فهرس الكتاب

الصفحة 6538 من 11127

1 - (باب) ثبت لفظ في رواية أبي ذرٍّ عن المستملي والكُشميهني، وسقط في رواية غيره ( {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا) هو تفسيرٌ للمتشابه، فإنَّ التَّشابه يقتضي الشَّبه من الطَّرفين (كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} [البقرة 26] ) إشارةٌ إلى أنَّ المفهوم منه أنَّ الفاسقين؛ أي الضَّالِّين إنَّما ضلالتهم من جهة اتِّباعهم المتشابه [1] بما لا يُطابق المحكم طلبًا لافتتان النَّاس عن دينهم وإرادة إضلالهم.

(وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [يونس 100] ) إنَّما ذكر هذا تصديقًا لما تتضمَّنه الآية التي قبلها حيث يجعل الرِّجس على الَّذين لا يعقلون، قيل الرِّجس السَّخط، وقيل الإثم، وقيل العذاب، وقيل النتن والنَّجاسة؛ أي يحكم عليهم بأنَّهم أنجاسٌ

ج 19 ص 173

غير طاهرةٍ. وقرأ الأعمش (( الرجز ) )بالزاي. وبه فسَّر الرجس أيضًا. وقال الزَّمخشري الخذلان سُمِّي به؛ لأنَّ الخذلان هو العذابُ وهو سببه. وقوله {عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} أي أمر الله ولا أمر رسوله؛ لأنَّهم مصرُّون على الكفر، وهذا أيضًا راجعٌ إلى معنى الَّذي يتبعون ما تشابه بما لا يُطابق علم الرَّاسخين.

(وَكَقَوْلِهِ) تعالى ( {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي والكُشميهني < (( وآتاهم تقواهم ) )>، وهذا أيضًا تصديقٌ لما سبقه حيث يزيد للمهتدي الهداية، فإنَّ الرَّاسخين في العلم هم الَّذين اهتدوا زادهم الله هدى. ثمَّ إنَّ هذا الكلام كلُّه كلام مجاهدٍ، وهكذا وقع في الصَّحيح وفيه تغييرٌ، وبتحريره يستقيم الكلام. وقد أخرجه عبد بن حميد بالإسناد إلى مجاهد قال في قوله تعالى {مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} قال ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك منه متشابهٌ يُصدِّق بعضه بعضًا هو مثل قوله {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} إلى آخر ما ذكره، وأشار به إلى قوله تعالى {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} الآية، وسيأتي تفسيره في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى.

( {زَيْغٌ} شَكٌّ {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} الْمُشْتَبِهَاتِ) أشار به إلى ما في قوله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} وفسَّر الزيغ، بالشك، وفسَّر {الفِتْنَةَ} بالمشتبهات، وهو تفسيرُ مجاهد أيضًا. وصله عبد بن حميد ولفظه {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} المشتبهات الباب الَّذي ضلوا منه وبه هلكوا.

والمعنى والله تعالى أعلم فأمَّا الَّذين في قلوبهم شكٌّ وضلالٌ وخروجٌ عن الحقِّ إلى الباطل يتَّبعون ما تشابه منه؛ أي من الكتاب وهو القرآن الَّذي يمكنهم أن يحرِّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها طلبًا أن يفتنوا النَّاس عن دينهم، كاحتجاج النَّصارى بأنَّ القرآن نطق بأنَّ عيسى روح الله وكلمته، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف 59] و {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [آل عمران 95] وهذا بخلاف المحكم، فإنَّه لا نصيبَ لهم فيه؛ لأنَّه دافعٌ لهم وحجَّةٌ عليهم.

(وَالرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي والكُشميهني .

(يَقُولُونَ

ج 19 ص 174

آمَنَّا بِهِ) وفي نسخة عن المستملي والكُشميهني زيادة هي قوله تعالى {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ؛ أي كل من المتشابه والمحكم من عنده {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} . وصله أيضًا عبد بن حميد عن مجاهد في قوله تعالى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} يعلمون تأويله، ويقولون {آمَنَّا بِهِ} وكذا قال الرَّبيع بن أنسٍ، ومن طريق قتادة قال قال الرَّاسخون كما يسمعون آمنا به كلٌّ من عند ربِّنا المتشابه والمحكم، فأمنوا بمتشابههِ، وعملوا بمحكمهِ فأصابوا، وهذا الَّذي ذهبَ إليه مجاهدٌ من تفسير الآية يقتضِي أن تكون الواو في {وَالرَّاسِخُونَ} للعطف على المستثنى، وقد روى عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان يقرأ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَيقول الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ} فهذا يدلُّ على أنَّ الواو للاستئناف؛ لأنَّ هذه وإن لم تثبت بها القراءة، لكن أقلَّ درجاتها أن تكون خبرًا بإسنادٍ صحيحٍ إلى ترجمان القرآن فيقدَّم كلامه في ذلك على من دونه.

ويؤيِّد ذلك أنَّ الآية دلَّت على ذمِّ متبعي المتشابه لوصفهم بالزَّيغ وابتغاء الفتنة، وصرَّح بوفق ذلك حديث الباب، ودلَّت الآية على مدح الذين فوَّضوا العلم إلى الله تعالى وسلَّموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب. وحكى الفرَّاء أنَّ في قراءة أبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه مثل ذلك أعني (( ويقول الراسخون في العلم آمنَّا به ) ).

وقال الزَّمخشري الرَّاسخون في العلم الَّذين رسخوا؛ أي ثبتوا فيه وتمكنوا، ويقولون كلامٌ مستأنفٌ موضِّحٌ لحال الرَّاسخين يعني هؤلاء العالمون بالتَّأويل يقولون {آمَنَّا بِهِ} أي بالمتشابه {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} أي كلُّ واحدٍ من المتشابه والمحكم من عند الله، ويجوز أن يكون حالًا من الراسخين. هذا وقرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (( إنَّ تأويلُه إلَّا عند الله ) ).

تنبيه سقط جميع هذه الآثار من أوَّل السُّورة إلى هنا عن الحمويي.

[1] في هامش الأصل والمتشابه في اصطلاح الأصوليين ما انقطع رجاء معرفة المراد منه، وحكمه اعتقاد الحقيقة قبل يوم القيامة لأنَّه يصير معلومًا ومنكشفًا في الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت