25 - (بابُ مُوكِلِ الرِّبَا) أي إثمُ مطعمه _ بضم الميم وكسر الكاف _ من الأفعال، وأصله مؤْكل _ بهمزة ساكنة _ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) اللام فيه للتعليل؛ لكون موكل الرِّبا آثمًا، وفي بعض النسخ .
( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} ) فيما تفعلون ( {وَذَرُوا} ) أي اتركوا ( {مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} ) أي بقايا ما شرطتم على النَّاس من الربا ( {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ) بقلوبكم، فإنَّ دليله امتثال ما أمرتم به.
قد ذكر زيد بن أسلم وابن جريج ومقاتل بن حيَّان والسدِّي أنَّ هذا السِّياق نزل في بني عَمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلمَّا جاء الإسلام ودخلوا فيه طلب ثقيف أن تأخذه منهم فتشاجروا، وقال بنو المغيرة لا نؤدِّي الربا في الإسلام، فكتب في ذلك عتَّاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة 278] .
( {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ) أي فاعلموا بها، من أذن بالشَّيء إذا علم به، وقرأ حمزة وابن عيَّاش (( فَآذَنُوا ) )بالمدِّ؛ أي فأعلموا بها غيركم، من الأَذَنِ وهو الاستماعُ فإنَّه من طرق العلم، وتنكير حرب للتعظيم، وذلك يقتضي أن يقاتَل المربي بعد الاستتابةِ حتَّى يفيءَ إلى أمر الله كالباغي ولا يقتضي كفره، وقال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أي استيقنوا بحربٍ من الله ورسوله.
وعن سعيد بن جبير، قال يقال يوم القيامة لآكل الرِّبا خُذْ سلاحك للحرب، ثمَّ قرأ {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة 279] ، وقال عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما {فِإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} ، فمن كان
ج 10 ص 95
مقيمًا على الربا لا ينزع منه، يحقُّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلَّا ضرب عنقه.
وقال ابن أبي حاتم حدَّثنا عليُّ بن الحسين ثنا محمد بن بشَّار ثنا عبد الأعلى ثنا هشام بن حسَّان عن الحسن، وابن سيرين أنَّهما قالا والله إنَّ هؤلاء الصَّيارفة لآكلة الربا، وإنَّهم قد أذنوا بحربٍ من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمامٌ عادلٌ لاستتابهم، فإن تابوا وإلَّا وضع فيهم السِّلاح.
( {وَإِنْ تُبْتُمْ} ) من الارتباء واعتقاد حلِّه ( {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} ) من غير زيادة ( {لاَ تَظْلِمُونَ} ) بأخذ الزيادة ( {وَلاَ تُظْلَمُونَ} ) بالمطل والنُّقصان، ويفهم منه على طريقة الشافعيَّة أنَّهم إن لم يتوبوا فليس لهم رأس مالهم، وهذا على تقدير التحليل واعتقاد حلِّه سديد؛ إذ المصرُّ على التحليل مرتدٌّ، وماله فيء، وأمَّا عندنا فلا معتبر بالمفهوم.
وروي أنَّها لَمَّا نزلت قال ثقيف لا يدَيْ لنا بحرب الله ورسوله؛ أي لا طاقة لنا، حذف نون التثنية من يدين لإضافته إلى ضمير المتكلم إلَّا أنَّه أقحم اللام بينهما لتأكيد الإضافة، وعند ابن الحاجب حذف النون تشبيهًا بالإضافة. وروي أنَّهم قالوا نتوبُ إلى الله ونذر ما بقي من الربا، فتركَهُ كلُّهم.
( {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} ) أي إن وقع غريمٌ ذو عسرةٍ، وقرئ (( ذَا عُسْرَةٍ ) )أي وإن كان الغريم الذي عليه الدَّين ذا عسرة فقيرًا.
( {فَنَظِرَةٌ} ) أي فالحكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فليكن نظرة، وهي الإنظار والإمهال.
( {إِلَى مَيْسَرَةٍ} ) أي إلى وقتٍ يسيرٍ، وقرأ نافع وحمزة (( إِلَى مَيْسُرَة ) )بضم السين، وهما لغتان كمشرَقة ومشرُقة، لا كما كان أهل الجاهليَّة يقول أحدهم لمديونه إذا حلَّ عليه الدين إمَّا أن تقضي، وإمَّا أن تربيَ، ثمَّ ندب الله تعالى إلى الوضع عنه وحرَّض على ذلك الخير والثواب الجزيل بقوله ( {وَأَنْ تَصَّدَّقُوا} ) بالإبراء وقرأ عاصم بتخفيف الصاد ( {خَيْرٌ لَكُمْ} ) أكثر ثوابًا من الإنظار، أو خيرٌ ممَّا تأخذون لمضاعفة ثوابه ودوامه، وقيل المراد بالتصدُّق الإنظار.
( {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ) ما فيه من الذِّكر الجميل والأجر الجزيل.
ج 10 ص 96
وروى الطبرانيُّ من حديث أبي أمامة أسعد بن زرارة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من سرَّه أن يظلَّه الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظله فلييسِّر على معسرٍ أو ليضع عنه ) ).
وروى أحمد من حديث سليمان بن بُريدة عن أبيه، قال سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( من أنظر معسِرًا فله بكلِّ يومٍ مثله صدقة ) )قلت سمعتك يا رسول الله تقول (( من أنظر معسرًا فله بكلِّ يومٍ مثلاه صدقة ) )قال له (( بكلِّ يومٍ مثله صدقة قبل أن يحلَّ الدين، فإذا حلَّ الدين فأنظره فله بكلِّ يومٍ مثلاه صدقة ) )، وروى الحاكم من حديث سهل بن حُنَيف أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غازيًا في عسرته، أو مكاتبًا في رقبته أظلَّه الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه ) )، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
( {وَاتَّقُوا يَوْمًا} ) أي عذاب يومٍ ويجوز أن يكون على ظاهره؛ لأنَّ يوم القيامة يوم مخوِّف.
( {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} ) أي تردُّون فيه إلى حساب الله وجزائه، أو المراد يوم الموت؛ أي فتأهبوا لمصيركم إليه ( {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} ) أي تجازى كلُّ نفسٍ جزاء ما عملت من خيرٍ أو شرٍّ ( {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} ) بنقص ثوابٍ وتضعيف عقاب؛ لأنَّ الله تعالى عادلٌ لا ظلم عنده.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ) وهذا التعليق رواه البخاريُّ مسندًا في التفسير، فقال حَدَّثنا قبيصة ثنا سفيان عن عاصم، عن الشَّعبيِّ، عن ابن عباس رضي الله عنهما آخرُ آيةٍ نزلت آية الربا [خ¦4544] .
وقال ابن التِّين عن الداوديِّ، عن ابن عباس رضي الله عنهما آخرُ آيةٍ نزلت {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة 281] قال فإمَّا أن يكون وهْمًا من الرواة لقربها منها، أو غير ذلك انتهى.
وقوله أو غير ذلك، يريد به اختلافًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأجيب عن ذلك بأنَّه ليس بوهمٍ بل هذه الآيات نزلت جملةً واحدة
ج 10 ص 97
فصحَّ أن يقال لكلٍّ منهما آخر آيةٍ.
وروي عن البراء رضي الله عنه أنَّ آخر آيةٍ نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء 176] ، وقال أبي بن كعب رضي الله عنه آخرُ آيةٍ نزلت {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة 128] ، وقيل إنَّ قوله تعالى {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة 281] أنَّها نزلت يوم النَّحر بمنى في حجَّة الوداع.
وروى الثوريُّ عن الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال آخر آيةٍ نزلت {وَاتَّقُوا يَوْمًَا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} فكان بين نزولها وبين موت النَّبي صلى الله عليه وسلم أحد وثلاثون يومًا، وقال ابن جريج يقولون إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم عاش بعدها تسع ليالٍ. رواه ابن جرير.
وقال مقاتل توفي النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها بسبع ليال، وقيل ثلاث ساعات، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّها آخر آيةٍ نزل بها جبريل عليه السلام، وقال ضَعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة.