فهرس الكتاب
15 - (بابُ) حكم (مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا) بفتح الميم وتخفيف الواو، هو الأرضُ الخراب. وعن الطَّحاوي هو ما ليس بملكٍ لأحدٍ، ولا هو من مرافق البلد وكان خارج البلد سواءٌ قرُب منه أو بعُد في ظاهر الرِّواية. وعن أبي يوسف أرضُ الموات هي البقعة التي لو وقف رجلٌ على أدناه من العامر، ونادى بأعلى صوته لم يسمعْه أقرب مَنْ في العامر إليه.
وقال القزَّاز الموات الأرض التي لم تُعْمر شبِّهت العِمارة بالحياة، وتعطيلها بفقدِ الحياة، وإحياء الموات أن يعمدَ الشَّخص لأرضٍ لا يُعلَم تقدُّمُ ملك عليها لأحدٍ فيحييها بالسَّقي والزَّرع أو الغرس أو البناء، فيصير بذلك ملكه سواءٌ كان فيما قرُب من العمران أم بعُد، وسواءٌ أذنَ له الإمام في ذلك أم لا، وهذا قولُ الجمهور.
وعن أبي حنيفة رحمه الله لا بدَّ من إذن الإمام مطلقًا، وعن مالكٍ فيما قرُب، وضابط القُرْب ما بأهل العمران إليه حاجةٌ من رعي ونحوه.
واحتجَّ الطَّحاوي للجمهور مع حديث الباب بالقياس على ماء البحر والنَّهر، وما يصاد من طيرٍ وحيوانٍ فإنَّهم اتَّفقوا على أنَّ مَنْ أخذَه أو صاده يملكه، سواءٌ
ج 11 ص 92
قرُب أم بعُد، وسواءٌ أذن الإمام أم لم يأذن، وسيجيء لهذا المبحث زيادة تفصيل في آخر الباب إن شاء الله تعالى [1] [خ¦2337] .
(وَرَأَى عَلِيٌّ) أي ابن أبي طالب رضي الله عنه (ذَلِكَ) أي الإحياء (فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ) هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية النَّسفي .
(وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهْيَ لَهُ) وهذا التَّعليق وصله مالكٌ في «الموطأ» عن ابن شهاب عن سالمٍ عن أبيه، مثله.
وروِّينا في (( الخراج ) )ليَحيَى بن آدمَ حدَّثنا سفيان، عن الزُّهري، عن سالمٍ، عن أبيه قال كان النَّاس يتحجَّرون _ يعني الأرض _ على عهد عمر رضي الله عنه، فقال من أحيا أرضًا فهي له. قال يَحيَى كأنَّه لم يجزها، ولم يجعلها له بمجرَّد التَّحجير حتَّى يُحييها.
وفيه بيان سبب ذلك. وفي لفظ (( وذلك أنَّ قومًا كانوا يتحجَّرون أرضًا، ثمَّ يدعونها ولا يحيونها ) )، وروى أبو عُبَيد في كتاب (( الأموال ) )بإسناده عن محمَّد بن عبد الله الثَّقفي قال كتب عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (( مَنْ أحيا مواتًا فهو أحقُّ به ) ).
وعن العبَّاس بن يزيد أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال من أحيا أرضًا مواتًا ليس في يد مسلمٍ، ولا معاهد فهي له.
وعن عَمرو بن شُعَيب قال أقطعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسًا من مُزينة أو جُهينة أرضًا فعطَّلوها، فجاء قومٌ فأحيوها، فقال عمر رضي الله عنه لو كانت قطيعة منِّي أو من أبي بكرٍ رضي الله عنه لرددتُها، ولكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقال عند ذلك مَنْ عطَّل أرضًا ثلاث سنين لم يعمرْها فجاء غيره فعمرها فهي له. وفي لفظ حتَّى يمضي ثلاث سنينٍ فأحياها غيره فهو أحقُّ بها.
وقوله (( ميِّتة ) )قال الشَّيخ زين الدين هو بتشديد الياء، وأصله ميوتة، فاجتمعت الياء والواو، وقد سبقت إحداهما بالسكون فأعلَّت فصارت ميِّتةً، ولا يقال هنا أرضًا ميْتة، بالتَّخفيف؛ لأنَّه لو خفِّفت لحذفت تاء التَّأنيث، كما قال الجوهريُّ إنَّه يستوي فيه المذكَّر والمؤنث، قال الله تعالى {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} [الفرقان 49] انتهى.
وأنت خبيرٌ بأنَّه لا يلزم من استواء المذكَّر والمؤنث فيه حذف تاء التَّأنيث البتَّة، كيف وقد جاء في القرآن كلاهما في نحو قوله تعالى {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ} [يس 33]
ج 11 ص 93
حيث قُرِئَتْ بالتَّشديد والتخفيف مع التاء.
(وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بفتح العين المهملة فيهما، هو ابن زيد المُزَنيُّ الصَّحابي رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي مثل حديث عمر رضي الله عنه هذا (وَقَالَ) أي عَمرو بن عَوفٍ المذكور، وأشار به إلى أنَّه زاد وقال (( مَنْ أحيا أرضًا ميتةً ) ).
(فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ) أي مَنْ غرس في أرضِ غيره بدون إذنه فليس له في الإبقاء فيها حقٌّ، ثمَّ إنَّ رواية الأكثر بتنوين عرقٍ فيكون قوله «ظالمٍ» نعتًا له، ووصفه به باعتبار تقدير المضاف؛ أي ليس لذي عرقٍ ظالمٍ، أو باعتبار الإسناد المجازيِّ؛ لأنَّه لظالمٍ أو لأنَّ الظُّلم حصل به، وقيل معناه لعرق ذي ظلم، وروي بالإضافة فالمعنى ظاهرٌ، فالعرق المغروس مثلًا والظَّالم الغارس، وإنَّما سمِّي ظالمًا؛ لأنَّه تصرُّف في ملك الغير بلا استحقاقٍ ووضع الشَّيء [2] في غير موضعه، وبالرِّواية الأولى جزم مالكٌ والشَّافعي والأزهريُّ وابن فارسٍ وغيرهم، وبالغ الخَطَّابي فغلَّط رواية الإضافة.
قال ابنُ حَبيبٍ بلغني عن ربيعة أنَّه قال العرق الظَّالم عرقان ظاهرٌ، وباطنٌ.
فالباطن ما احتفره الرَّجل من الآبار، واستخرجه من المعادن.
والظَّاهر ما بناهُ أو غرسه.
وعنه العروق أربعةٌ عرقان فوق الأرض، وهما الغرس والبناء، وعرقان في جوفها المياهُ والمعادن.
وفي «المعرفة» للبيهقيِّ قال الشَّافعي العرق الظَّالم كلُّ ما حُفِرَ أو غُرِسَ أو بُنِيَ ظلمًا في حقِّ امرئٍ بغير خروجه منه.
وفي كتاب «الخراج» ليَحيَى بن آدمَ عن الثَّوري وسُئلَ عن العِرْق الظَّالم فقال هو المُنْتَزِي، وهو من قولهم انتزَى على الأرض، إذا أخذها، وهو من باب الافتعال من النَّزو _ بالنون والزاي _ وهو الوثبة.
وعند النَّسائي عن عروة بن الزُّبير هو الرَّجل يعمر الأرض الخربة وهي للنَّاس، وقد عجزوا عنها فتركوها حتَّى خربت، وقيل هو مَنْ غرسَ، أو زرعَ، أو بنى، أو حفرَ في أرض غيره بغير حقٍّ ولا شبهةٍ.
هذا ثمَّ إنَّه وصله الطَّبراني وابن عَديٍّ والبيهقيُّ من رواية كثيرِ بن عبد الله، عن أبيه، عن جدِّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ أحيا أرضًا ميتةً فهي له، وليس لعِرقٍ ظالم حقٌّ ) ). وفي رواية له (( مَنْ أحيا مواتًا من الأرض في غير حقِّ مسلمٍ
ج 11 ص 94
فهو له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ )) ، ورواه أيضًا إسحاق بن راهويه قال أخبرنا أبو عامرٍ العَقديُّ، عن كثير بن عبد الله بن عَمرو بن عوف حدَّثني أبي أنَّ أباه حدَّثه أنَّه سمع النَّبي صلى الله عليه سلم يقول (( مَنْ أحيا أرضًا مواتًا من غير أنْ يكون فيها حقُّ مسلمٍ فهي له، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ ) ). وكثير هذا ضعيفٌ، وليس لجدِّه عَمرو بن عوف في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وهو غير عَمرو بن عَوف الأنصاريِّ البدريِّ الذي يأتي حديثه في «الجزية» [خ¦3158] وغيرها. وفي بعض الرِّوايات (( وقال عُمر وابن عَوف ) )على أنَّ الواو عاطفة، والمراد عمر بن الخطَّاب وعبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنهما.
قال الِكَرمانيُّ فعلى هذا يكون ذكر عمر رضي الله عنه مكرَّرًا.
وأجاب بأنَّ فيه فوائد
الأولى أنَّه بصيغة القوَّة، وهذا بصيغة التَّمريض، وهو بدون الزِّيادة وهذا معها، وهو غير مرفوعٍ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهذا مرفوعٌ، ومع هذا فالصَّحيح هو الأُولى _ يعني أنَّه عَمرو، بالواو _ وهو ابن عَوفٍ المُزَني لا أنَّه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وعبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه.
ثمَّ إنَّ لحديث عَمرو بن عوف المعلَّق شاهدٌ قويٌّ أخرجه أبو داود من حديث سعيد بن زيد، وله من طريق ابن إسحاق، عن يَحيَى بن عروة، عن أبيه، مثله، مرسلًا وزاد (( قال عروة فلقد أخبرني الذي حدَّثني بهذا الحديث أنَّ رجلين اختصما إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم غرس أحدُهما نخلًا في أرض الآخر [فقضى لصاحب الأرض بأرضه] [3] ، وأمر صاحب النَّخل أن يخرجَ نخله منها ) ).
وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها أخرجه أبو داود الطَّيالسي، وعن سَمُرة رضي الله عنه عند أبي داود والبيهقيِّ وعن عُبادة وعبد الله بن عَمرو رضي الله عنهم عند الطَّبراني، وعن أبي أُسَيْد عند يَحيَى بن آدمَ في كتاب «الخراج» وفي أسانيدها مقالٌ لكن يقوِّي بعضها ببعضٍ، والله أعلم.
(وَيُرْوَى فِيْهِ) أي في هذا الباب (عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال الِكَرمانيُّ وإنَّما لم يذكر المرويَّ بعينه؛ لأنَّه ليس بشرطهِ بل ليس صحيحًا عنده، ولهذا قال يُروَى، ممرِّضًا.
وقال العَينيُّ نفس الحديث صحيحٌ رواه التِّرمذي حدَّثنا محمَّد بن بشار ثنا عبد الوهاب الثَّقفي، عن أيُّوب، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كَيسان، عن جابر
ج 11 ص 95
بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من أحيا أرضًا ميتةً فهي له ) )ثمَّ قال هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقال الحافظُ العَسْقَلانيُّ ووصله أحمد أيضًا قال حدَّثنا عَبَّاد بن عَبَّاد ثنا هشام بن عروة، عن وهب بن كَيسان، عن جابر رضي الله عنه، ولفظه (( مَنْ أحيا أرضًا ميتةً فله فيها أجرٌ، وما أكلتِ العوافي منها فهو له صدقةٌ ) ).
وأخرجه النَّسائي أيضًا عن محمَّد بن يَحيَي بن أيوب بن إبراهيم، وعن عليِّ بن مسلم، عن عَبَّاد بن عَبَّاد، عن هشام بن عروة بهذا اللَّفظ، وقد اختلف فيه على هشام فرواه عنه عَبَّاد هكذا، ورواه يَحيَى القطَّان وأبو ضَمرة وغيرهما عنه عن ابن رافع، عن جابر.
ورواه أيُّوب عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. ورواه عبدُ الله بن إدريسٍ، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا.
ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في ترك جزم البخاريِّ به، وقد استنبطَ ابن حبَّان من هذه الزِّيادة التي في حديث جابر رضي الله عنه وهي قوله (( فله فيها أجرٌ إنَّ الذِّمي لا يملك إحياءَ الموات ) )واحتجَّ بأنَّ الكافر لا أجر له.
وتعقَّبه المحبُّ الطَّبري بأنَّ الكافر إذا تصدَّق يُثاب عليه في الدُّنيا، كما ورد به الحديث فيُحمَل الأجر في حقِّه على ثواب الدُّنيا، وفي حقِّ المسلم على ما هو أعمُّ من ذلك.
وما قاله مُحتَملٌ إلَّا أنَّ الذي قاله ابن حِبَّان أوفقَ بظاهر الحديث، ولا يتبادر إلى الفهم من إطلاق الأجرِ إلَّا إلى الأخرويِّ، والله أعلم.
تتمَّة وروى التِّرمذي أيضًا من حديث سعيد بنِ زيدٍ، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( مَنْ أحيا أرضًا ميتةً فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ ) )ثمَّ قال هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وأخرجه أبو داود أيضًا.
وروى أبو داود أيضًا من حديث سَمُرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( مَنْ أحاطَ حائطًا على أرضٍ فهي له ) ). وروى ابن عَديٍّ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( مَن أحيا أرضًا ميتةً فهو أحقُّ بها ) )وإسناده ضعيفٌ. وروى ابن عَديٍّ أيضًا من حديث أنسٍ رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( مَنْ عمَّر أرضًا خرابًا فأكلَ منها سبعٌ أو طائرٌ أو شيء كان له ذلك صدقةٌ ) )، وفي إسنادهِ سلمة بن سليمان الضَّبي،
ج 11 ص 96
قال ابن عَديٍّ مُنكَر الحديث عن الثِّقات.
وروى الطَّبراني في «الأوسط» من حديث مروان بن الحَكَم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( البلادُ بلادُ الله، والعبادُ عبادُ الله، ومَنْ أحاطَ على حائطٍ فهو له ) ).
وروى الطَّبراني أيضًا من حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما قال قال رسول صلى الله عليه وسلم (( مَنْ أحيا أرضًا ميتةً فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ ) ).
وروى أبو داود من حديث أَسمَر بن مُضرِّس من رواية عَقيلَة بنت أسمر، عن أبيها قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ سبقَ إلى ما لم يسبقْه إليه مسلمٌ فهو له ) ).
[1] قوله (( وسيجيء لهذا المبحث زيادة تفصيل في آخر الباب إن شاء الله تعالى ) )ليس في (خ) .
[2] من قوله (( وقيل معناه ... إلى قوله ووضع الشيء ) )ليست في (خ) .
[3] مابين معقوفين زيادة من الفتح.