2086 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ البصريُّ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابنُ الحجَّاج (عَنْ عَوْنِ) بفتح العين المهملة وسكون الواو وفي آخره نون (ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية، واسمه وهب بن عبد الله السَّوائي.
(قَالَ رَأَيْتُ أَبِي) أبا جحيفة (اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ) بفتح الميم، جمع مِحجم _ بكسر الميم _ وهي الآلةُ التي يحجم بها الحجَّام؛ أي أمر بكسرها.
(فَكُسِرَتْ فَسَأَلْتُهُ) عن كسر المحاجمِ ما سببه؟ وأغرب من قال أي سألته عن سبب اشترائه، فإنَّه لا يناسب جوابه بحديث النهي إلَّا بتكلُّفٍ، ومنشأ إغرابه أنَّه سقط قوله (( فكسرت ) )في بعض الرِّوايات والله أعلم.
(فَقَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) وفيه اختلاف العلماء فقال الحسن وربيعة وحمَّاد بن أبي سليمان والأوزاعي والشافعي وأحمد وداود ومالك في رواية ثمن الكلب حرام ورخَّص في كلب الصَّيد خاصَّةً. وبه قال عطاء
ج 10 ص 98
والنخعيُّ، واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال لا يجوز، ومنهم من قال الكلب المأذونُ في إمساكه يكره بيعه ويصحُّ ولا يجوز إجارته. نصَّ عليه أحمد، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم يجوز، وقال مالكٌ في «الموطأ» أكره ثمن الكلب الضَّاري وغير الضَّاري لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب. وفي «شرح الموطأ» لابن زَرْقُون واختلف قول مالك في ثمن الكلب المباح اتِّخاذه فأجازه مرَّةً ومنعه أخرى، وبإجازته قال ابن كنانة وأبو حنيفة، قال سحنون ويحجُّ بثمنه، وروى عنه ابن القاسم أنَّه كره بيعه. وفي «المزنيَّة» كان مالكٌ يأمر ببيع الكلب الضَّاري في الميراث والدَّين والمغانم، ويكره بيعه للرجل ابتداء، قال يحيى بن إبراهيم قوله (( في الميراث ) )يعني لليتيم، وأمَّا لأهل الميراث البالغين فلا يباع إلَّا في الدين والمغانم، وروى أبو زيدٍ عن ابن القاسم لا بأس باشتراء كلاب الصَّيد ولا يجوز بيعها، وقال أشهبٌ في «ديوانه» عن مالك يفسخ بيع الكلب إلَّا أن يطول، وحكى ابن عبد الحكم أنَّه يفسخُ وإن طال.
وقال ابن حزمٍ في «المحلى» ولا يحلُّ بيع الكلب أصلًا لا كلبَ صيدٍ ولا كلبَ ماشيةٍ ولا غيرهما. فإن اضطرَّ إليه ولم يجد من يعطيه إيَّاه فله ابتياعه، وهو حلالٌ للمشتري حرامٌ على البائع ينتزعُ منه الثمن متى قدر عليه كالرشوة في دفع الظُّلم، وفداء الأسير، ومصانعة الظالم، ثمَّ قال وهو قول الشافعيِّ ومالك وأحمد وأبي سليمان وأبي ثور وغيرهم، انتهى.
وقال عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعيُّ وأبو حنيفة وصاحباه وابن كنانة وسحنون من المالكية الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها ويباح أثمانها، وعن أبي حنيفة أنَّ الكلب العقور لا يجوز بيعه ولا يباح ثمنه.
وفي «البدائع» وأمَّا بيع ذي نابٍ من السباع سوى الخنزير كالكلب والفهد والأسد والنَّمر والذئب والدبِّ والهرِّ ونحوها جائزٌ عند أصحابنا، وقال الشافعيُّ لا يجوز، ثمَّ عندنا لا فرق بين المعلَّم وغيره في رواية
ج 10 ص 99
الأصل، فيجوز بيعه كيف ما كان.
وعن أبي يوسف أنَّه لا يجوز بيع الكلب العقور، وأجاب الطَّحاويُّ عن النَّهي الذي في هذا الحديث وغيره أنَّه كان حين كان حكم الكلاب أن يقتل وكان لا يحلُّ إمساكها، وقد وردت فيه أحاديث كثيرةٌ فما كان على هذا الحكم فثمنه حرامٌ، ثمَّ لَمَّا أُبِيحَ الانتفاعُ بالكلاب للاصطياد ونحوه ونُهِيَ عن قتلها نسخ ما كان من النَّهي عن بيعها وتناول ثمنها، فإنَّ الإباحة بعد التحريم نسخٌ لذلك التَّحريم ورفعٌ لحكمه.
(وَثَمَنِ الدَّمِ) يعني أجرة الحجامة، وأطلق الثمن عليه تجوُّزًا، واختلف العلماء فيه أيضًا فقال الأكثرون النَّهي فيه على التَّنزيه؛ وذلك لأنَّه صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أجرةً، ولو كان حرامًا لم يعطِها، ونقل ابن التِّين عن كثير من العلماء أنَّه جائزٌ من غير كراهةٍ كالبنَّاء والخيَّاط وسائر الصِّناعات.
وقالوا معنى نهيه عن ثمن الدم نهيه عن ثمن الدم السَّائل الذي حرَّمه الله تعالى، وقال أبو جحيفة أجرة الحجَّام في ذلك؛ أي لا يجوز أخذه وهو قول أبي هريرة والنخعيِّ واعتلُّوا بأنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغيِّ وكسب الحجام فجمع بينهما، ومهر البغيِّ حرامٌ إجماعًا، فكذلك كسب الحجام، وأمَّا الذين حملوا النَّهي على التنزيه فاستدلُّوا أيضًا بقوله (( المخيصة أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك ) ).
وقال آخرون يجوز للمحتجم إعطاء الحجَّام الأجر ولا يجوز للحجَّام أخذها، رواه ابن جرير عن أبي قلابة، وعلَّته أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أعطى الحجَّام أجره، فجاز اقتداءً بالنَّبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله، وليس للحجام أخذها للنَّهي عن كسبه، وبه قال ابن جرير إلا أنَّه قال إنَّ أخذ الأجرة رأيت له أن يعلف بها ناضحه ومواشيه ولا يأكله، فإن أكله لم أرَ أكله حرامًا، وفي «شرح المهذب» قال الأكثرون لا يحرم أكله لا على الحرِّ ولا على العبد؛ لحديث محيصة المذكور.
(وَنَهَى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ) الواشمة هي فاعلة الوشم، والموشومة مفعولته، والوشم هو أن يغرز يده أو عضوًا
ج 10 ص 100
من أعضائه بإبرة ثمَّ يدرُّ عليها النَّيْلَجَ ونحوَه.
والمراد النهي عن فعلهما؛ لأنَّ الواشم والموشوم لا ينهى عنهما وإنَّما ينهى عن فعلهما، وإنَّما نهي عنه؛ لأنَّه من عمل الجاهلية، وفيه تغييرٌ لخلق الله تعالى [1] ، وروى الترمذيُّ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ) )، وقد أخرجهُ المؤلف في (( اللباس ) ) [خ¦5945] [خ¦5965] على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ) أي ونهى عن فعلهما، وإنَّما اشتركا في الإثم، وإن كان الرِّبح لأحدهما؛ لأنَّهما في الفعل شريكان (وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ) عطف على قوله (( نهى ) )وهو حرامٌ بالإجماع، وفاعله يستحق اللَّعنة.
وجاء أنَّه يقال للمصوِّرين يوم القيامة (( أحيوا ما خلقتم ) )، وظاهرُ الحديث العموم، ولكن خفَّف منه تصوير ما لا روح فيه كالشَّجر ونحوه، ولولا أنَّ المصوِّر أعظم ذنبًا لَمَا لعنه النَّبي صلى الله عليه وسلم، والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف في الطلاق [خ¦5347] واللباس أيضًا [خ¦5945] [خ¦5962] ، وهو من أفراده، وفي بعض طرقه زيادة (( كسب الأمة ) )، وفي أخرى (( كسب البغي ) ).
[1] في هامش الأصل وقال الكرماني والوشم إن قسم يد صاحبتها بدارات ونقوش غرزًا بالإبر حتى يدمى ثم يحشى فإذا اندملت بقيت آثارها خضرا. منه.