فهرس الكتاب

الصفحة 7247 من 11127

1 - (باب {وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} ) ولم تثبت هذه التَّرجمة إلا في رواية أبي ذرٍّ وحدَه. ضمَّ نافعٌ واو (( وُدًّا ) )وفتحها غيره، ونوَّن (( يغوث ويعوق ) )المطوعيُّ للتَّناسب، ومنع صرفهما الباقون للعلميَّة والعجمة. وقيل للعلميَّة والوزن إن كانا عربيين.

4920 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازي الصَّغير، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعاني (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو الخراسانيُّ لا عطاء بن أبي رباح، ولا عطاء بن يسار، قاله الغسَّاني.

وقد أخرج عبد الرَّزَّاق هذا الحديث في «تفسيره» عن ابن جُريج قال أخبرني عطاء الخراسانيُّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وهو معطوفٌ على محذوف بيَّنه الفاكهاني [1] من وجهٍ آخر عن ابن جريج قال في قوله تعالى {وَدًّا وَلَا سُوَاعًا} الآية قال أوثان كان قوم نوحٍ يعبدونها. وقال عطاء قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) قيل هذا منقطعٌ؛ لأنَّ عطاء المذكور لم يلق ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وقال أبو مسعود ثبت هذا الحديث في «تفسير ابن جريج» عن عطاء الخراسانيِّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وابن جرُيج لم يسمع التَّفسير من عطاءٍ الخراساني، وإنَّما أخذ الكتاب من ابنه عثمان بن عطاءٍ فنظر فيه.

وروي عن صالح بن أحمد بن حنبل في «العلل» عن عليِّ بن المديني،

ج 21 ص 296

قال سألت يحيى القطَّان عن حديث ابن جُريج عن عطاء الخراساني، فقال ضعيفٌ، فقلت ليحيى إنَّه يقول أخبرنا عطاء، قال لا شيء، إنَّما هو كتاب دفعه إليه ابنه، انتهى.

وكان ابن جريجٍ يستجيز إطلاق أخبرنا في المناولة والمكاتبة.

وقال الإسماعيليُّ أُخْبرت عن علي بن المديني أنَّه ذكر عن «تفسير ابن جريج» كلامًا معناه أنَّه كان يقول عن عطاء الخراسانيِّ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما فطال على الورَّاق أن يكتب الخراساني في كلِّ حديثٍ فتركه. فرواه من روى على أنَّه عطاء بن أبي رباح. انتهى.

وأشار بهذا إلى القصَّة التي ذكرها صالح بن أحمد عن علي بن المديني ونبَّه عليها أبو علي الجياني في «تقييد المهمل» . قال ابنُ المديني سمعت هشام بن يوسف يقول قال لي ابن جُريج سألت عطاء عن التَّفسير من البقرة وآل عمران، ثمَّ قال اعفني من هذا، قال هشام فكان بعد إذا قال قال عطاء عن ابن عبَّاس قال عطاء الخراساني، [قال هشام] [2] فكتبنا ثمَّ مللنا يعني ما كتبنا الخراساني.

قال ابنُ المديني وإنَّما بيَّنت هذا لأنَّ محمد بن ثور كان يجعلها عن ابن جريجٍ عن عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ولا يقول الخراساني فيظنُّ أنَّه عطاء بن أبي رباح.

وقد أخرج الفاكهي الحديث المذكور من طريق محمد بن ثور عن ابن جريجٍ عن عطاء عن ابن عبَّاس، ولم يقل الخراساني.

وأخرجه عبد الرَّزَّاق كما تقدَّم فقال الخراساني، وهذا ممَّا استُعظم على البخاريِّ أن يخفى عليه.

قال الحافظُ العسقلاني لكن الَّذي قوي عندي أنَّ هذا الحديث بخصوصه عند ابن جُريجٍ عن عطاء الخراساني وعن عطاء بن أبي رباح جميعًا، ولا يلزم من امتناع عطاء بن أبي رباح من التَّحديث بالتَّفسير أن لا يُحدِّث بهذا الحديث في بابٍ آخر من الأبواب، أو في المذاكرة، وإلَّا فكيف يخفى على البخاري ذلك مع تشدده في شرط الاتصال، واعتماده غالبًا في العلل على عليِّ بن المديني شيخه، وهو الَّذي نبَّه على هذه القصَّة.

ويؤيِّد هذا أنَّه لم يكثر من تخريج هذا، وإنَّما ذكره بهذا الإسناد في موضعين هذا، والآخر في «النِّكاح» [خ¦5067] ولو كان خفي عليه لاستكثر من إخراجه؛ لأنَّ ظاهره أنَّه على شرطه. انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ تشدده في شرط الاتِّصال لا يستلزمُ عدم الخفاء، فسبحان من لا يخفى عليه شيءٍ، انتهى فليتأمَّل.

(صَارَتِ الأَوْثَانُ) جمع وثن، وفي «المغرب» الوثن ما له جُثَّةٌ من خشبٍ، أو حجرٍ، أو فضَّةٍ، أو جوهر يُنحت، وكانت العرب تنصب الأوثان (الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ) يعبدونها(فِي الْعَرَبِ

ج 21 ص 297

بَعْدُ)بضم الدال؛ أي بعد كون الأوثان في قوم نوحٍ عليه السلام، وروى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن قتادة كانت الأوثان آلهة يعبدها قوم نوحٍ، ثمَّ عبدتها العرب بعد.

وقال أبو عبيدة زعموا أنَّهم كانوا مجوسًا، وأنَّها غرقت في الطُّوفان، فلمَّا نضب الماء عنها أخرجها إبليس عليه اللَّعنة فبثَّها في الأرض، انتهى.

وقال الحافظُ العسقلاني قوله كانوا مجوسًا غلط، فإنَّ المجوسيَّة نحلة ظهرت بعد ذلك بدهرٍ طويلٍ، وإن كان الفرس يدَّعون خلاف ذلك.

وعن محمَّد بن كعب القرظي كان لآدم عليه السلام خمس بنينٍ ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، فمات رجلٌ منهم فحزنوا عليه فقال الشَّيطان أنا أصوِّر لكم مثله، إذا نظرتم إليه ذكرتموهُ، قالوا افعلْ، فصوَّره في المسجد من صفرٍ ورصاص، ثمَّ مات آخر وصوَّره، حتَّى ماتوا كلُّهم، وتنقَّصت الأشياء إلى أن تركوا عبادة الله بعد حين، فقال الشَّيطان للنَّاس ما لكم لا تعبدون إلهكم وإله آبائكم ألا ترونها في صلاتكم، فعبدوها من دون الله حتَّى بعث الله عزَّ وجلَّ نوحًا عليه السلام.

وقال السُّهيلي في «التعريف» إنَّ يغوث هو ابنُ شيث عليه السلام فيما قيل، وكذلك سُواع وما بعده وكانوا يتبرَّكون بدعائهم، فكلَّما مات منهم أحدٌ مثلوا صورته، وتمسَّحوا بها إلى زمن مهلاييل بن قَيْنان فعبدوها بتدريج الشَّيطان لهم، ثمَّ صارت سُنَّةً في العرب في الجاهليَّة، ولا أدري من أين سرت لهم تلك الأسماء من قبل الهند فقد قيل إنَّهم كانوا في المبدأَ في عبادة الأصنام بعد نوح عليه السلام أم الشيطان ألهم العرب ذلك. انتهى.

وما ذكره ممَّا نقله تلقَّاه من «تفسير بقي بن مخلد» فإنَّه ذكر فيه نحو ذلك على ما نبَّه عليه ابن عسكر في «ذيله» . وفيه أنَّ تلك الأسماء وقعت إلى الهند فسمَّوا بها أصنامهم، ثمَّ أدخلها إلى أرض العرب عَمرو بن لحي.

وعن عروة بن الزُّبير أنَّهم كانوا أولاد آدم لصلبه، وكان ودٌّ أكبرهم وأبرُّهم به.

وقد أخرج الفاكهيُّ من طريق ابن الكلبي قال كان لعَمرو بن ربيعة رئي له من الجنِّ فأتاه، فقال أجب أبا ثُمامة، وادخل بلاد ملامة، ثمَّ ائت سيف جدَّة تجد بها أصنامًا معدَّة،

ج 21 ص 298

ثمَّ أوردها تهامة ولا تهب، ثمَّ ادع العرب إلى عبادتها تُجَب.

قال فأتى عَمرو ساحل جدَّةٍ فوجد بها ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وهي الأصنام الَّتي عُبِدت على عهد نوح وإدريس عليهما السلام، ثمَّ إنَّ الطُّوفان طرحها هناك، فسفى عليها الرَّمل فاستثارها عَمرو وخرجَ بها إلى تهامة، وحضرَ الموسم فدعا إلى عبادتها فأُجيب، وعَمرو بن ربيعة هو عَمرو بن لحي كما تقدَّم [خ¦3521] .

(أَمَّا وُدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ) هو ابنُ وبرة بن قضاعة (بِدُوْمَةِ) بضم الدال، كذا روى أبو ذرٍّ، ويروى بفتحها أيضًا (الْجَنْدَلِ) بفتح الجيم وسكون النون، ودومة الجندل مدينةٌ من الشَّام ممَّا يلي العراق، ويُقال بين المدينة والشَّام والعراق (وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة، مصغَّرًا قبيلة، زاد أبو عبيدة ابن مُدْركة بن إلياس بن مضر، وكانوا بقرب مكَّة. وقال ابن إسحاق كان سُواع بمكان لهم يُقال له رُهَاط _ بضم الراء وتخفيف الهاء _ من أرض الحجاز من جهة السَّاحل.

(وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ) بضم الميم وتخفيف الراء وبالمهملة، أبو قبيلةٍ من اليمن (ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ) بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة وسكون التحتية بعدها فاء، مصغَّرًا وهو بطنٌ من مراد، وهو غُطَيف بن عبد الله بن ناجية بن مراد، وفي مرسل قتادة وكانت لبني غُطَيف (بِالْجَوْفِ) بفتح الجيم وسكون الواو وبالفاء، وهو المطمئنُّ من الأرض، وقيل هو وادٍ باليمن، وفي رواية أبي ذرٍّ عن غير الكُشميهني بفتح الحاء المهملة وسكون الواو، وفي روايةٍ له عن الكُشميهني بضم الجيم والراء، وكذا في مرسل قتادة. قال ياقوت ورواية الحميدي بالراء. وفي رواية النَّسفي بالجيم والواو والنون.

(عِنْدَ سَبَأ) مدينة بلقيس، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله وقيل هو اسم رجلٍ ولد منه عامة قبائل اليمن، وكذا جاء مفسَّرًا في الحديث، وسُمِّيت المدينة به. وقال أبو عثمان رأيت يغوث كان من رصاصٍ على صورة أسد.

(وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ) بسكون الميم

ج 21 ص 299

وإهمال الدال، قبيلةٌ. قال أبو عبيدة هذا الحيُّ من همدان اتَّخذوا يعوقَ بأرضهم، وأمَّا مدينة هَمذان الَّتي هي مدينةٌ من بلاد عراق العجم فهي بفتح الميم وبالذال المعجمة.

(وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح المثناة التحتية وآخره راء (لآلِ ذِي الْكَلاَعِ) بفتح الكاف وتخفيف اللام آخره عين مهملة، أبو قبيلة، وقيل اسم ملكٍ من ملوك اليمن. وفي مرسل قتادة لذي الكلاع من حمير، وزاد الفاكهيُّ من طريق ابن إسحاق اتَّخذوه بأرضِ حمير.

(أَسْمَاءُ رِجَالٍ) أي هذه الخمسة أسماء رجالٍ، كذا قرَّره الكرمانيُّ فيكون ارتفاع أسماء على الخبريَّة للمبتدأ المحذوف. ويُروى وهي رواية أبي ذرٍّ، والمراد ونسر وأخواته أسماء رجالٍ، والرِّواية الأولى أولى. وقال بعض الشُّرَّاح أنَّ قوله «ونسر» ، غلط والصَّواب وهي.

(صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ) وقال الحافظ العسقلاني ووقع في رواية محمَّد بن ثور بعد قوله (( وأمَّا نَسْر فكان لآل ذي الكلاع، قال ويُقال هذه أسماء رجالٍ صالحين ... إلى آخره ) )وهذا هو أوجه الكلام وصوابه (فَلَمَّا هَلَكُوا) أي الرِّجال الصَّالحون (أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا) بكسر الصاد المهملة (إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ) أي فيها (أَنْصَابًا) جمع نصب، وهو ما ينصب لغرض كالعبادة (وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ) أي سمُّوا هذه الأصنام بأسماء الصَّالحين (فَفَعَلُوا) قال بعض الشُّرَّاح محصَّلُ ما قيل في هذه الأصنام قولان

أحدهما أنَّها كانت في قوم نوحٍ عليه السلام. والثاني أنَّها كانت أسماء رجالٍ صالحين إلى آخر القصَّة. قال الحافظُ العسقلاني بل يرجع ذلك إلى قولٍ واحدٍ فإنَّ قصَّة الصَّالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوحٍ عليه السلام هذه الأصنام بعد موتهم، ثمَّ تبعهم مَن بعدهم على ذلك.

(فَلَمْ تُعْبَدْ) أي هذه الأصنام (حَتَّى إِذَا هَلَكَ) أي إلى أن هلكَ (أُولَئِكَ) الصَّالحون (وَتَنَسَّخَ) بلفظ الماضي المعلوم من التَّفعل؛ أي تغير (الْعِلْمُ) أي علمهم بصورة الحال، وزالت معرفتهم بذلك،

ج 21 ص 300

وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بنون مضمومة ومهملة مكسورة، على البناء للمفعول.

(عُبِدَتْ) على صيغة المجهول، والحاصل أنَّهم لمَّا ماتوا وتغيَّرت صورة الحال جعلوها معابيد بعد ذلك. وأخرج الفاكهيُّ من طريق عبيد الله بن عبيد بن عُمير قال أوَّل ما حدثت الأصنام على عهد نوحٍ عليه السلام وكانت الأبناء تبرُّ الآباء، فمات رجلٌ منهم فجزعَ عليه فجعل لا يصبر عنه، فاتَّخذ مثالًا على صورته، فكلَّما اشتاق إليه نظره، ثمَّ مات ففُعل به كما فُعِل حتَّى تتابعوا على ذلك، فمات الآباءُ فقال الأبناء ما اتَّخذ هؤلاء [3] آباؤنا إلَّا أنَّها كانت آلهتهم فعبدوها.

وحكى الواقدي قال كان ودٌّ على صورة رجلٍ، وسُواعٌ على صورة امرأةٍ، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرسٍ، ونسر على صورة طائر، وهذا شاذٌّ، والمشهور أنَّهم كانوا على صورة البشر، وهو مقتضى ما تقدَّم من الآثار في سبب عبادتها، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة أظهر من أن يخفى.

[1] كذا في العمدة، وفي الفتح (الفاكهي) .

[2] من فتح الباري

[3] في هامش الأصل في نسخة هذه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت