فهرس الكتاب

الصفحة 5262 من 11127

44 - (باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} ) أي واذكر يا محمَّد في القرآن مريم بنت عمران بن ماثان وكلمة (( إذ ) )بدل من مريم بدل الاشتمال {انْتَبَذَتْ} ؛ أي اعتزلت فانفردتْ وجلستْ وتخلَّصت للعبادة من أهلها مكانًا؛ أي في مكان شرقيٍّ ممَّا يلي المقدس، أو شرقيٍّ من دارها. وعن الحسن البصري اتَّخذتِ النَّصارى المشرقَ قِبْلَة؛ لأنَّ مريم انتبذتْ مكانًا شرقيًّا. وسيجيء ما يتعلَّق بهذه الآية وما بعدها بعد بابين [خ¦3435] إن شاء الله تعالى.

{إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ} ) الواو ليست من التِّلاوة. وكلمة (( إذ ) )بدل من {إِذْ قَالَتِ} الأولى وما بينهما اعتراض، وسيأتي ذلك أيضًا بعد هذا الباب، أو من {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} على أنَّ وقوعَ الاختصام والبشارة في زمان متَّسِعٍ، كقولك لقيته سنة كذا {مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} يعني يكون مشهورًا بهذا في الدُّنيا يعرفه المؤمنون بذلك، والمسيحُ لقبُ عيسى عليه السَّلام، وهو من الألقاب المشرِّفة كالصدِّيق، وأصله بالعبريَّة مشيحًا، بالشين المعجمة، ومعناه المُبارك، وعيسى معرَّب أيشوع، واشتقاقهما من المسح؛ لأنَّه مُسِحَ بالبركة، أو بما طَهَّرهُ من الذُّنوب، أو مَسَحَ الأرض ولم يقمْ في موضع، أو مسحه جبريل، واشتقاقُه من العِيْسِ؛ وهو بياضٌ تعلوه حُمرة تكلُّفٌ لا طائلَ تحته، وابن مريم صفته،

ج 15 ص 360

وإنما قيل ابن مريم، والخطاب لها تنبيهًا على أنَّه يُولد من غير أبٍ؛ إذ الأولاد تُنْسَبُ إلى الآباء، ولا تُنْسَبُ إلى الأمِّ إلَّا إذا فقد الأب.

وقوله {بِكَلِمَةٍ} ؛ أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله؛ أي بقوله كن فيكون {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ} حال مقدرة من كلمة، وهي وإن كانت نكرة، لكنها موصوفة، وتذكيرُها تذكيرٌ للمعنى، والوجاهةُ في الدُّنيا النبوَّة، وفي الآخرة الشَّفاعة، وقيل وجيهًا؛ أي شريفًا ذا وجاهةٍ وقَدْر {وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران 45] من الله بالثَّواب والكرامة، وقيل إشارة إلى علوِّ درجته في الجنَّة، أو رَفْعِه إلى السَّماء وصُحْبةِ الملائكة.

(وَقَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} إِلَى قَوْلِهِ {بِغَيْرِ حِسَابٍ} ) أي اقرأ الآيات إلى قوله {بِغَيْرِ حِسَابٍ} قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} [البقرة 132] أي اختار {آدَمَ وَنُوحًَا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران 33] بالرِّسالة والخصائص الرُّوحانية والجسمانيَّة وصفَّاهم من الصِّفات الذَّميمة، وزيَّنهم بالخصائل الحميدة حتَّى قووا على ما لم يقو عليه غيرهم، وقيل اختار آدم؛ لأنَّه خلقه بيدهِ ونفخَ فيه من روحه، وأسجده ملائكته، وعلَّمه أسماء كلِّ شيءٍ، وأسكنَه جنَّتَه، واصطفى نوحًا وجعَلَه أول رسولٍ بُعِثَ إلى أهل الأرض لما عَبَدَ النَّاسُ الأوثان، واصطفى آل إبراهيم، وجَعَل منهم سيَّدَ البشر خاتمَ الأنبياء محمَّدًا صلى الله عليه وسلم وآلَ عمران، وجَعَل منهم موسى وهارون عليهما السَّلام، أو عيسى عليه السَّلام، وآلَ إبراهيم هم إسماعيل وإسحاق وأولادهما، وآلُ عمران موسى وهارون ابنا عمران بن يَصْهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، أو عيسى وأمه مريم بنت عمران بن ماثان، وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران 34] حال، أو بدل من الآلين، أو منهما ومن نوح؛ أي إنَّهم ذريَّةٌ واحدةٌ متشعِّبةٌ بعضُها من بعضٍ؛ فموسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحاق، وكذلك عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن أيشي بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق، وقيل بعضُها من بعضٍ في الدِّين، والذريَّةُ

ج 15 ص 361

الولد يقع على الواحد، والجمع فُعْلِيَّة من الذَّر، أو فُعُولة من الذَّرْء أُبْدِلَت همزتها ياء ثم قلبت الواو فأُدْغِمَت {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران 34] بأقوال النَّاس وأعمالهم، فيصطفي من كان مستقيم القول والعمل، أو سميعٌ بقول امرأة عمران عليمٌ بِنِيَّتِها {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} [آل عمران 35] فينتصب إذ بقوله سميعٌ عليمٌ، وقيل نَصَبه بإضمار اذكر، وامرأة عمران هذه هي حنَّة بنت فاقوذا أم مريم البتول جدَّة عيسى عليه السَّلام.

وقوله {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ} على أثر قوله {وَآَلَ عِمْرَانَ} ممَّا يرجِّح أن عمران هو عمران بن ماثان جدُّ عيسى عليه السَّلام، والقول الآخر يرجِّحه أنَّ موسى يقرن بإبراهيم كثيرًا في الذِّكر، فإن قيل كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبي مريم التي هي أخت موسى وهارون.

فالجواب أنَّه كَفَى بكفالِة زكريا دليلًا على أنَّه عِمران أبو البتول؛ لأنَّ زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عَصْرٍ واحد، وقد تزوَّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة، كما مرَّ في الحديث السَّابق {مُحَرَّرًَا} معتقًا لخدمة بيت المقدس لا يَدَ لِيْ عليه ولا أستخدمه ولا أُشْغِلُه بشيء، وكان هذا النَّذرُ مشروعًا عندهم.

وروي أنَّهم كانوا ينذرون هذا النَّذر، فإذا بلغ الغلام خُيِّر بين أن يفعل وأن لا يفعل. وعن الشَّعبي {محرَّرًا} مخلصًا للعبادة، وما كان التَّحرير إلَّا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التَّقدير، أو طلبت أن ترزق ذكرًا {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} ما نذرته {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران 35] لقولي ونيَّتي {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} الضَّمير لما في بطنها، وإنَّما أنث على المعنى؛ لأنَّ ما في بطنها كان أنثى في علم الله تعالى، أو على تأويل الحَبْلة، أو النَّفْس، أو النَّسْمة

ج 15 ص 362

وجاز انتصاب أنثى حالًا عنه؛ لأنَّ تأنيثَها علمٌ منه، فإنَّ الحال وصاحبها بالذَّات واحد، والأصل وضعتُه أنثى، وأُنِّث لتأنيث الحال، أو على تأويل الحَبْلة، أو النَّسْمة كأنَّه قيل وضَعْتُ الحبلة أو النَّسْمة أنثى، وإنَّما قالت ذلك تحسُّرًا على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها فتحزَّنت إلى ربها؛ لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرًا، وكذلك نذرته محرَّرًا للسِّدانة ولتكلمها بذلك على وجه التَّحسر والتحزُّن قال الله تعالى {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} تعظيمًا لموضوعها وتجهيلًا لها بَقْدر ما وَهَبَ لها. ومعناه والله أعلم بالشَّيء الذي وَضَعَتْ وما علق به من عظائم الأمور، وأنْ يَجْعَلَه وولدَه آية للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئًا، ولذلك تحسَّرت، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب {وضعتُ} بضم التاء، على أنَّه من كلامها تسلية لنفسها بمعنى لعلَّ لله فيه سرًّا وحكمة، ولعلَّ هذه الأنثى خيرٌ من الذَّكر، وفي قراءة ابن عبَّاس رضي الله عنهما {بما وضعتِ} بكسر التاء على خطاب الله تعالى لها؛ أي إنَّك لا تعلمين قدر هذا الموهوبِ، وما عَلِمَ اللهُ من عظَمِ شأنه وعلوِّ قدره.

{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} بيان لما في قوله {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} من التَّعظيم للموضوع والرفع منه؛ أي وليس الذَّكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبتُ لها، واللام فيهما للعهد، ويجوز أن يكون من قولها بمعنى وليس الذَّكر والأنثى سيين فيما نذرتُ، فتكون اللام للجنس {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} عطف على أني وضعتُها أنثى وما بينهما جملتان معترضتان، وإنَّما ذكرتْ ذلك لربِّها تقرُّبًا إليه وطلبًا لأن يعصمَها ويُصلحها حتى يكون فعلها مطابقًا لاسمها، فإنَّ مريم في لغتهم بمعنى العابدة.

ألا ترى أنَّه كيف أَتْبَعَتْهُ طلبَ الإعاذة لها ولولدها من الشَّيطان وإغوائه

ج 15 ص 363

فقالت {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ} أجيرها بحفظك {وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران 36] المطرود، وأصل الرَّجم الرَّمي بالحجارة، وعن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما من مولود يُولد إلَّا والشَّيطان يمسه حين يولد فيستهلُّ من مسِّه إلَّا مريم وابنها ) )ومعناه أنَّ الشَّيطان يطمع في إغواء كلِّ مولود بحيث يتأثر منه إلَّا مريم وابنها فإنَّ الله عصمهما ببركة هذه الاستعاذة، قاله القاضي.

وسيأتي الحديث وما يتعلَّق به في هذا الباب إن شاء الله تعالى {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} فرضي بها في النَّذر مكان الذكر {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} القبول اسم ما يقبل به كالسَّعوط واللَّدود لما يُسْعَط به ويُلَد، ومعناه بوجه حسن يُقْبَل به النَّذائر، وهو إقامتها مقام الذَّكر ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو تَسَلَّمَها عَقِيبَ ولادتِها قبل أن تكْبُر وتصْلُح للسِّدانَةِ.

روي أنَّ حنَّة حين ولدت مريم لفَّتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم دونكم هذه النَّذيرة فتنافسوا فيها؛ لأنَّها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فإنَّ بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا عليه السَّلام أنا أحقُّ بها؛ عندي خالتها، فقالوا لا، حتَّى نقترع عليها فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامُهم فتكفَّلها، ويجوز أن يكون القبول مصدرًا على تقدير مضاف بمعنى فتقبَّلها بذي قبولٍ حسنٍ، وهو الاختصاص بذلك، وأن يكون تقبَّل بمعنى استقبل كَتَقَضَّى وتَعَجَّلَ بمعنى استَقْضَى واسْتَعْجَل، وهو كثير في كلامهم من اسْتَقْبَلَ الأَمْرَ إذا أخَذَه بأَوَّلِه وعُنْفُوانه. قال القطامي

~وخَيرُ الأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلتَ مِنهُ وَلَيسَ بِأَنْ تَتبَّعَه اتِّباعًا

ومنه المثل خذ الأمر بقوابله؛ أي فأخذها في أوَّل أمرها حين ولدت بقبول حسن {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} شدَّد الفاء عاصم وحمزة والكسائي، وقصروا

ج 15 ص 364

زكريا غير أبي بكر عن عاصم على أنَّ الفاعل هو الله، وزكريا مفعول؛ أي جعلَه كافلًا لها وضامنًا لمصالحها، وخفف الباقون ومدوا زكريا مرفوعًا. وقرأ مجاهد {فتقبلْهَا ربَّها ... وأنبتْها ... وكفِّلْها} على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة ونصب ربَّها تدعو بذلك؛ أي فاقبلها يا ربَّها وربِّها تربيةً حسنةً، واجعل زكريا كافلًا لها.

{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} قيل بنى لها زكريا عليه السَّلام محرابًا في المسجد؛ أي غرفة يُصْعَد إليها بِسُلَّم، وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدمها كأنَّها وُضِعَتْ في أشرف موضع من بيت المقدس، وقيل كانت مساجدُهم تسمَّى المحاريب، وسمِّيت بذلك؛ لأنها محل محاربة الشَّيطان.

ورُوي أنَّه كان لا يدخل عليها إلَّا هو وحده، وكان إذا خرجَ غلَّق عليها سبعةَ أبواب {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} كان رزقها ينزل عليها من الجنَّة، ولم ترضع ثديًا قطُّ، فكان يجد عندها فاكهة الشِّتاء في الصَّيف وفاكهة الصَّيف في الشِّتاء {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} من أين لك هذا الرِّزق الذي لا يشبه أرزاق الدُّنيا، وهو آت في غير أوانه والأبواب مغلَّقة عليكِ لا سبيل للدَّاخل به إليك، وهو دليلُ جواز الكرامة للأولياء، وجَعْلُ ذلك معجزةً لزكريا يَدْفَعُه اشتباهُ الأمر عليه {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} فلا تستبعد، قيل تكلَّمت صغيرة كعيسى عليه السلام {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران 37] بغير تقديرٍ لكثرته، أو بغير استحقاق تفضُّلًا به بغير محاسبة، ومجازاة على عمل.

وعن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه جاع في زمن قحطٍ فأهدتْ له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعةَ لحْم آثرتْه بها، فرجعَ بها إليها، وقال هلمي يا بنيَّة فكشفت عن الطَّبق، فإذا هو مملوء خبزًا ولحمًا فبُهِتَتْ وعَلِمَتْ أنَّها نزلت من عند الله، فقال لها صلى الله عليه وسلم (( أنى لك هذا؟ ) )فقالت هو من عند الله إنَّ الله يرزقُ من يشاءُ بغير حساب، فقال صلى الله عليه وسلم (( الحمدُ لله الذي جَعَلَكِ شبيهة سيِّدة نساء بني إسرائيل )

ج 15 ص 365

ثمَّ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا والحسن والحسين وجميع أهلِ بيته رضي الله عنهم عليه حتَّى شبعوا، وبقي الطَّعام كما هو فأوسعتْ فاطمة على جيرانها. ثمَّ إنَّ قوله {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يحتمل أن يكون من كلام مريم عليها السَّلام، أو من كلام ربِّ العزَّة عزَّ مِن قائل.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَآلُ عِمْرَانَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَآلِ يَاسِينَ) المراد منهم الذين في قوله تعالى {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات 123] [1] ، وقيل إدريس، وقيل غيره (وَآلِ مُحَمَّدٍ يَقُولُ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما ( {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} ) أي إنَّ أخصَّهم به وأَقْرَبَهم منه، مِنَ الوَلْي، وهو القُرْبُ ( {لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} ) من أمَّته (وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) يعني أنَّ المراد من آل إبراهيم وآل غيره هم المؤمنون الذين اتَّبعوه فيما شرع له على الأصالة من الدِّين، وأمَّا الذين لم يتَّبعوه فلا يعدون من الآل، وقد أكدَّ ذلك بقوله تعالى {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} [آل عمران 68] وقال وهم المؤمنون.

والحاصل أنَّ آل إبراهيم وآل عمران وإن كان عامًّا، لكنَّه أريد به الخصوص، وهو أنَّ المراد هم المؤمنون منهم. وهذا الأثر وَصَلَه ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه.

(وَيُقَالُ آلُ يَعْقُوبَ، أَهْلُ يَعْقُوبَ. إِذَا صَغَّرُوا {آلَ} ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الأَصْلِ قَالُوا أُهَيْلٌ) أشار بهذا إلى أنَّ أصل آل أهل، ألا ترى أنَّهم إذا صغروه يقولون أُهَيل؛ لأن التَّصغير يردُّ الأشياء إلى أصولها، ولكن فيه خلاف، وهذا المذكور هو قول سيبويه والجمهور، وقيل أصله آَوَلَ من آَل يَؤول إذا رَجَعَ؛ لأنَّ الإنسان يرجِعُ إلى آله؛ فقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وتصغيره حينئذٍ على أُوَيل.

[1] في هامش الأصل وإلياس هو ابن ياسين سبط هارون أخي موسى عليهم السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت