّاني أرجح، وعلى الثَّاني فهل تتكلَّم كما هي، أو يخلقُ الله لها عند كلامها حياةً وعقلًا؟ قولان أيضًا مشهوران، والأوَّل أرجحُ؛ لصلاحية القدرة العامَّة لذلك، ولِما في الأوَّلَين من تخصيص عموم لفظ القرآن، والحديث من غير دليلٍ، ولِما يلزم من حصر قدرة القادر الَّتي لا يحصرها شيءٌ، وقيل إنَّه محمولٌ على المجاز، وأنَّه من باب ضرب المثل، إذ الرَّحم معنى، وهو اتِّصال القربى بين أهل النَّسب، فهي استعارةٌ تمثيليَّةٌ، وهي الَّتي الوجه فيها منتزعٌ من أمورٍ متوهمة للمشبَّه المعقول ما كانت ثابتة للمشبَّه به المحسوس، وذلك بأن شُبِّهت حالة الرَّحم، وما هي عليه من الافتقار إلى الصِّلة، والذَّب عنها من القطيعة بحال مستجيرٍ يأخذ بذيل المستجار به، وحقو إزاره.
ثمَّ أدخل صورة حال المشبَّه في جنس المشبَّه به، واستعمل في حال المشبَّه
ج 25 ص 372
ما كان مستعملًا في حال المشبَّه به من الألفاظ بدلائل قرائن الأحوال، ويجوز أن يكون استعارةً مكنيَّةً بأن يُشبِّه الرحم بإنسانٍ يستجير بمن يحميه، ويذبُّ عنه ما يؤذيه، ثمَّ انعقدَ على سبيل الاستعارة التَّخييليَّة ما هو لازم المشبَّه به من القيام؛ ليكون قرينةً مانعةً من إرادة الحقيقة، ثمَّ رسخت الاستعارة بالقول.
وقال القاضي عياض الرَّحم التي تُوصل وتُقطع إنَّما هي معنى من المعاني ليست بجسمٍ، وإنَّما هي قرابةٌ ونسبٌ، واتِّصال معنوي، والمعاني لا يأتي منها القيام ولا الكلام، فيكون ذكر قيامها هنا وتعلُّقها بالعرش ضرْبُ مَثَلٍ وجنس استعارةٍ على عادة العرب في استعمال ذلك، وتعظيم شأنها، وفضيلة واصلها، وإثمُ قاطعها بعقوقهم، ولهذا سُمِّي العقوق قطعًا، والعقُّ الشَّق كأنَّه قطع ذلك السَّبب المتصل.
قال ويجوز أن يكون المراد قيام ملكٍ من الملائكة تعلَّق بالعرش، وتكلَّم على لسانها بهذا بأمر الله عزَّ وجلَّ، هذا ولكن في رواية عبد الله بن عَمرٍو عند أحمد (( إنَّها تكلَّم بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ ) ). ووقع في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عند الطَّبراني (( إنَّ الرَّحم آخذةٌ بحُجزة الرَّحمن ) ).
وحكى الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» إنَّ المراد بالحُجزة هنا قائمة العرش. وأيَّد ذلك بما أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها (( إنَّ الرَّحم آخذةٌ بقائمةٍ من قوائم العرش ) ). وسبق في «سورة القتال» (( فأتت الرَّحم فأخذتْ بحقو الرَّحمن ) ) [خ¦4830] وهذه كلُّها استعارةٌ أيضًا. ووقع في رواية حبَّان بن موسى، عن ابن المبارك بلفظ (( هذا مكانٌ ) )بدل (( مقام ) ). أخرجه النَّسائي.
(قَالَ) أي الله تعالى (نَعَمْ، أَمَا) بتخفيف الميم (تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ) أي أتعطَّف عليه وأرحمه (وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ) فلا أرحمه (قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ) رضيت، وفي رواية أبي ذرٍّ (قَالَ) تعالى (فَهْوَ) أي قوله (( أصل من وصلك ... إلى أخره ) ) (لَكِ) بكسر الكاف، قال ابن أبي جمرة الوصلُ من الله، كنايةٌ عن عظيم إحسانه، وإنَّما
ج 25 ص 373
خاطب النَّاس بما يفهمون، ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبِّه الوصال، وهو القربُ منه، وإسعافه بما يريد، ومساعدته على ما يرضيهِ، وكانت حقيقة ذلك مستحيلةٌ في حقِّ الله تعالى، عرف أنَّ ذلك كنايةٌ عن عظيم إحسانهِ لعبده.
قال وكذا القولُ في القطع، وهو كنايةٌ عن حرمان الإحسان.
وقال القرطبيُّ وسواءٌ قلنا إنَّه يعني القول المنسوب إلى الرَّحم على سبيل المجاز أو الحقيقة، أو إنَّه على جهة التَّقدير والتَّمثيل، كان المعنى لو كانت الرَّحم ممَّن يَعقل ويَتكلَّم لقالت كذا، ومثله {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا} الآية [الحشر 21] ، وفي آخرها {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} [العنكبوت 43] .
فالمقصود من هذا الكلام الإخبار بتأكد أمر الصِّلة، وأنَّه تعالى نزَّلها منزلة من استجار به فأجاره فأدخله في حمايتهِ، وإذا كان كذلك فجارُ الله غير مخذولٍ، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( من صلَّى الصُّبح فهو في ذمَّة الله، وإنَّ من يطلبه الله بشيءٍ من ذمَّته يدركه، ثمَّ يكبُّه على وجهه في النَّار ) ). أخرجه مسلم.
قال أبو هريرة (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} ) [2] .
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد سبق في «تفسير سورة القِتال» [خ¦4830] .
[1] في هامش الأصل في نسخة كَتْبًا.
[2] في هامش الأصل أي فهل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمَّرتم عليهم أو أعرضتُم عن الإسلام أن تفسدوا في الأرض وتقطِّعوا أرحامكم تفاخرًا على الولاية وتجاذبًا لها، أو رجوعًا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغاور ومقاتلة الأقارب، والمعنى أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم. قاضي.