فهرس الكتاب

الصفحة 3948 من 11127

2518 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بن باذام أبو محمَّد العبسي (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) وفي رواية النَّسائي من طريق يحيى القطَّان عن هشام حدَّثني أبي عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بضم الميم وتخفيف الراء وكسر الواو وفي آخره حاء مهملة على وزن مقاتل، وزاد مسلم في روايته اللَّيثي، ويقال له الغفاري، قيل اسمه سعد، والأصح أنَّه لا يعرف له اسم، وهو مدني من كبار التَّابعين. وقال الحاكم أبو أحمد أدرك النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وليس سوى هذا الحديث.

(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاري، واسمه جُنْدب بن جُنادة، وفي رواية يحيى بن سعيد (( أنَّ أبا ذرٍّ أخبره ) )

ج 11 ص 511

(قَالَ) أي إنَّه قال (سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟) أي أكثر ثوابًا (قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ) إنَّما قرن الجهاد بالإيمان؛ لأنَّه كان عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله حتَّى تكون كلمة الله هي العليا، وكان الجهاد في ذلك الوقت أفضل الأعمال (قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ أَغْلاَهَا ثَمَنًا) وفي رواية الأكثرين بالعين المهملة، وهي رواية النَّسائي أيضًا، وفي رواية الكشميهني بالغين المعجمة، وكذا في رواية النَّسفي.

وفي «المطالع» معناهما متقارب، وفي رواية مسلم من رواية حمَّاد بن زيد (( أكثرها ثمنًا ) ).

وقال النَّووي محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أمَّا لو كان مع شخص ألف درهم مثلًا، فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة ورقبتين مفضولتين فالرَّقبتان أفضل. قال وهذا بخلاف الأضحية فإن الواحدة السَّمينة فيها أفضل؛ لأنَّ المطلوب هنا فكُّ الرَّقبة، وهنا طيب اللَّحم.

واختلف فيما إذا كان النَّصراني أو اليهودي أو غيرهما أكثر ثمنًا من المسلم، قال مالك عتق الأغلى أفضل وإن كان غير مسلم. وقال أصبغ عتق المسلم أفضلُ، والظَّاهر هذا، فقد تقدَّم تقييده بذلك في الحديث الأوَّل [خ¦2517] ، فالمراد بقوله (( أغلاها ثمنًا ) )من المسلمين.

(وَأَنْفَسُهَا) بفتح الفاء؛ أي أكثرها رغبة (عِنْدَ أَهْلِهَا) لأن عتق مثل ذلك لا يقع غالبًا إلا خالصًا لله تعالى، وإليه الإشارة بقوله تعالى {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران 92] ، وكان لابن عمر رضي الله عنهما جارية يحبُّها أشدَّ المحبة فأعتقها لهذه الآية.

(قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ) ويروى ؛ أي إن لم أقدر على ذلك، فأطلق الفعل وأريد القدرة عليه، وفي رواية الإسماعيلي (( أرأيت إن لم أفعل ) )، وفي رواية الدَّارقطني في «الغرائب» (( فإن لم أستطع ) ).

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (تُعِينُ ضَايِعًا) بالضاد المعجمة وبالياء المثناة التحتية بعد الألف،

ج 11 ص 512

كذا وقع في جميع الرِّوايات في البخاري، وجزم به القاضي عياض وغيره، وكذا هو في رواية مسلم إلا في رواية السَّمرقندي. وجزم الدَّارقطني وغيره بأنَّ هشامًا رواه هكذا دون من رواه عن أبيه، وإذا تقرَّر هذا فقد خبط من قال من شروح البخاري أنَّه روي بالصاد المهملة وبالنون بعد الألف، فإنَّ هذه الرِّواية لم تقع في شيء من طرقه.

وروى الدَّارقطني من طريق معمر عن هشام هذا الحديث بالضاد المعجمة، قال معمر كان الزُّهري يقول صحف هشام، وإنَّما هو بالصاد المهملة والنون. قال الدَّارقطني وهو الصَّواب لمقابلته بالأخرق، وهو الذي ليس بصانعٍ ولا يُحسِن العمل.

وقال عليُّ بن المديني يقولون إنَّ هشامًا صحَّف فيه هذا، ورواية معمر عن الزُّهري عند مسلم بالمهملة والنون، وعكس السَّمرقندي فيها كما تقدَّم.

وقال العيني كأنَّ ابن المُنيِّر اعتمد على أنَّه بالصاد المهملة والنون حيث قال وفيه إشارة إلى أن إعانة الصَّانع أفضلُ من إعانة غير الصَّانع؛ لأنَّ غير الصَّانع مظنة الإعانة، فكلُّ أحدٍ يعينه غالبًا؛ بخلاف الصَّانع فإنه لشهرته بصنعته يغفل عن إعانته، فهو من جنس الصَّدقة على المستور. انتهى.

قال العينيُّ هذا لا بأس به إذا صحَّت الرِّواية بالصاد والنون. وفي «التوضيح» وصوابه بالمهملة والنون.

وقال النَّووي الأكثر في الرِّواية المعجمة، وقال القاضي عياض روايتنا في هذا من طريق هشام بالمعجمة. وعن أبي بحر بالمهملة لمقابلته بالأخرق، كما مرَّ عن الدَّارقطني أيضًا. هذا ومعنى الضائع _بالمعجمة _ الفقير؛ لأنه ذو ضياع من فقرٍ وعيالٍ، والله أعلم.

(أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ) الأَخْرق _ بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وبالراء وبالقاف _ هو الذي ليس في يده صنعة، ولا يحسن الصِّناعة. قال ابنُ سِيْده خرق بالشَّيء جهله ولم يحسن عمله، وهو أخرق، والجمع خُرْق، بضم فسكون. وفي «المثلث» لابن عديس والخُرْق جمع الأخرق من الرِّجال، والخرقاء من النساء، وهما ضدُّ الصَّنَاع والصَّنَع _ بفتحتين _ الأولى للمؤنث والثانية للمذكَّر.

(قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ) أي لم أقدر على الصِّناعة

ج 11 ص 513

والإعانة، وفي رواية الدَّارقطني في «الغرائب» أرأيت إن ضعفت وهو يشعرُ بأن قوله «إن لم أفعل» ؛ أي للعجزِ عن ذلك لا كسلًا مثلًا.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (تَدَعُ النَّاسَ) أي تتركهم (مِنَ الشَّرِّ) و «تدع» من الأفعال التي أمات العرب ماضيها، كذا قالته النُّحاة، ويردُّ عليهم قراءة من قرأ {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى 3] بتخفيف الدال.

وفيه دليلٌ على أن الكفَّ عن الشرِّ داخلٌ في فعل الإنسان وكسبه حتَّى يُؤجرَ عليه، غير أنَّ الثَّواب لا يحصل في الكفِّ إلَّا مع النيِّة والقصد لا الغفلة والذُّهول، قاله القرطبيُّ ملخصًا.

والحاصل أن ترك الشَّر خير موجب للثَّواب، والانكفاف عن الشرِّ هو أقلُّ مراتب المؤمن، وما أحسن قول أبي الفتح البستي

~إنَّا لَفِي زَمنٍ ترْكُ القَبِيحِ بهِ مِنْ أكْثَرِ النَّاسِ إجمَالٌ وَإِحْسَانُ

(فَإِنَّهَا) أي فإن تركهم من الشرِّ، وأنَّث الضَّمير باعتبار الخبر (صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ) بفتح الصاد وتشديد الدال، أصله تتصدَّق، فحذفت إحدى التاءين، ويجوز تشديد الصاد على الإدغام. وفي الحديث (( إنَّ الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان ) ).

قال ابن حبَّان الواو في حديث أبي ذرٍّ هذا بمعنى «ثمَّ» ، وهو كذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدِّم في باب من قال «إنَّ الإيمان هو العمل» [خ¦26] . ولما اختلفت الرِّوايات في أفضل الأعمال قيل قرن الجهاد هنا بالإيمان؛ لأنَّه كان إذ ذاك أفضل الأعمال.

وقال القرطبي تفضيل الجهاد في حال تعيينه، وفضل بر الوالدين لمن يكون له أبوان فلا يجاهد إلَّا بإذنهما، والحاصل أنَّ الأجوبة اختلفت بأحوال السَّائلين.

وفي الحديث أيضًا حسنُ المراجعة في السُّؤال، وصبر المفتي والمعلم على التِّلميذ والمستفتي والرِّفق بهما.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله «فأيُّ الرِّقاب أفضل» ، ورجال إسناد الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخه فإنه كوفي.

وفيه أنَّ هذا الإسناد من أعالي الأسانيد إذ هو في حكم الثُّلاثيات؛ لأن هشام بن عروة الذي هو شيخ شيخه من التَّابعين، وإن كان روى عن تابعي آخر وهو أبوه عروة. وفيه ثلاثة من التَّابعين في نسق وهم هشام وأبوه وأبو مراوح.

ج 11 ص 514

وقد أخرجه مسلم في «الإيمان» ، والنَّسائي في «العتق» ، وابن ماجه في «الأحكام» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت