فهرس الكتاب

الصفحة 1889 من 11127

1197 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هو ابنُ عُمَير (قَالَ سَمِعْتُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة (مَوْلَى زِيَادٍ) بكسر الزاي وتخفيف المثناة التحتية.

(قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ) أي بأربع كلماتٍ كلها حِكَمٌ من الأحكام الشَّرعية (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْجَبْنَنِي) بسكون الموحدة على صيغة الجمع للمؤنث، ويروى بصيغة الإفراد، والضَّمير الذي فيه يرجعُ إلى «الأربع» .

(وَآنَقْنَنِي) كذلك بلفظ الجمع والإفراد، وهو بمد الهمزة وفتح النون وسكون القاف يقال آنقه، إذا أعجبه، وشيءٌ مونقٌ؛ أي مُعجِب.

وقال ابنُ الأثير الأَنَق _ بالفتح _ الفرح والسُّرور، والشَّيء الأنيق المُعجِب، والمحدِّثون يروونه «أيقنني» وليس بشيءٍ، وقد جاء في «صحيح مسلم» «لا أينق بحديثه» ؛ أي لا أعجب، والمعنى هنا وأَسَرَتْنِي وفَرَّحتني.

وضبطه الأَصيلي بالمثناة الفوقية بدل النون، من التَّوق، وليس كذلك وإنَّما الصَّواب أن يقال من التَّوق توقنني، كما يقال شوقتني من الشَّوق.

(قَالَ) أي إحداها أنَّه قال

ج 6 ص 49

(لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلاَّ وَمَعَهَا زَوْجُهَا) وفي رواية بدون الواو (أَوْ ذُو مَحْرَمٍ) قال النَّووي المحرم من حرم نكاحها على التَّأبيد بسبب مباح لحرمتها، فقوله «على التَّأبيد» ، احترازٌ من أخت المرأة. وقوله «بسبب مباح» ، احتراز من أمِّ الموطوءة بالشبهة؛ لأنَّ وطئ الشُّبهة لا يوصف بالإباحة؛ لأنَّه ليس بفعل مباحٍ، وقوله «لحرمتها» ، احتراز عن الملاعنة، فإنَّ تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظًا.

وقال أصحابنا الحنفيَّة المَحْرَمُ كل من لا يحلُّ له نكاحها على التَّأبيد؛ لقرابة أو رضاعٍ أو صهارة، والعبد والحر والمسلم والذِّمِّي سواءٌ إلَّا المجوسي الذي يعتقدُ إباحة نكاحها والفاسق؛ لأنَّه لا يحصل به المقصود، ولا بدَّ فيه من العقل والبلوغ لعجز الصبيِّ والمجنون عن الحفظ.

وفي هذا الحكم خمس مذاهب

الأول مذهب الحسن البصريِّ والزُّهري وقتادة، فإنَّهم قالوا لا يجوز للمرأة أن تسافر ليلتين بلا زوجٍ أو مَحْرمَ، فإذا كان أقلُّ من ذلك يجوز، واحتجُّوا في ذلك بالحديث المذكور.

الثَّاني مذهب إبراهيم النَّخعي والشُّعبي وطاوس والظَّاهرية، فإنَّهم قالوا لا يجوز للمرأة أن تسافر مطلقًا سواءٌ كان السَّفر قريبًا أو بعيدًا إلَّا إذا كان معها زوجٌ أو ذو محرمٍ لها.

واحتجُّوا في ذلك بما رواه الطَّحاوي حدَّثنا عبد الأعلى قال حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو سمع أبا معبد مولى ابن عباس يقول قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما خطبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( لا تسافر امرأةٌ إلَّا ومعها ذو محرمٍ، ولا يدخل عليها رجلٌ إلَّا ومعها ذو محرمٍ، فقام رجلٌ فقال يا رسول الله إنِّي قد اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وقد أردتُ أن أحجَّ بامرأتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احجج مع امرأتك ) ).

وروى البخاريُّ [خ¦3006] ومسلم وابن ماجه نحوه قالوا بعموم الحديث واشتماله على حكم السَّفر مطلقًا.

وروى الطَّحاوي أيضًا من حديث سعيد المقبُريِّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تسافر المرأة إلَّا ومعها ذو محرم ) )وأخرجه البزَّار عنه أيضًا.

الثَّالث مذهب عطاء وسعيد بن كيسان وقومٌ من الظَّاهرية، فإنَّهم قالوا بجواز سفر المرأة فيما دون البريد، فإذا كان بريدًا فصاعدًا فليس لها أن تسافرَ إلَّا بمحرمٍ.

واحتجُّوا في ذلك بما رواه الطَّحاوي ثمَّ البيهقيُّ من حديث سعيد المقبُريِّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تسافر امرأة

ج 6 ص 50

بريدًا إلَّا مع زوجٍ أو ذي محرمٍ )) . وأخرجه أبو داود أيضًا.

والبريد فرسخان، وقيل أربعةُ فراسخ، والفرسخُ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع.

الرَّابع مذهب الأوزاعي واللَّيث ومالك والشَّافعي، فإنَّهم قالوا للمرأة أن تسافرَ فيما دون اليوم بلا محرم، وفيما زاد على ذلك لا إلَّا بزوجٍ أو محرمٍ.

لكن عند مالكٍ والشَّافعي لها أن تسافر للحجِّ الفرض بلا زوج ومحرم، وإن كان بينها وبين مكة سفرٌ أو لم يكن فإنهما خصَّا النَّهي عن ذلك بالأسفار الغير [1] الواجبة.

واحتجُّوا في ذلك بما رواه مسلمٌ من حديث أبا سعيد أنَّ أباه أخبره أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافرَ مسيرة يومٍ إلَّا مع ذي محرمٍ ) ).

الخامس مذهب الثَّوري والأعمش وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله، فإنَّهم قالوا ليس للمرأة أن تسافرَ مسافة ثلاثة أيَّام فصاعدًا إلَّا بزوجٍ أو محرم، فإذا كان أقلَّ من ذلك فلها أن تسافر بغير محرم.

واحتجُّوا في ذلك بما رواه أبو داود حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، قال حدَّثني يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تسافر المرأة ثلاثة أيَّام إلَّا ومعها ذو محرمٍ ) )أخرجه الطَّحاوي أيضًا.

ثمَّ التَّوفيق بين هذه الرِّوايات وبيان العمل بحديث الثَّلاث هو أنَّ هذه الأحاديث كلَّها متفقةٌ على حرمة السَّفر عليها بغير محرمٍ مسافة ثلاثة أيَّام فما فوقها.

وفي تقييدهِ بالثَّلاث إباحةٌ لما دونها إذ لو لم يكن كذلك لما كان لتقييدهِ بالثَّلاث فائدة، ولكان النَّهي مطلقًا، وكلام الحكيم يُصان عن اللَّغو وعمَّا لا فائدةَ فيه، فإذا ثبتَ بذكر الثَّلاث، وتعيينهِ إباحة ما دونه يحتاج إلى التَّوفيق بينه وبين ما رُوِيَ من اليوم واليومين والبريد، فيقال إنَّ خبر الثَّلاث إن كان متأخِّرًا فهو ناسخٌ، وإن كان متقدِّمًا فقد جاء الإباحةُ بأقل منه فحرم ما حرمه.

وزاد عليه حرمة أُخرى وهي ما بينه وبين الثَّلاث، فوجبَ استعمال الثَّلاث على ما أوجبه في الأحوال كلِّها فحينئذٍ الأخذ به أولى من الذي يجب في حالٍ دون حال.

وقال القاضي عياض عن أبي سعيدٍ في رواية «ثلاث ليالٍ» ، وفي أخرى عنه «يومين» ، وفي أخرى «أكثر من ثلاث» ، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما. «ثلاث» ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه «مسيرة ليلةٍ» ، وفي أخرى عنه «ثلاث» .

وهذا كلُّه لا يتنافر ولا يختلف،

ج 6 ص 51

فيكون صلى الله عليه وسلم منع من ثلاث ومن يومين ومن يوم وليلة، ومن يوم وهو أقلُّها، وقد يكون هذا منه صلى الله عليه وسلم في مواطن مختلفة، ونوازل متفرِّقةٌ فحدَّث كل من سمعه بما بلغه وشاهده، وإن حدَّث بها واحد فحدَّث مرَّاتٍ على اختلاف ما سمعها، والله أعلم.

(وَ) الثَّانية أنَّه (لاَ صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ) يوم عيد (الْفِطْرِ وَ) يوم عيد (الأَضْحَى) .

أمَّا صوم يوم عيد الفطر فلكونه عيد للمسلمين، ومن المعلوم أنَّه لا يصام يوم عيد، وليحصل الفصل بين الصَّوم والفطر ليعلم انتهاء الصَّوم، ودخول الفطر.

وأمَّا صوم يوم عيد الأضحى فلأنه يوم القرابين، وهو يوم ضيافة الله تعالى، والصَّوم فيه إعراضٌ عن ضيافة الله تعالى.

وقد روى الزُّهري عن أبي عبيد مولى عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه قال شهدت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في يوم نحرٍ بدأ بالصَّلاة قبل الخطبة، ثمَّ قال «سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن صوم هذين اليومين

أمَّا يوم الفطر ففطركُم من صومكم، وعيد للمسلمين، وأمَّا يوم الأضحى فكلوا من لحم نسككم»، رواه التِّرمذي بهذا اللفظ. ورواه أيضًا بقيَّة السِّتة من طرق عن الزُّهري [خ¦1190] [خ¦5571] .

وقوله (( فكلوا من لحمِ نُسككم ) )، إشارةٌ إلى أنَّه لو كان يوم صومٍ لم يؤكل من النُّسك ذلك اليوم فلم يكن لنحرها معنى.

وقيل إنَّ العلَّة في الفطر يوم النَّحر أنَّ فيه دعوة الله التي دعا عباده إليها من تضييفه وإكرامه لأهل منى وغيرهم لما شرع لهم من ذبح النُّسك والأكل منها، فمن صام هذا اليوم فكأنَّه ردَّ على الله تعالى ذلك.

وحكى صاحب «المفهم» عن الجمهور أنَّ فطرهما شَرْعٌ غير معلَّل، وفي أمر عمر رضي الله عنه بالأكل من لحم النُّسك إشارةٌ إلى مشروعيَّة الأكل من الأضحية، وهو متَّفقٌ على استحبابهِ، واختلف في وجوبه، وتحريم صوم هذين اليومين أمرٌ مجمَع عليه بين أهل العلم، وكلٌّ منهما غير قابلٍ للصَّوم.

إلَّا أنَّ الرَّافعي حكى عن أبي حنيفة رحمه الله أنَّه لو نذر صومهما لكان له أن يصومَ فيهما، وليس كذلك فإنَّ مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنَّه لو نذر صوم النَّحر أفطر وقضى يومًا مكانه أمَّا الفطر فلأنَّ الصَّوم فيه معصيةٌ، وأمَّا القضاء فلأنَّه نذر بصومٍ مشروعٍ بأصله، والنَّهي لا ينافي المشروعية، كما تقرر في «الأصول» .

(وَ) الثَّالثة أنَّه (لاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ) صلاة (الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) أي الشَّمس، وقد مرَّ تفصيل هذا الحكم في كتاب «الصَّلاة» [خ¦586] .

(وَ) الرَّابعة أنَّه

ج 6 ص 52

(لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ) قد مرَّ معنى الاستثناء فيما تقدَّم مفصلًا [خ¦1189] (مَسْجِدِ الْحَرَامِ) بمكة (وَمَسْجِدِ) المكان (الأَقْصَى) أي الأبعد عن المسجد الحرام في المسافة أو عن الأقذار والخبث.

وقد روى ابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا (( وصلاة في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ) )، وعند الطَّبراني عن أبي الدَّرداء رفعه أيضًا (( والصَّلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة ) ).

وعند النَّسائي وابن ماجه عن ابن عمرو رضي الله عنهما أنَّ سليمان بن داود عليهما السَّلام لما فرغ من بناء بيت المقدس سأل الله تعالى أن لا يأتي هذا المسجد أحدٌ لا يريد إلَّا الصَّلاة فيه إلَّا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه.

(وَمَسْجِدِي) بطيبة زادها الله شرفًا وفضلًا، وشرَّفنا بزيارتها، ورجال إسناد هذا الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وقد أخرج متنه المؤلف في «الصوم» أيضًا [خ¦1992] .

خاتمة اشتملت أبواب التَّطوع وما معها من الأحاديث المرفوعة على أربعة وثلاثين حديثًا

المعلق منها عشرة أحاديث وسائرها موصولةٌ.

والمكرَّر منها فيها وفيما مضى اثنان وعشرون حديثًا.

والخالص اثنا عشر حديثًا.

وافقه مسلمٌ على تخريجها سوى حديث ابن عمر رضي الله عنهما في صلاة الضُّحى [خ¦1175] ، وحديث عبد الله بن مغفَّل في الرَّكعتين قبل المغرب [خ¦1183] . وحديث عقبة بن عامر فيه [خ¦1184] .

وفيها من الآثار الموقوفة على الصَّحابة، ومن بعدهم أحد عشر أثرًا، وهي الستة المذكورة في الباب الأول، وأثر ابن عمر عن أبيه وأبي بكر رضي الله عنهم [خ¦1175] ، ونفسه في ترك الضُّحى [خ¦1175] ، وأثر أبي تميم في الرَّكعتين قبل المغرب [خ¦1184] ، وأثر محمود بن الربيع عن أبي أيوب [خ¦1186] ، وكلها موصولةٌ.

[1] غير الواجبة أفصح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت