فهرس الكتاب

الصفحة 4740 من 11127

3031 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ) أي من يقتله، ومَنْ مبتدأ، ولكعب خبره، وكعب بن الأشرف ضدُّ الأخسِّ هو اليهودي القرظي، وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذيهِ، ويسمَّى بطاغوت اليهود.

(فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فيه حذف؛ أي آذى رسول الله، وأذاه لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم هو أذى لله تعالى؛ لأنَّه لا يرضى به، قاله العَيني، فليُتَأمَّل.

(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام، الأنصاري الحارثي (أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ) الهمزة فيه للاستفهام، وكلمة أنْ في (( أنْ أقتلَه ) )مصدرية، والتَّقدير أتحب قتله (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ هَذَا يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَنَّانَا) بالنون المشددة؛ أي أتعبنا وكلَّفنا بالأوامر والنَّواهي (وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ) بفتح الهمزة واللام، والضَّمير للنَّبي صلى الله عليه وسلم، والصَّدقة منصوب على أنَّه مفعول ثان؛ أي طلبها منَّا ليضعها مواضعها.

(قَالَ) أي كعب بن الأشرف (وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلَّنَّه) من الملال؛ أي والله بعد ذلك تزيدُ ملالتكم عنه، وتتضجَّرون عنه أكثر وأزيد من ذلك (قَالَ) أي محمَّد بن مسلمة (فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ) أي نكره فراقَه، ولا شكَّ أنَّهم كانوا يحبُّون الكون معه أبدًا ويكرهون فراقه (حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ) من الظَّفر والغلبة على كلِّ من يخالفه، وهذا من التَّعريض الجائز بل من المستحسن كما ترى، فإنَّ معناه الباطني أنَّه أدبنا بآداب الشَّريعة التي فيها تَعَبٌ، لكنَّه تعب في مرضاة الله تعالى، وأخذ منَّا الصدقة ليضعها مواضعها التي أمرَ الله بها فاتَّبعناه، ونحبُّ الكون معه ولا نفارقه

ج 14 ص 9

أبدًا.

حتَّى قال ابن المنيِّر التَّرجمة غير مطابقة للحديث؛ لأنَّ الذي وقع منه في قتل ابن الأشرف يمكن بأن يكون تعريضًا، ولا يكون الأمر كما فهم المخاطب من أنَّ المراد هو العناءُ الذي ليس بمحبوب.

وقال الحافظُ العسقلاني والذي يظهر أنَّه لم يقع منه فيما قاله شيء من الكذب أصلًا، وجميع ما صدر منه تلويح وتعريض، لكن ترجم بذلك لقول محمَّد بن مسلمة للنَّبي صلى الله عليه وسلم أولًا (( ائذن لي أن أقولَ ) ).

قال قل فإنَّه يدخل فيه الإذن في الكذبِ تصريحًا وتلويحًا، وهذه الزِّيادة وإن لم تذكر في سياق حديث الباب فهي ثابتةٌ فيه كما في الباب الذي بعدَه [خ¦3032] ، والحديثُ واحد في الأصل عن جابر رضي الله عنه، على أنَّه لو لم يرد ذلك لما كانت التَّرجمة منافرة للحديث؛ لأنَّ معناها حينئذٍ أنَّ الكذب في الحرب هل يسوغ مطلقًا أو يجوزُ منه الإتيان بما دون التَّصريح. وقد جاءَ من ذلك صريحًا ما أخرجه التِّرمذي من حديث أسماءَ بنت يزيد مرفوعًا (( لا يحلُّ الكذب إلَّا في ثلاث تحديث الرَّجل لامرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، وفي الإصلاحِ بين النَّاس ) ).

وقد تقدَّم في كتاب الصُّلح ما في حديث أمِّ كلثوم بنت عقبة بهذا المعنى من ذلك [خ¦2692] ، ونقل الخلاف في جواز الكذب مطلقًا أو تقييده بالتَّلويح.

وقال النَّووي الظَّاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثَّلاثة، لكن التَّعريض أولى، وقد مرَّ عن ابن العربي آنفًا الكذب في الحربِ من المستثنى الجائز بالنَّص رفقًا بالمسلمين لحاجتهم إليه، وليس للعقلِ فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقلِ ما انقلب حلالًا.

ويقوِّيه ما أخرجه أحمد وابن حبَّان من حديث أنس رضي الله عنه في قصَّة الحجَّاج بن عِلاط الذي أخرجه النَّسائي، وصحَّحه الحاكم في استئذان النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحتهِ في استخلاصِ ماله من أهل مكَّة، وأذن له النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإخباره لأهل مكَّة أنَّ أهل خيبر هزموا

ج 14 ص 10

المسلمين وغير ذلك ممَّا هو مشهور فيه.

ولا يعارض ذلك ما أخرجه النَّسائي من طريق مصعب بن سعد، عن أبيه في قصَّة عبد الله بن أبي سرح، وقول الأنصاري للنَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا كف عن بيعته هلَّا أومأت بعينك؟ قال (( ما ينبغي لنبيٍّ أن يكون له خائنة الأعين ) )لأنَّ طريق الجمع بينهما أنَّ المأذون فيه بالخداع والكذب في الحرب حالة الحرب خاصَّة، وأمَّا حالة المبايعة فليست بحالة حرب، كذا قال، وفيه نظر؛ لأنَّ قصَّة الحجَّاج بن عِلاطٍ أيضًا لم تكن في حالة الحرب.

والجواب المستقيم أن يقول المنع مطلقًا من خصائص النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتعاطى شيئًا من ذلك وإن كان مباحًا لغيره، ولا يعارض ذلك ما تقدَّم من أنَّه كان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، فإنَّ المراد أنَّه كان يريد أمرًا فلا يظهره كأن يريد أن يغزو جهة الشَّرق فيسأل عن أمر في جهة الغرب، ويتجهَّز للسَّفر فيظن من يراه ويسمعه أنَّه يريد جهة الغرب، وأمَّا أنْ يصرِّح بإرادته الغرب، وإنَّما مراده الشَّرق فلا، والله تعالى أعلم.

(فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ) فإن قيل هذا نوعٌ من الغدر فيكف جاز؟ فالجواب حاشا؛ لأنَّه نقضَ العهد بإيذائه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال المازريُّ نَقَضَ عهدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاهُ وأعان المشركين على حربهِ، فإن قيل أَمَّنَهُ محمَّدُ بن مسلمة فكيف خانه؟ فالجواب أنَّه لم يصرِّح له ما بان في كلامه، وإنَّما كلَّمه في أمر البيع والشِّراء والشِّكاية إليه والاستئناس به حتَّى تمكَّن من قتله، قيل في قتلِ محمَّد بن مسلمة كعبَ بن الأشرف دَلالة على أنَّ الدَّعوة ساقطةٌ ممَّن قرب من دار الإسلام.

وهذا الحديث قد مضى في كتاب الشَّرِكة، في باب رهن السِّلاح [خ¦2510] ، ثمَّ إنَّ قصَّة محمَّد بن مسلمة كانت في رمضان، وقيل في ربيع الأوَّل، والأوَّل أشهر في السنة الثَّالثة من الهجرة.

وقال ابنُ إسحاق أتى كعب المدينة فنزلها، ولمَّا جرى ببدرٍ ما جرى قال ويحكم أحقٌّ

ج 14 ص 11

هذا؟ وأنَّ محمَّدًا قتل أشراف العرب وملوكها؟ والله إن كان هذا حقًّا لبطن الأرضِ خيرٌ من ظهرها، ثمَّ خرج حتَّى قدم مكَّة فنزلَ على المطَّلب بن أبي وَدَاعة السَّهمي فأكرمه المطَّلب، فجعل ينوحُ ويبكي على قتلى بدرٍ، ويحرِّض النَّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشدُ الأشعار في ذلك، وبلغَ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( مَن لِكعبِ بن الأشرف ) )فقال محمَّد بن مسلمة الأنصاري أخو بني عبد الأشهل أنا له يا رسول الله، وسردَ في ذلك كلامًا كثيرًا، ثمَّ قال إنَّه اجتمع به وسأله أن يسلفَه سلفًا وجرى بينهما ما يتعلَّق بالرَّهن إلى أن قال نرهنك اللأمةَ؛ يعني السِّلاح، قال نعم، فواعدَه أن يأتيه بالحارث بن أوس وأبي عبس وجابر بن عتيك وعبَّاد بن بشر، قال فجاءوه فدعوه ليلًا، فنزل إليهم فقالت له امرأته إنِّي لأسمع صوتًا كأنَّه صوت دم، فقال إنَّما هو محمَّد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، وإنَّ الكريم لو دُعي إلى طعنةٍ لأجاب.

وقال محمَّد إنِّي إذا جاء سأمُدُّ يدي، فإذا استمكنتُ منه فدونكم، قال فنزلَ وهو متوشِّح، فقال له نجد منك ريح الطِّيب، قال نعم تحتي فلانة أعطرُ نساء العرب، فقال محمَّد أتأذنُ لي أن أشمَّ منه؟ قال نعم، فشمَّ فتناولَ فشمَّ، ثمَّ عاد فشمَّ، فلمَّا استمكنَ منه، قال دونكُم، فقتلوه، ثمَّ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه.

وحكى الطَّبري عن الواقدي فجاءوا برأس كعبِ بن الأشرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي كتاب «الوفا في حقوقِ المصطفى» إنَّ الذين قتلوا كعبًا حملوا رأسه في المخلاة، فقيل إنَّه أوَّل رأسٍ حُمل في الإسلام، وقيل بل رأس أبي غرَّة الجُمَحي الذي قال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جِحر مرَّتين ) )فقتله واحتمل رأسه إلى المدينة في رمح.

وأمَّا أوَّل مسلم حُمِلَ رأسُه في الإسلام فعَمرو بن الحَمِق، وله صحبة، وقد مرَّ وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت