154 - (باب مَنْ لَمْ يَرُدَّ السَّلَام) من المأموم (عَلَى الإِمَامِ) بتسليمةٍ ثالثةٍ بين التَّسليمتين (وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلاَةِ) وهو التَّسليمتان عن يمين وعن يسار، وأراد البخاريُّ بهذه الترجمة الردَّ على مَنْ يَستحبُّ تسليمةً ثالثة على الإمام بين التسليمتين، وهم طائفةٌ من المالكيَّة.
وقال ابن المُنيِّر يريد البخاريُّ أنَّ من كان خلف الإمام يسلِّم واحدة ينوي بها الخروج من الصَّلاة، ولا ينوي بها الردَّ على الإمام. انتهى.
وقال ابن بطَّال أظنَّ البخاريَّ قصد الردَّ على من أوجب التسليمة الثانية، هذا وكلٌّ منهما محلُّ نظر، والصَّواب هو الأول. ثمَّ إنَّه روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان لا يردُّ على الإمام، وعن النخعيِّ إن شاء ردَّ وإن شاء لم يرد. وفي «التوضيح» ومالك يرى أنَّه يَردُّ، وبه قال ابن عمر في أحد قوليه والشَّعبي وسالم وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح، والجمهور على أنَّه لا يردُّ، والله أعلم.
ثمَّ إنَّه قد اختلف العلماء في أنَّ التَّسليم في آخر الصَّلاة تسليمتان، أو مرَّةً واحدةً، فذهب عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ومحمد بن سيرين والأوزاعي ومالك إلى أنَّ التَّسليم في آخر الصَّلاة مرَّةً واحدةً.
ويحكى ذلك عن ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة وسمُرة والبراء بن عازب ووائل بن حجر وعدي بن عميرة الحضرمي وأبو مالك الأشعري وغيرهم رضي الله عنهم.
واحتجُّوا في ذلك بحديث سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 588
كان يسلِّم في الصَّلاة بتسليمةٍ واحدةٍ السلام عليكم. رواه الطحاويُّ في «شرح معاني الآثار» وأبو عمر بن عبد البرِّ في «الاستذكار» .
وبحديث عائشة رضي الله عنها المرويِّ في «السنن» أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يسلِّم تسليمةً واحدة (( السلام عليكم ) )يرفع بها صوته حتَّى يوقظنَا، وذهب نافع بن عبد الحارث وعلقمة وأبو عبد الرحمن السُّلمي وعطاء بن أبي رباح والشَّعبي والثوري والنَّخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشَّافعي وإسحاق وابن المنذر إلى أنَّ التسليم في آخر الصلاة ثنتان مرة عن يمينه، ومرة عن يساره.
ويحكى ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمَّار رضي الله عنهم.
وأخرج الطحاويُّ حديث التسليم عن عدَّةٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم، وهم سعد وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وسهل بن سعد وحذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وواثلة بن الأسقع وعبد الله بن زيد رضي الله عنهم؛ فهؤلاء رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ المصلِّي يسلِّم في آخر صلاته تسليمتين تسليمة عن يمينه وتسليمة عن يساره.
وأجاب الطحاويُّ بما محصِّله أنَّ رواية التسليمة الواحدة هي رواية الدَّراوردي، وأنَّ عبد الله بن المبارك وغيره خالفوه في ذلك، ورووا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يسلِّم تسليمتين.
وقد أُجيب أيضًا بأنَّ حديث التَّسليمة الواحدة معلولٌ، كما ذكره العقيليُّ وابن عبد البر، وبأنَّه في قيام الليل، وبأنَّ حديث عائشة رضي الله عنها ليس صريحًا في الاقتصار على تسليمةٍ واحدة، بل أخبرت أنَّه كان يسلِّم تسليمةً يوقظهم بها، ولم تنف الأخرى، بل سكتتْ عنها، وليس سكوتها عنها مقدَّمًا على رواية من حفظها وضبطها، وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم أصحُّ.
وقال الشافعيُّ وأصحابه إذا اقتصر الإمام على التَّسليمة سنَّ للمأموم تسليمتان؛ لأنَّه خرج عن المتابعة بالأولى بخلاف التشهُّد الأول لو تركه الإمام لزم المأموم تركه؛ لأنَّ المتابعة واجبة عليهم قبل السلام.
ثمَّ إنَّهم اختلفوا في التَّسليم، هل هو واجبٌ أو سنةٌ؛ فعن أبي حنيفة أنَّه واجب، وعنه أنَّه سنة.
وقال صاحب «الهداية» ثمَّ إضافة لفظ السلام واجبةٌ عندنا، وليست بفرض خلافًا للشَّافعي، وفي «المغني» لابن قدامة التَّسليم واجبٌ لا يقوم غيره مقامه، والواجبُ تسليمة واحدة والثَّانية سنة.
وقال ابن المنذر أجمع العلماء على أنَّ صلاة من اقتصرَ على تسليمةٍ واحدةٍ جائزة.
وقال الطحاويُّ قال الحسنُ بن الحر هما واجبتان، وهي رواية عن أحمد، وبه قال بعض أصحاب مالك.
وفي «المغني» السُّنَّة أن يقول السلام عليكم ورحمة الله، فإن قال وبركاته أيضًا
ج 4 ص 589
فحسن، والأول أحسن، وإن قال السلام عليكم، ولم يزد فظاهر كلام أحمد أنَّه يجزئه. وقال ابن عقيل الأصحُّ أنَّه لا يجزئه.
فإن عكس الكلام وقال وعليكم السلام لم يجزئه. وقال القاضي فيه وجه أنَّه يجزئه وهو مذهب الشَّافعي، وقال ابنُ حزم الأولى فرض، والثانية سنة حسنةٌ لا يأثم تاركها.