فهرس الكتاب

الصفحة 6539 من 11127

4547 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام، القعنبي، قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة (ابْنُ إِبْرَاهِيمَ) أبو سعيد (التُّسْتَرِيُّ) بضم المثناة الفوقية وسكون المهملة وفتح المثناة الأخرى وبالراء، نسبةً إلى تستر مدينة من كور الأهواز، وبها

ج 19 ص 175

قبر البراء بن مالك، ويُسمِّيها العامَّة شُشْتر _ بشينين معجمتين الأولى مضمومة والثَّانية ساكنة _ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عبد الرَّحمن [1] بن أبي مُليكة، واسمه زهير (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) [2] أنَّها (قَالَتْ تَلاَ) أي قرأ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران 7] ) أي أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها، قال الطِّيبي وذلك لأنَّ العرب تُسمِّي كلَّ جامعٍ يكون مرجعًا لشيء أمًّا. وقال البيضاوي والقياس أمَّهات الكتاب، وأفرد على أنَّ الكلَّ بمنزلة آيةٍ واحدةٍ، أو على تأويل كلِّ واحدةٍ ( {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} ) عطفٌ على {آيَاتٌ} ؛ أي وآياتٌ أخر متشابهات فـ {أُخَرْ} نعت لمحذوف. قيل المحكم ما وضحَ معناه، والمتشابه نقيضُه، وسُمِّي المحكم بذلك لوضوحِ مفردات كلامه، وإتقان تركيبها بخلاف المتشابه. وقيل المحكم ما عُرفَ المراد منه إمَّا بالظهور وإمَّا بالتَّأويل، والمتشابه ما استأثرَ الله بعلمه كقيام السَّاعة وخروج الدَّجَّال، والحروف المقطَّعة في أوائل السُّور. وقيل المحكم ما لم يُنسخ، والمتشابه ما نُسخ. وقيل المحكم ما اتَّضحت دَلالته، والمتشابه ما يحتاج إلى نظرٍ وتخريجٍ. وقيل المحكمُ آيات الحلال والحرام، والمتشابه آيات الصِّفات والقدر. وقيل المحكم آيات الأحكام، والمتشابه الحروف المقطَّعة، وقال الزَّمخشري محكماتٌ أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه، وقال الكرماني أمَّا اصطلاح الأصوليين، فالمحكم هو المشترك بين النَّصِّ والظَّاهر، والمتشابه هو المشتركُ بين المجمل والمأوَّل.

وقال الخطَّابي المحكم هو الَّذي يعرف بظاهر بيانه تأويله وبواضح أدلَّته باطن معناه، والمتشابه ما اشتبه منها فلم يتلق معناه من لفظه ولم يدرك حكمه من تلاوته، وهو على ضربين أحدهما ما إذا ردَّ إلى المحكم، واعتبر به علم معناه، والآخر ما لا سبيلَ إلى الوقوف على حقيقته، وهو الَّذي

ج 19 ص 176

يتَّبعه أهل الزِّيغ فيطلبون تأويله ولا يبلغون كنهه فيرتابون فيه فيفتنون به، وذلك كالإيمان بالقدر ونحوه، وذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي أنَّ الصَّحيح عندنا هو ما قيل أنَّ المحكم ما عرف المراد منه إمَّا بالظُّهور وإمَّا بالتَّأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه.

وقال ابن السَّمعاني إنَّه أحسن الأقوال والمختار على طريقة أهل السُّنَّة، وقد جرى المتأخِّرون منهم على أنَّ المراد بالمحكم ما وضحَ معناه، والمتشابه ما ترددتْ فيه الاحتمالات.

هذا وقد دلَّت الآية على أنَّ بعضَ القرآن محكمٌ وبعضه متشابهٌ، ولا يُعارضُ ذلك قوله {أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ} [هود 1] ولا قوله {كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر 23] حتَّى زعمَ بعضهم أنَّ كلَّهُ محكمٌ، وعكس آخرون؛ لأنَّ المراد بالإحكام في قوله {أُحْكِمَتْ} الإتقان في النَّظم، وأنَّ كلها حقٌّ من عند الله، والمراد بالمتشابه كونه يشبه بعضه بعضًا في حسن السياق والنَّظم، وليس المراد اشتباه معناه على سامعه.

وحاصل الجواب أنَّ المحكم ورد بإزاء معنيين، والمتشابه ورد أيضًا بإزاء معنيين، والله تعالى أعلم.

وقد أطنب الإمام القسطلَّاني في هذا المقام في تقسيم المتشابه إلى أقسامه.

قال الطِّيبي وإنَّما كان في الكتاب المتشابه؛ لأنَّه باعثٌ إلى تعلُّم علم الاستدلال؛ لأنَّ معرفة المتشابه متوقِّفةٌ على معرفة علم الاستدلال فتكون حاملةً على تعلُّمه فتتوجَّه الرغبات إليه فيتنافس فيه المحصِّلون فكان كالشَّيء النَّافق بخلاف ما إذا لم يوجد فيه المتشابه فلم يحتج إليه كلَّ الاحتياج فيتعطَّل ويضيع، ويكون كالشَّيء الكاسد، والله تعالى أعلم.

( {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ) قال الرَّاغب الزَّيغ الميل عن الاستقامة إلى أحدِ الجانبين، ومنه زاغتِ الشَّمس عن كبدِ السَّماء، وزاغَ البصرُ والقلب. وقال بعضُهم الزَّيغ أخصُّ من مُطلق الميل، فإنَّ الزَّيغ لا يُقال إلَّا لما كان من حقٍّ إلى باطلٍ، والمراد أهلُ البدع والضَّلال ( {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} ) على ما يشتهونه ( {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} )

ج 19 ص 177

قال الزَّمخشري أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الَّذي يجب أن يُحملَ عليه إلَّا الله، وتعقَّبه صاحب «الانتصاف» بأنَّه لا يجوز إطلاقُ الاهتداء على الله تعالى لما فيه من إيهام سبق جهلٍ وضلالٍ، تعالى اللهُ وتقدَّس عن ذلك؛ لأنَّ اهتدى مطاوع هدى، ويُسمى من تجدد إسلامه مهتديًا، وانعقد الإجماع على امتناع إطلاق الألفاظ الموهمة عليه تعالى، قال وأظنُّه سها فنسبَ الاهتداء إلى الرَّاسخين في العلم، وغفل عن شمول ذلك الحقِّ جلَّ جلاله.

(يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ) وقد تقدَّم أنَّ في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه (( ويقول الراسخون في العلم ) )بواو قبل يقول، وثبت ذلك في قراءة ابن عبَّاس رضي عنهما، كما رواه عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، وهو يدلُّ على أنَّ الواو للاستئناف.

قال صاحب «المرشد» لا إنكار لبقاء معنى في القرآن استأثرَ الله تعالى بعلمهِ دون خلقهِ، فالوقفُ على (( إلَّا الله ) )على هذا تامٌّ، هذا ولا يكاد يوجدُ في التَّنزيل أما وما بعدها رفع إلَّا، ويثنى ويثلَّث، كقوله تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ} [الكهف 79] {وَأَمَّا الْغُلَامُ} [الكهف 80] {وَأَمَّا الْجِدَارُ} [الكهف 82] فالمعنى، وأمَّا الرَّاسخون في العلم فحذف لدَلالة الكلام عليه.

فإن قيل فيلزم على هذا أن يُجاءَ في الجواب بالفاء وليس هناك فاء. فالجواب أنَّ أما لما حذفَت ذهب حكمها الذي يختصُّ بها، فجرى مجرَى الابتداء والخبر.

( {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ} ) أي وما يتَّعظ بما في القرآن إلَّا ذووا العقولِ الكاملة، واللُّبُّ خالصُ كلِّ شيءٍ، وهو مدحٌ للرَّاسخين بجودةِ الذِّهن وحُسْن النَّظر، وسقطَ في رواية غير أبي ذرٍّ قوله < {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيْلَهُ إِلَّا اللَّهَ} ... > إلى آخره، وقالوا بعد قوله {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} .

(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) قال الطَّبري قيل إنَّ هذه الآية نزلت في الَّذين جادلوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمر عيسى عليه السَّلام، وقيل في أمر مدة هذه الأمَّة، وهذا أقربُ لأنَّ أمر عيسى عليه السَّلام قد بيَّنه الله تعالى لنبيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو معلومٌ لأمَّته بخلاف أمر هذه الأمَّة، فإن علمَ أمرهم خفيَ على العباد.

(فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ،

ج 19 ص 178

فَاحْذَرُوهُمْ) بصيغة الجمع، والخطاب للأمَّة، وفي رواية الكُشميهني بالإفراد؛ أي احذرهم أيُّها المخاطب؛ أي الإصغاء إليهم.

قال الحافظُ العسقلاني وأوَّل ما ظهرَ ذلك من اليهود، كما ذكره ابنُ إسحاق في تأويلهم الحروف المقطَّعة وأن عددها بالجُمَّلِ مقدار مدَّة هذه الأمَّة، ثمَّ أوَّل ما ظهرَ في الإسلام من الخوارج، كما جاءَ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه فسَّر بهم الآية، قيل أوَّل بدعةٍ وقعتْ في الإسلام بدعة الخوارج، ثمَّ كان ظهورهم في أيَّام عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ثمَّ تشعَّبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ونحل كثيرة منتشرة، ثمَّ ظهرت القدريَّة ثمَّ المعتزلة ثمَّ الجهمية وغيرهم من أهل البدعِ التي أخبر عنها المخبر الصَّادق المصدوق في قوله (( وستفترق هذه الأمَّة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلُّها في النَّار إلَّا فرقةٌ واحدةٌ، قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال ما أنا عليه وأصحابي ) ). أخرجه الحاكم في «مستدركه» .

وحديث الباب أخرجه مسلم في القدر، وأبو داود في السُّنة، والتِّرمذي في التَّفسير.

[1] كذا في القسطلاني، وفي العمدة (عبد الله بن عبيد الله) وهو الصواب والله أعلم.

[2] في هامش الأصل سمع ابن أبي مليكة من عائشة كثيرًا، وقد يدخل بينه وبينها واسطة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث فأخرجه التِّرمذي من طريق أبي عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عن عائشة، ومن طريق يزيد بن إبراهيم كما في الباب بزيادة القاسم ثم قال روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن عائشة ولم يذكروا القاسم، وإنما ذكره يزيد بن إبراهيم، انتهى. وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي الوليد الطيالسي عن يزيد بن إبراهيم وحماد بن سلمة جميعًا عن ابن أبي مليكة عن القاسم فلم ينفرد يزيد بزيادة القاسم، وممن رواه عن ابن أبي مليكة بغير ذكر القاسم أيوب أخرجه ابن ماجه من طريقه. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت