فهرس الكتاب

الصفحة 2246 من 11127

قال البغوي

ج 7 ص 95

وهذا لفظ حديثٍ أخرجه أحمدُ عن أبي هريرة رضي الله عنه من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( لا صدقةَ إلَّا عن ظهر غِنى ) )، وكذا ذكره البخاري في الوصايا تعليقًا. ولفظ حديث الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( خير الصَّدقة ما كان عن ظهر غنى ) ).

قال الخطَّابي الظَّهر قد يزاد في مثل هذا إشباعًا للكلام، والنَّفي فيه للكمال لا للحقيقة كما أشرنا إليه، وقيل معناه الصَّدقة بالفضل عن قوت عياله وحاجته.

وقال الخطَّابي أفضل الصَّدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية لأهله وعياله، ولذلك يقول وابدأ بمَن تعول.

(وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُحْتَاجٌ) جملةٌ اسميَّة وقعت حالًا كالجملتين بعدهما وهما قوله (أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) مستغرق لماله (فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) جزاء الشَّرط، وفي الكلام محذوف؛ أي فهو أحقُّ وأهله أحق والدَّين أحق أن يقضى.

(مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَهْوَ) أي الشَّيء المتصدق به (رَدٌّ عَلَيْهِ) أي غير مقبول، لأنَّ قضاء الدَّين واجبٌ كنفقة عياله، والصَّدقة تطوُّعٌ، والابتداء بالفرائض قبل النوافل. ومقتضى قوله وهو ردٌّ عليه أن يكون الدَّين المستغرق مانعًا من صحة التَّبرع، لكن هذا ليس على الإطلاق، وإنَّما يكون مانعًا إذا حجر عليه الحاكم وحكم عليه بالإفلاس، وأمَّا قبل الحجر فلا يمنع كما تقرَّر ذلك في موضعه فيُحمل إطلاق البخاري على هذا.

ويُحتمل أن يكون مذهبه أنَّ الدَّين المستغرق يمنع مطلقًا، ولكن هذا خلاف ما قاله العلماء حتَّى إنَّ ابن قدامة وغيره نقلوا الإجماع على أنَّ المنع إنَّما يكون بعد الحجر.

(لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ) في الصَّدقة فليس لأحدٍ إتلاف نفسه أو إتلاف أهله وإحياء غيره، وإنَّما عليه إحياء غيره بعد إحياء نفسه وأهله، إذ هما أوجب عليه من حقِّ سائر النَّاس، فقوله ومَن تصدَّق إلى آخره وقع تفسيرًا لقوله إلَّا عن ظهر غنى.

(قَالَ) وفي رواية (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) فمن أخذ دينارًا وتصدَّق به ولا يجد ما يقضي به الدين فقد دخل في هذا الوعيد.

وهذا التَّعليق طرفٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وصله البخاري في الاستقراض [خ¦2387] عن أبي هريرة رضي الله عنه

ج 7 ص 96

عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( مَن أخذَ أموال النَّاس يريدُ أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذَ يريد إتلافها أتلفه الله ) ).

ثم إنَّ المؤلِّف رحمه الله استثنى من التَّرجمة أو ممَّن تصدَّق وهو محتاجٌ فقال

(إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ) فإنه حينئذٍ له أن يُؤثِر غيره على نفسه ويتصدَّق وإن كان غير غنيٍّ أو محتاجًا إلى ما يتصدَّق به (فَيُؤْثِرَ) بالمثلثة غيره (عَلَى نَفْسِهِ) بما معه (وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ) أي فقر وحاجة (كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ) وتَصدُّقُ أبي بكر رضي الله عنه بجميع ماله مشهورٌ في السِّير.

وورد في حديثٍ أخرجه أبو داود وصحَّحه التِّرمذي والحاكم من طريق زيد بن أسلم سمعتُ عمر رضي الله عنه يقول أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نتصدَّق فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت اليوم أسبقُ أبا بكر، إنْ سبقته يومًا، فجئت بنصفِ مالي، وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكلِّ ما عنده، فقال له النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك ) )قال أبقيتُ لهم الله ورسوله.

وقد يقال تخلِّي أبي بكر رضي الله عنه عن ماله كان عن ظهر غنى؛ لأنَّه كان غنيًا بقوَّة توكُّله، وقال الطَّبري وغيره قال الجمهور من تصدَّق بماله كلِّه في صحَّة بدنه وعقله حيث لا دَين عليه، وكان صبورًا على الفاقة ولا عيال له، أو له عيالٌ يصبرون أيضًا فهو جائزٌ، فإن فقد شيئًا من هذه الشُّروط كُره له ذلك.

وقال بعضهم يردُّ ذلك عليه، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه حيث ردَّ على غيلان الثَّقفي قسمة ماله. وقال آخرون يجوز من الثُّلث ويردُّ عليه الثلثان، وهو قول الأوزاعي ومكحول، وعن مكحول أيضًا يُردُّ ما زاد على النِّصف.

(وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ) حين قدم المهاجرون المدينة وليس بأيديهم شيءٌ فقاسمهم الأنصار. وذكر ابن إسحاق وغيره أنَّ المهاجرين لمَّا نزلوا على الأنصار آثروهم حتَّى قال بعضهم لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أَنزل لك عن إحدى امرأتي فنزل وزوَّجها إيَّاه.

وهذا التَّعليق وصله المؤلِّف في حديثٍ طويل في كتاب الهبة، في باب فضل المنيحة [خ¦2630] .

(وَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ) وهو طرفٌ من حديث المغيرة رضي الله عنه، وقد مضى بتمامه في أواخر صفة الصَّلاة [خ¦844] [1] ، واستدلَّ به المؤلف هنا على ردِّ

ج 7 ص 97

صدقة المديون، وإذا نهى الإنسان عن إضاعة مال نفسه فإضاعة مال غيره أولى بالنَّهي، لا يقال إن الصَّدقة ليست إضاعةً؛ لأنَّها إذا عورضتْ بحق الدَّين لم يبق فيها ثوابٌ، فبطل كونها صدقة وبقيت إضاعة محضَة.

(فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ كَعْبٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) هو كعب بن مالك أحد شعراء النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأحد الثَّلاثة الذين خُلِّفوا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك، وشهد العقبة الثانية، مات سنة خمسين، وقصَّته أنه قال إنَّه لم أكن أقوى ولا أيسر منِّي حين تخلَّفت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك، والله ما اجتمعت لي راحلتان قطُّ إلا في تلك الغزوة، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلَّما يريد غزوة يغزوها إلَّا ورَّى بغيرها حتَّى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا واستقبل عدوًا شديدًا، فَجِلّى للناس أمرهم ليتأهَّبوا لذلك أهبةً، وأخبرهم بوجهه الَّذي يريد، والمسلمون كثير لا يجمعهم كتاب حافظ، وغزا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك الغزوة حين طابت الثمار وراحت الظلال، والناس إليها صُعر، فتجهَّز رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتجهَّز المسلمون معه وجعلت أغدو أتجهَّز معهم فارجع، ولم أقضْ حاجة فأقول في نفسي إنِّي قادرٌ على ذلك إن أردت، ولم يزلْ ذلك يتمادَى بي حتَّى شمَّر الناس بالجد.

وأصبح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غاديًا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا، فقلت أتجهَّز بعده بيومٍ أو يومين ثمَّ ألحق بهم ولم أفعل، وجعلت إذا خرجت في النَّاس بعد خروج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأني رجلٌ مغمور في النِّفاق، أو رجل ممَّن عذره الله من الضُّعفاء، ولم يذكرني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك (( ما فعل كعب بن مالك؟ ) )فقال رجلٌ من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنَّظر في عطفيه، فقال له معاذ رضي الله عنه بئس ما قلتَ، والله يا رسول الله ما علمنا منه إلَّا خيرًا، فسكتَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلمَّا بلغني أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، توجَّه قافلًا جعلتُ أتذكَّر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غدًا وأستعين

ج 7 ص 98

على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ من أهلي، فلما قيل لي إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أظل قادمًا زاح عنِّي الباطل وعرفت أن لا أنجو منه إلَّا بالصِّدق، فأجمعت أنْ أصدقه وصبَّح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، وكان إذا قام من سفرٍ بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين فجلس للنَّاس، فلما فعل ذلك، جاء المخلَّفون من الأعراب، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا فيقبل منهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علانيتهم وأيمانهم ويستغفر لهم ويكِل سرائرهم إلى الله، حتَّى جئتُ إليه فتبسَّم تبسم المغضب، ثمَّ قال لي (( تعال ) )فجئت أمشي بين يديه، ثمَّ قال لي (( ما خلَّفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) )فقلت بلى والله كنتُ اشتريت ظهرًا، وما كان لي من عذرٍ، والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسر منِّي، فقال (( قُم حتَّى يقضيَ الله فيك ) )، ثمَّ قمتُ فسألت النَّاس هل وقع لأحدٍ مثلي، قالوا نعم رجلان كان حالهما مثل حالك، فقالا مثل ما قلت، فقال لهما مثل ما قال لك، فقلت من هما؟ فقالوا مُرارة بن الرَّبيع وهلال بن أميَّة، فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوةٌ، ونهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة من بين مَن تخلَّف عنه، فاجتنبَنا الناس وتغيروا فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأمَّا صاحباي فاسْتَكَانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمَّا أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم فكنت أخرج وأشهد الصَّلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلِّمني أحد، وآتي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في مجلسه بعد الصَّلاة فأسلِّم عليه فأقول هل حرَّك شفتيه بردَّ السلام أو لا.

فبينا أنا أمشى بسوق المدينة إذ أتاني نبطيٌّ من أنباط الشام ممَّن قدم المدينة بالطَّعام يبيعه يقول مَن يدلني على كعب بن مالك، فطفِق النَّاس يشيرون إليَّ حتَّى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسَّان فإذا فيه، أمَّا بعد فإنه بلغني أنَّ صاحبك قد جفاك ولم يجعل الله إيَّاك بدار هوانٍ ولا مضيعةٍ، فالحقْ بنا نواسيك، فقلت لمَّا قرأت هذا أيضًا من البلاء فألقيته في التَّنور فأحرقته حتَّى مضت أربعون من الخمسين؛ إذ برسولِ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاني، فقال إنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرك أن تعتزلَ امرأتك، فقلت أطلِّقها أم ماذا أفعل

ج 7 ص 99

فقال بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبَيَّ مثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فتكونين عندهم حتَّى يقضي الله، فلبثت بعد ذلك عشرَ ليالٍ حتَّى كمل لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاس عن كلامنا، فلمَّا صليت صلاة الفجر صُبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالسٌ على الحال الَّتي ذكر الله تعالى، وقد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعتُ صوتَ صارخٍ على جبل سَلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك، أبشر فخرَرت ساجدًا، وعرفت أنَّ الفرج قد جاءني وآذن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتوبة حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب النَّاس يبشِّروننا، فلمَّا جاء الَّذي سمعت صوته يبشِّرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إيَّاهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذٍ واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتلقَّاني النَّاس أفواجًا أفواجًا يهنئونني بالتَّوبة، ودخلت المسجد فإذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالسٌ وحوله النَّاس فقام أبو طلحة بن عبيد الله يهرول حتَّى صافحني وهنَّأني، وما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، فلمَّا سلَّمت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يبرق وجهه من السُّرور قال (( أبشر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمُّك ) )فقلت أمِن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال (( لا بل مِن عند الله ) )وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سُرَّ استنار وجهه حتَّى كأنَّه قطعة قمر، وكنَّا نعرف ذلك منه، فلمَّا جلست بين يديه.

(قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي) أي من تمام توبتي (أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً) منتهيةً (إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ فَإِنِّي) بالفاء، وفي روايةٍ بدون الفاء.

(أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ) وإنَّما منعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صرف كل ماله، ولم يمنع أبا بكر رضي الله عنه عن ذلك، لقوَّة يقين الصدِّيق وتوكله وشدَّة صبره رضي الله عنه بخلاف كعب رضي الله عنه، فإنه لم يكن مثله، قال كعب رضي الله عنه ثمَّ قلت يا رسول الله إنَّما نجَّاني الله بالصِّدق، وإنَّ من توبتي أن لا أحدِّث إلَّا صدقًا ما بقيت، فأنزل الله تعالى على رسوله {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ}

ج 7 ص 100

إلى قوله {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} الآية [التوبة 117 - 119] . فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمةٍ قط بعد أن هداني الله للإسلام في نفسي من صدقي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا أكون كذبته فأهلك كما هلك الَّذين كذبوا، فإنَّ الله تعالى قال للذين كذبوا حين أُنزل الوحي شرَّ ما قال لأحدٍ قال {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيهِمْ} إلى قوله {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة 96] .

قال كعب وكنَّا تخلَّفنا أيها الثَّلاثة عن أمر أولئك الذين قبِل منهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرنا حتَّى قضى الله فيه بذلك، قال الله تعالى {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة 118] . وليس الَّذي ذكر الله تعالى من تخليفنا لتخلُّفنا عن الغزو، وأنَّه من تخليفه إيَّانا وإرجائه أمرنا عن مَن حلف له واعتذر إليه وقبل منه.

[1] لكنه ورد كاملا في الرقاق برقم (6473) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت